-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

مصيبة في حياتنا الاجتماعية

الشروق أونلاين
  • 2840
  • 8
مصيبة في حياتنا الاجتماعية

أسارع إلى القول ـ الذي هو أقرب إلى الاعتراف ـ إن الهدف من هذه السطور هو التنبيه إلى “مصيبة” كبيرة في حياتنا الاجتماعية ـ الإنسانية ـ في وطننا ما فتئت تتسع وتتعمّق، ولعلها تدل على خلل ذي صلة بنظامنا الحياتي وما صارت إليه حياتنا من هوان وضنك وعذاب وخفوت كبير للأخلاق والقيّم الإنسانية والدينية النبيلة.

وأنا أقصد هنا ما يتعلّق  بـ”صعوبة” إيجاد صاحب صنعة/ حرفة  حقيق، من أصحاب الصنائع والحرَف من أمثال: الميكانيكي، الكهربائي، الصّبّاغ، الرصّاص (بلومبي).. وسواهم من أصحاب الحرف الذين صار ما يتصّل بهم مشكلة حقيقية في حياة الناس، لصعوبة إيجاد واحد من هؤلاء ممّن لهم كلمة وصدق وإتقان ونُصح، ولهم ذلك القدر المطلوب من الأمانة والانضباط واحترام المواعيد، دون الحديث عن الأسعار؛ حيث تفوق أسعارهم أسعار الطبيب الصقلي!

بالطبع لابد أن تكون هناك استثناءات ولكنه الاستثناء الذي يؤكد القاعدة ويرسّخها ومفادها: لقد أصبح الظفر بصاحب صنعة صادق متقِن أقرب إلى المعجزة. يعرف هذا كل من احتاج يوما إلى واحد من هؤلاء في شأن من شؤونه، في البناء أو الترميم، أو إصلاح أعطاب، أو إكمال نواقص،أو تجديد ما يحتاج إلى تجديد.

شيء أشبه بالظاهرة، تجد الحديث فيها عند أكثرية الناس الذين يتفقون على أن أصحاب الصنعة هؤلاء لا تكاد تجد في المائة منهم خمسة بالمائة أو أقل ممن يمكن الوثوق بهم، أو يمكن “التعويل” عليهم.. وهو ما يعني أن الأغلبية من أولئك الصُّنّاع على غير خُلق قويم، وعلى غير سلوك نبيل، وعلى غير إتقان لعملهم.

وأول ما تجده من هؤلاء ـ حسب خبرة المحتكين بهم والمتعاملين معهم ـ الكذب والمراوغة وقلة الصدق في العمل، والسرعة في الإنجاز (التي تعني عدم الإتقان). إن معظم هؤلاء الصانعين، كما يتحدث عنهم الناس، لا كلمة لهم، ولا احترام لموعد لديهم، كما أنهم لا يكملون عملا بدأوه، فما يحتاج إلى أسبوع قد يبقى شهرا أو شهرين. وما يحتاج إلى شهر سيحتاج إلى شهور، وفي ذلك ما فيه من العنَت والعذاب والألم والحسرة وفورة الأعصاب، وتضييع الأوقات لدى أصحاب الأشغال والأعمال؛ حيث يريد كل واحد ـ وهذا حقّه ـ إتمام أعماله وإغلاق الأشغال للاهتمام بأمور أخرى.

لقد دفعني الكلام الواسع عن هذه الظاهرة التي تشي بانهيار كبير في القيّم وهبوط رهيب في الانسجام الاجتماعي المطلوب.. إلى مساءلة بعض الأصدقاء ممن أتيح لهم أن يعيشوا لفترات في دول هنا وهناك، ومنه دول أوروبا، فوجدتُ الجواب عندهم: إن أيسر شيء هو أن تبحث عن صاحب حرفة لتصلح شيئا أو تعدّل أو تفعل أي أمر تريده، تكفي مكالمة هاتفية ليأتيك المعنيّ بكامل مستلزماته وأدواته وبعد حديث قصير وتفاهم.. ينتهي الأمر وتجد الأمر قد تمّ، بعد الوقت المتفق عليه، على أفضل وجه، ووفق المتفق عليه معه. 

