مبادرات.. للمصالحة في ليبيا
دول الجوار تتداعى للاجتماع في القاهرة، لاتخاذ موقف يحمي الإقليم من تداعيات الانهيار الأمني في ليبيا، ومع أن مثل هذا الاجتماع جاء متأخرا جدا إلا أنه كما يقال: إن تأتي متأخرا خير من أن لا تأتي..
إن يلتقي جوار ليبيا لمناقشة مبادرة لنزع فتائل الانفجارات المتصاعدة هو تفكير إيجابي من شأنه حماية الإقليم ومساعدة ليبيا للخروج من مأزقها.. وذلك خير من أن ينفلت البعض إلى طرح أجندة له في الشأن الليبي، فيزيد الطين بلة.. ولكن ينبغي إدراك حقائق لا يجوز تناسيها فيما يشار إلى عمل جماعي حول ليبيا.. أولها أنه ينبغي عدم الانحياز إلى أي جهة سياسية أو جهوية أو مليشيوية.. فالمكون الليبي كله معني بالمبادرة ولا يصح أي عمل في هذا الشأن إلا بالتعامل مع كل الأطراف على مسافة واحدة.
وهنا لا بد من التنويه إلى أنه لا يمكن لأي طرف من الأطراف حسم الصراع الداخلي لصالحه، وإن أي وصفة لكي يتولى أحد الأطراف الموجودة أو أي طرف يصار إلى انشائه مسؤولية توحيد ليبيا أو تثبيت الأمن والاستقرار إنما هو وصفة لاقتتال دام لن يتوقف لسنين قادمة.
كما أنه لا بد من التنبيه أن الليبيين لهم حساسياتهم نحو بعض الجهات في الإقليم، ومن هنا تأتي صعوبة إدراك تلقي المبادرات تلقيا بلا توجسات.. ولليبيين الحق، فلقد دفعوا أثمانا باهضة ثمن حريتهم وكرامتهم في مواجهة الأجندات الخارجية.
هكذا يكون المنطلق، حيث تكون الثقة الليبية في الوسطاء هي الأساس وأن يكون الوعي المسؤول هو الخلق والسلوك الرئيس لدى الوسطاء.. ولئن قصر النظام العربي في حماية ليبيا من قوات الناتو فلعل العرب الآن أصبحوا أكثر يقينا أن مساعدتهم للناتو الأمريكي بقصف ليبيا أو سكوتهم عنه إنما قرب بلدانهم من الاضطراب والقلق وبوابات جهنم.
ومن هنا يتم النظر إلى مشاركة الجزائر في دول الجوار.. الجزائر التي رسخت في العلاقات الدولية بين الدول منهجا واضحا صارما وهو عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول وإن تقرير المصير حق شرعي للناس.. ولقد تحلت السياسية الجزائرية الخارجية بهذه الروح إلى أقصى حد، الأمر الذي أكسبها الاحترام لدى كل فرقاء التنازع في الدول العربية.
فلقد أصلحت الجزائر بين العراق وإيران كما أنها أصلحت بين الفصائل الفلسطينية، وأصلحت بين ليبيا ومصر وكما أن لها أدوارا متميزة في إفريقيا.. ويأتي هذا الدور من عدة أسباب، الأول أنها سياسة دولة ولدت بعنفوان الثورة وبرجالها، والسبب الثاني أنها أرست مبادئا إنسانية لثورتها جعلت العالم الحر يتسابق لإقامة العلاقات مع الجزائر.
إن الجزائر معنية الآن بخوض عملية شائكة ومعقدة تحتاج إلى طول نفس وإرادة وصبر، ومن يدري لعل التحدي المفروض على الجزائر يؤهلها إلى أدوار إقليمية متميزة بعد فترة قصيرة بما يتناسب مع حجمها ومعطياتها الروحية والمادية.
سيجد الليبيون أنهم أمام الجزائريين وما بينهم من محبة وأواصر تاريخية واحترام تاريخي متبادل، سيجدون أنفسهم أمام ناس لا يبحثون عن مكتسبات في بلاد الغير.. وأن المبادىء التي يسيرون على هديها لا تعطي فرصة للاختراق والتيه..
الرهان كبير على الجزائر أن تكون مبادرتها تاريخية وقادرة على إنهاء حال التمزق الليبي والتشتت.. تولانا الله برحمته.