مبادرة الأسد لمن ولماذا؟
في اتصال مع بعض الصحب في دمشق أبلغوني أنهم غير قادرين على الوصول إلى ريف جنوب وجنوب شرقي العاصمة وأن من الأفضل لي أن أنسى أنه كان لي شقة متواضعة جدا وصغيرة جدا هي كل ما أملك في هذه الدنيا، ففي يلدا، فهذ وما لاصقها وماجاورها من بلدات ببيلا، والتضامن ومخيم اليرموك هي في حالة حرب واسعة ومدمرة والناس تراهم سكارى وماهم بسكارى .
والأكثر من ذلك يقول هؤلاء الصحب أن منطقة صحنايا التي تتمركز فيها فرقة عسكرية كاملة لحماية مدخل دمشق الجنوبي من أية أخطار يمكن أن تأتي من منطقة درعا جنوب سورية، هذه المنطقة التي تعد منطقة آمنة، فلم يعد فيها كهرباء ومازوت للتدفئة وبالتالي شح الخبز والخضار ناهيك عن الحليب وسائر المواد الضرورية؛ وكان ذلك خلال موجة هذه الثلوج التي ضربت المنطقة منذ أوائل العام الجديد2013، وصار الناس في صحنايا يبحثون عن بلد يهاجرون إليه، فتركيا بعيدة والأردن مغلق والمطار الدولي مغلق وليس لهم إلا منفذ صعب نحو جنوب لبنان الذي يسيطر عليه حزب الله شريك النظام في صنع المأساة وغير المرحب بهجرة السوريين. ويضيف الصحب بأن الحرب ازدادت حدة وشراسة بعد خطاب الأسد الأخير الذي أعلن فيه عن مبادرته التي رفضتها الدول الكبرى فورا. وبالفعل فقد شهدت على شاشة التلفزيون الشارع الذي كنت أقطن فيه شارع المالكي سوق الثلاثاء وقد لفه الدمار.
لكن السؤال الحقيقي هنا هو: لمن ولماذا قدم بشار الأسد مبادرته تلك؟ يبدو لي أن التمعن في هذا السؤال يظهر لنا مدى غياب الحاكم العربي والذين يكتبون له خطاباته _ ومنهم شركات علاقات عامة دولية- عن السياسة … فقد جاء خطاب الأسد في وقت تحرك فيه السنة في غربي العراق الملاصق لشرق وشمال شرق سورية، تحرّكوا ضد المالكي، ألا يعرف الأسد أن تحركهم يعني انضماما إلى السنة في شرق وشمال شرق سوريا أي أنهم انضموا إلى حلب ودير الزور وحتى حماة وصولا إلى الضمير شرقي عاصمته، وبالتالي فإن خريطة الشرق الأوسط أخذت تتجسد على أرض الواقع … وكلنا لاحظنا أنه تزامنا مع هذا الخطاب والتحرك السني غربي العراق لم يجد المالكي الذي كان ضيف الأسد عدة سنوات ويدير محلا لبيع الألبسة النسائية في بلدة السيدة زينب في غوطة دمشق الشرقية معقل الشيعة العراقيين والإيرانيين لا يجد سوى أن يحرك الشيعة في جنوب العراق ضد حركة السنة في غربه، وبالتالي فإن العراق انقسم على أرض الواقع إلى ثلاث دول كردية في الشمال وسنية في الغرب وشيعية في الجنوب … وفي جنوب العراق لدينا قصة أخرى متصلة ..لدينا الكويت حيث يتحرك شيعتها أيضا… أو ليس من حقنا أن نفترض أن حركة الشيعة في جنوب العراق تعني دمجه بالكويت التي لم تتمكن من حل مشكلاتها مع العراق وبالتالي فإن المخطط الإيراني إقامة دولة شيعية تضم الكويت وجنوب العراق هو قيد التنفيذ على أرض الواقع وهو مخطط يلتقي مع مخطط الشرق الأوسط الجديد الذي رسمه شمعون بيريز وتبنته واشنطن والعواصم الغربية الكبرى وتقاسمته مع إيران التي جاء نظامها السياسي الشيعي أصلا من فرنسا حين قدم الصحفي الفرنسي اريك رولو قيادات الخميني ثم الخميني إلى المخابرات الفرنسية في سبعينيات القرن العشرين؟