إن جؤار الناس بالشكوى من أصحاب الحرف والمهن واجتماع كلمتهم على سوء أداء هؤلاء في الغالبية الكبيرة منهم، دليل على اختلالات خطيرة، وعلى أن ثمة “أخطاء” في نظام الحياة كله ونمط التسيير والتدبير لدينا؛ فلا يمكن أن تنعدم الكلمة ويسوء الأداء على هذا النحو الواسع العريض، ويمس الأكثرية من أصحاب الصنائع ويكون ذلك أمرا عاديا.

لا، ليس ذلك بوضع طبيعي أبدا، وإنما هو فجوة في النظام الاجتماعي يدل على أن النسيج الاجتماعي مضروب في الصميم.

 إن الميكانيكي (ميكانيكي السيارات مثلا) الذي لا ينصح، ولا يؤدي عمله على الوجه الأكمل، وعلى النحو الذي يقتضيه عمله من إصلاح العطب بما ينهي المشكلة تماما، فتكون نتيجة ذلك أن أصحاب السيارات أو أكثريتهم يشتكون أنهم يدفعون أسعارا باهظة لإصلاح أعطاب في مرْكباتهم، ولكنهم بعد أيام قليلة تعود الأمور إلى سابق عهدها، وكأنها لم تصلّح أصلا، ومثل هذا ينطبق على العامل في  الترصيص (البلومبي) وعلى الكهربائي، وغيره…

فعلامَ يدلّ ذلك؟ وهل نعلم مدى تأثيره في تصريف الأمور وسير الحياة سيرا طبيعيا متساوقا هادئا طيبا؟ إن تلك السلوكات السيئة تُسلم إلى الشجارات والنزاعات والقطائع بين أبناء المجتمع، فتكوّن النفور وتبادل الكراهية وسريان “ميكروب” النزاع الملغّم بين فئات المجتمع الذي يتفاقم بوتيرة متزايدة. وهل نعلم كم في ذلك من الخسائر، خاصة فيما يتصل بـ”الثقة” التي هي عملة نادرة في العلاقات بين الناس؟ وهل نعلم أن المسؤولية كبيرة في وصولنا إلى مثل هذا الانحطاط في المعاملات؟

نعم، المسؤولية كبيرة ومشتركة.. تأتي الدولة بنظمها وقوانينها وسلوكها وعملها الذي يجعل دورها أقرب إلى “الناظم” لحياة الناس والمشرف العام عليها، تنظيما وتوجيها وتأديبا وإرشادا وتقويما وإنزالا للعقوبات ضد من تجاوز حدوده وأضرّ بشبكة العلاقات الاجتماعية. ثم تأتي مسؤولية أطراف أخرى مجتمعة ومتفرّقة من الأسرة، إلى المسجد، إلى العدالة، إلى الجامعة، إلى المسؤولين على تنظيم وتدبير شؤون الناس. لستُ أشك في أن لدى الكثيرين ما يقولونه في هذه المسألة، وأن لدى أكثريتهم قصصا محزنة عن التلاعب والخداع والكذب والتضليل والسلوكات المشينة ما وجدوه أثناء تعاملاتهم مع تلك الفئة من المجتمع، فئة الصّنّاع والحرفيين.

“لقد أصبح الظفر بصاحب صنعة صادق متقِن أقرب إلى المعجزة. يعرف هذا كل من احتاج يوما إلى واحد من هؤلاء في شأن من شؤونه، في البناء أو الترميم، أو إصلاح أعطاب، أو إكمال نواقص، أو تجديد ما يحتاج إلى تجديد.”

طبعا لم نتحدث هنا عن الكفاءة التي تكاد تكون منعدمة أعني الكفاءة المهنية؛ حيث يستوجب أن يكون الصانع ذا كفاءة مهنية حقيقية وهو ما يسمح له بأداء عمله على نحو متقن وتام ومفيد ومريح، كما لا نتحدث عن إغلاق الهواتف والتهرّب من الالتزامات بادعاءات مضحكة.

