-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

ماذا بعد انقضاء الشّطر الأوّل من رمضان؟

سلطان بركاني
  • 98
  • 0
ماذا بعد انقضاء الشّطر الأوّل من رمضان؟

عند أذان المغرب من يوم الخميس الماضي، انقضى الشّطر الأوّل من رمضان… 15 يوما مضت في سرعة عجيبة، كأنّها 15 ساعة من الزّمان، ليظلّ رمضان في كلّ عام يقرع القلوب ويهزّ الأرواح بحلوله وتوالي أيامه وسرعة انقضائه، ويبقى واعظا صامتا يكشف حقيقة الحياة الدّنيا وأنّ عمرها أقصر ممّا نظنّ وأعمارنا التي هي رأس مالنا فيها أقصر ممّا نؤمّل.
مضى الشّطر الأولّ من رمضان؛ فهنيئا لمن وجد حلاوة الصيام وأُنس القيام، في تلك الأيام التي لم يبق لها من خبر إلا ما دوّن في صحائف الأعمال… هنيئا لمن أحسّ بلين في قلبه وسموّ في روحه وتغيّر في حاله… هنيئا لمن أمضى هذه الأيام الخمسة عشر وهو يحرس صيامه من أن تفسده كلمة أو نظرة، وبين عينيه قول النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم-: “من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدّم من ذنبه”… ويحرِص على أن يبكّر إلى بيت الله لصلاة التراويح ويخشع في صلاته ويلتذّ بالقيام ويُروي قلبه وروحه بكلام الله، ويصبر حتى آخر تسليمة، وهو يرجو أن يحظى بأجر قيام ليلة كاملة، وعينه على قول النبيّ – صلّى الله عليه وسلّم -: “من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدّم من ذنبه”… هنيئا لمن كان قلبه في كلّ ليلة يرنو إلى السّماء ينتظر من مولاه نظرة رحمة وعفو يقول معها لملائكته الكرام: “اشهدوا يا ملائكتي أنّي قد غفرت لعبدي فلانٍ وأعتقت رقبته من النّار”… هنيئا لمن كان يجلس بعد الصّلوات، يتلو كلام الله ربّ البريات، وهو يستشعر أنّه يسمع مولاه يعظه ويأمره ويزجره… هنيئا لمن تصدّق لإعانة المحتاجين وإفطار الصّائمين… هنيئا لمن لم ينس أنّ أبواب الجنّة فتّحت في أوّل ليلة من رمضان، ولم ينس أنّ رمضان كأنّه شهر من الجنّة، يعود كلّ عام ليردّ العباد إلى طريق الجنّة، فكانت نسمات الجنّة تهبّ على روحه في كلّ ليلة، وكان إذا أوى إلى فراشه في كلّ ليلة يقول في نفسه: “آآآه لو يعفو ربّي عنّي ويدخلني جنّته… آآآه لو أكون ممّن يسمعون هذا النّداء: ((ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ))… آآآه لو يجمعني الله بوالديّ وزوجتي وأولادي في الجنّة، بعد هموم هذه الدّنيا وغمومها وعنائها”… هنيئا لمن لم ينس في هذه الأيام الخمسة عشر أنّ الأجور والحسنات تضاعف في رمضان، وأنّ ساعاته أغلى من الذّهب؛ وفكان يبخل بها عن أن يضيّعها في متابعة منشورات ومقاطع الفايسبوك والتيكتوك التافهة أو أن يقضيها في مجالس اللغو الطّويلة.
كثير منّا – وأنا منهم – يحسّ بالتقصير والتفريط في النّصف الأوّل من رمضان… نسي مغفرة الذّنوب ونسي مضاعفة الأجور والحسنات ونسي تفتّح أبواب الجنّة، وتثاقل في الصلاة وبخل بالصّدقات وقرأ القرآن بغير خشوع ولم يكن له من همّ في قراءته إلا أن يصل إلى آخر الجزء… لم يخشع في صيامه، ولم يخشع في قيامه إلا قليلا، ولم يجد تغيّرا محسوسا في قلبه ورحه… يشعر بكلّ أسف أنّ الـ360 ساعة التي مضت، أكثرها ذهب في الأسواق وأمام شاشة الهاتف!
والله إنّه لأمر مؤسف للغاية أن نرى صفوف المساجد أخذت في التناقص بعد الأسبوع الأوّل من رمضان، ولم تكد العشر الأولى تنقضي حتى خارت العزائم وثقلت الأبدان وكثر المتسلّلون لواذا… فما الذي دهانا؟ لماذا يتكرّر معنا ذات المشهد كلّ عام؟ لماذا نفتر عن طاعة الله بهذه السهولة وبهذه السرعة؟ هل أتانا ضمان بأنّنا سنعيش رمضان آخر بعد رمضان هذا العام؟ هل اكتفينا من الحسنات؟ أم هل ضمنّا أنّ الله قد غفر ذنوبنا وأعتق رقابنا؟ هل وجدنا في دنيانا الفانية ما هو خير من صلاة التراويح؟ هل أصبحت ساعة واحدة نصبرها في القيام وقتا طويلا على نفوسنا الأمّارة بالسّوء ونحن الذين نجلس في المقاهي ساعتين وثلاثا؟
إنّ نفسا تجد راحتها وأُنسها في جلسة المقهى ولا تجدها في قيام التراويح هي نفس غافلة لا تسير بصاحبها في طريق الجنّة… لقد مرّ بنا في الليالي الأولى من رمضان قول الله –تعالى- في سورة الأنفال: ((إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ))؟ هذه الآيات الثلاث يفترض أن تحدث زلزالا في قلوبنا وأرواحنا، وتردع نفوسنا عن كسلها وميلها إلى اللهو واللغو في شهر الجنّة.