ثم ألا يعلم بشار الأسد أن مبادرته تلك التي جاءت في خطابه لن تقبل بها معارضات ترى أن عودها يشتد على أرض الواقع حيث تزداد مساحة سيطرتها ويزداد ويتنوع تسليحها، وتزداد توحدا وهيكلة وكذلك تأييد العالم لها .. فمعارضة هذا شأنها اليوم تزيدها عذابات الجمهور قوة بشرية، هل تقبل بمحاورة نظام لم يعد له خارج عاصمته كبير وجود. ؟ ثم ألا يدرك الأسد ما حدث في جيشه، فإذا تم في الصيف الماضي قتل قياداته الأمنية العليا عن آخرها في عملية لا يمكن أن تتم إلا من الداخل، ثم هذه الانشقاقات في صفوف ضباطه بحيث أن ما يسمى الجيش الحر صار في معظمه من ضباط وجنود جيشه النظامي، ألا يدرك أن الدول الكبرى استعاضت عن استراتيجية الانقلابات التي بدأها في الوطن العربي الجيش السوري في أربعينيات القرن الماضي، بتكتيك الانشقاق، لتبرير قيام شرق أوسط على أساس طائفي ؟
وهنا بيت القصيد الذي يجعلنا نقول إن الأسد لم يقدم مبادرته لأحد .. بل قدمها لتهيئة الأذهان للفعل الطائفي القادم في سورية . ولعل المبعوث الأممي الأخضر الإبراهيمي، التقط ذلك ولعله كما يقول الدمشقيون (بق البحصة) وأعلن أنه يرى خطاب الأسد خطابا طائفيا. وهذا يعني أن الإبراهيمي وضع حدا لمهمته على الأقل من ناحية اتصاله العلني مع الأسد ونظامه.
وهنا نكاد نعثر على إجابة حول لماذا قدم بشار الأسد مبادرته في هذا الوقت بالذات؟ أذكر أنني في عام1991 وبعد اندفاع صدام حسين إلى العراق كدت أعرض نفسي إلى حبل مشنقة حافظ الأسد، فقد عرضت علينا ككتاب عرب لائحة تطالب بأن يكون الحل بين العراق والكويت حلا عربيا وقلت للزملاء الكتاب أن هذا النظام طائفي وهو يريد أن يبرر على ظهر الكتاب مشاركته في ضرب العراق. فبهت الجميع وفتحوا أعينهم لهذا التهور .. ولكني رفضت توقيع تلك اللائحة. كان ذلك في مقر فرع سورية لاتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطيينين القائم حتى اللحظة في شارع مرشد خاطر، وماهي إلا أيام حتى شارك الأسد وغيره في ضرب العراق ووضعت استراتيجية الشرق الأوسط الجديد وإعادة شرقنة الأمة العربية وإقامة دولها على أساس طائفي عرقي وديني موضع التنفيذ… ومضت سنوات واكتشف الزملاء الكتاب المزيد من طائفية النظام السوري وبدأوا يرحلون عن دمشق إلى منافي جديدة عربية وغير عربية … وهاهو بشار الأسد في هذه اللحظات بالذات يقدم لنا خطابا لا يقول فيه شيئا ومبادرة لا تحمل شيئا سوى أن يطمئن القوى الدولية أنه باق حتى تنفيذ مخطط الشرق الأوسط الجديد ويحصل هو وإيران على حصته فيها، فتزيد إيران من سيطرتها على الخليج العربي وكل خليج البصرة، وتزيد إسرائيل من سيطرتها على سائر بلاد الشام، وربما الذي يبطئ السير نحو هذه الخطوة الموقف من لواء الإسكندرون وسكانه العلويين .. فهل تركيا بعيدة عن الشرق الأوسط .. إن الإجابة عند بشار نفسه، فهو باعتباره لاعبا منفذا في هذا المخطط يعلم ماذا ينتظر تركيا والدول الأخرى أو ليس هو الذي قال قبل حوالي عامين أن الحريق في سوريا سيمتد إلى كل الجوار؟ أو ليست الطائفية -كما يقر اليوم معظم الكتاب العرب، هي استراتيجية نظام عائلة الأسد منذ سبعبنيات القرن العشرين؟
ومع كل هذه الاشتباكات والتشبيكات ألسنا في الوطن العربي نعلم أن الدول الكبرى تتخلى عن لاعبيها التنفيذيين بعد ان تستنفد قدراتهم على خدمتها ولا تحقق وعودها لهم .. هكذا فعلت مع شاه إيران وأنور السادات وحتى زين العابدين بن علي . وبن لادن أو لا يمكن أن ينطبق على بشار الأسد…. لم لا؟