ليست المسألة بسيطة ـ في تقديري على الأقل ـ ولكنها نزيف، أو لون من ألوان النزيف الذي نعاني منه كمجتمع لم يجد طريقه بعدُ إلى الرشادة والرشد والحكامة والنباهة والانسجام والانتظام والفعالية وانبساط الأخلاق وسيادة ا لقوانين، فمتى يتحقق ذلك؟ وكيف؟

نأمل أن يكون ذلك ضمن برامج النهوض بهذا المجتمع المسكين الذي يتلمّس طريقه منذ أمد دون أن يجد المخرج من النفق.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
8
  • مجيد

    وحتى الطبيب مثل الميكانيكي هدفه الاول جمع المال يستغل المريض لجمع المال فقط واعطيكم مثالا
    قمت باجراء عملية جراحية لاستئصال جبة من جفن عيني اليمنى في عيادة خاصة دفعت الاموال اثناء الفحص قبل العملية ثم في العملية مع تكاليف النقل طبعا اما عند ادولةفقمت باجرائها مجانا عند طبيب صيني داخل مكتبة لمدة30 دقيقة قال لي لا تعود الي مرة اخرى ووجهني الى مصلحة الاستعجالات حيث اجري لي فحص طبي وحررت لي الطبيبة وصفة طبية
    الكل يبحث المال فقط سواء كان جاهلا او مثقفا

  • hocheimalhachemihhh

    ان الأمر أخطر مما نتصور والمسألة عامة، لكن ليس كما يقال المصيبة اذا عمت خفت هذا قد ينطبق على أشياء أخرى ، أما عموم هذه الضاهرة فهو الانحطاط والهوان وارداءة الكبرى التي تهلك وتخرب الأقتصاد والمجتمع من جميع النواحي لأنها ضاهرة أصبحت وكأنها عادية وهنا تكمن الخطورة أ للأستسلام للأمر الواقع المر ، مرارة التيئيس والياس والوهن ،وحتى القنوط!والعياذ بالله وهذا غياب القانون ووكل المعنيين وهيبة الدولة !!فصرنا بدل أن نسير الى الأمام ، عكسنا الأية وصرنا لانفرق بين الأمام والتردي الى الورى

  • بدون اسم

    القدوة.../؟
    هذا راجع أساساإلى مانراه نقرؤه ونسمعه في وسائل الإعلام يوميامن فضائح في نهب الأموال العامة وتهريبها من أناس يراهم المجتمع على أنهم االنخبةوهم القدوة وعلى الوعودالتي يقدمونهاويقطعون على أنفسهم الالتزام بتنفيذهاثم يخلفون أويعملون عكسها
    ماتراه من عامل بسيط غلبت عليه شقوته من إخلاف وعد أوتقصيرفي الخدمة أوعدم إتقان أوزيادة في السعر أونصب أو احتيال إلا انعكاس للقدوة التي تدار بها دفة الحكم وعندما تعم البلوى يصير المنكر مباحا وأمرا عاديا فلا لايُلام من من قام به فيذوق المجتمع وبال أمره

  • نصيرة

    ما اكثر مصائبنا يا استاذ !

  • فوزية

    كلام في الصميم تحياتي لكم

  • الوجه الاخر

    ربما لانهم لا يجدون الجو المشجع في ورشات التربص بسبب الملل الناتج عن الفوضة و سوء التسيير و النقص المادي يعني لا يخدمون مصلحة الفرد كما ينبغي . و كانهم لا يهتمون لمستقبل ابنائهم ان صح التعبير يريدون ان يعيشوا زمانهم و الطز في ابنائهم ...

  • عبد الرحمن

    لك كل الشكر و التقدير أيها الكاتب المحترم! لقد سلطت الضوء على مشكلة عويصة يعاني منها كل الجزائريين في صمت رهيب ولا أحد استطاع الإفلات منها. ولكن لا أطيل عليك أيها الكاتب القدير، فخلاصة القول : إنها الصحوة الإسلامية المزعومة. والسلام على كل ذي عقل و لب و ضمير.

  • نصيرة

    للاسف استاذ نحن في زمن اصبح فيه الغش والخداع صنعة وحرفة بحد ذاتهم.