إنّ من الحرمان ألا نعرف لرمضان قدره؛ هذا الشّهر الذي امتنّ الله به على الأحياء ويتمنّى أهل القبور ليلة واحدة منه، بل يتمنّون ساعة واحدة من ساعاته… إنّ من قلّة التّوفيق ألا ينتبه العبد لحقيقة أنّ رمضان جنة معجَّلة تتزيّن للنّاس وتدعوهم إليها، ومغفرة مبذولة ميسَّرة لكلّ من حرص. رمضان نفوس طاهرة تعود إلى فطرتها، وقرآن يُتلى ويُسمع بآذان القلوب ليغسل الهموم والذّنوب. رمضان ملائكة تتنزّل لتؤزّ النّاس إلى طريق الجنّة وتستغفر لهم وتشفع. رمضان روح جديدة تسري في كيان كل عبد مسلم؛ حتّى لَيشعرُ أنه أصبح خَلقا آخر… والمحروم حقيقة هو من حُرم هذا الخير كلّه… رمضان كأنّه يضع مفاتيح الجنّة في يد كلّ عبد ويقول: تعال، ادخل، ومع ذلك فكثير منّا يُلقُون مفاتيح الجنّة على الأرض ويقولون بلسان حالهم: لا يزال وقت التفكير في الجنّة لم يحن بعد؛ نريد أن نستمتع بدنيانا ونعيش حياتنا. وينسون أنْ لا حياة ولا سعادة ولا راحة للأرواح إلا وهي تسير في طريق الجنّة، وأي طريق آخر تسير فيه الأرواح فلن تجد فيه أنسها وبهجتها، مهما استمتع العبد والتذّ لبعض الوقت وبعض اللحظات.
الشعور بالتقصير في النّصف الأوّل من رمضان عمل صالح، إذا توّج بالنّدم وعقد العزم على استغلال النصف الثاني من رمضان في تدارك ما فات في النصف الأوّل… فإلى كلّ نادم على التقصير -ونحن منهم-: شهر الجنّات والرّحمات والبركات والمغفرة وعتق الرقاب، لم ينقض بعد… لا يزال نصفه الثاني أمامنا… لا تزال في عمره أيام هي أفضل بكثير من الأيام التي مضت… لا تزال العشر الأواخر تتراءى، ولا تزال ليلة القدر تتلألأ… نحتاج فقط لأن نندم بصدق على التقصير فيما مضى، وأن نسترجع النيات والأمنيات التي كانت معنا في أول ليلة من رمضان.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!