-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

من الدّعاة التقليديين…. إلى الدّعاة الجدد

سلطان بركاني
  • 64
  • 0
من الدّعاة التقليديين…. إلى الدّعاة الجدد
ح.م
تعبيرية

مرّت بالأمّة في هذا الزّمان عقود متتالية، شغف فيها الشّباب بالدّعاة التقليديين، الذين أبدعوا في صياغة وإلقاء الدّروس والمواعظ المؤثّرة التي أخرجوا مادّتها من بطون الكتب القديمة التي ألفها ابن الجوزي وغيره، واستعانوا بقصص التوبة وحسن الخاتمة وسوئها التي حصلت في هذا الزّمان، وأمكنهم التّأثير في قطاع عريض من الشّباب، وكان لهم الفضل بعد الله في توبة واستقامة آلاف منهم.
لكنّه وفي السّنوات الأخيرة بدأ الشّباب خاصّة المتعلّمون والمثقّفون منهم، يشعرون بأنّ هؤلاء الدّعاة لا يطرقون كثيرا من القضايا الحسّاسة وثيقة الصّلة بواقع الأمّة المستجدّ، والمتعلّقة أساسا بموجة الإلحاد، والعلاقة بين الدّين والسياسة، وبين الدّين والاكتشافات العلمية الحديثة، بل ما عادوا يجدون عند هؤلاء الدّعاة وكثير من العلماء التقليديين إجابات شافية تتعلّق بمسائل الحلال والحرام المرتبطة بمستجدات القضايا في الاقتصاد والمعاملات التجارية، وربّما يجدون لديهم آراءَ متعدّدة ومتضاربة أحيانا، أمّا قضايا الأمّة، فربّما يُحجم هؤلاء الدّعاة عنها خشية أن يقولوا فيها بما يُسخط ولاة الأمر… هذا الواقع الذي عليه الدّعاة التقليديون، جعل كثيرا من الشّباب يولّون وجوههم شطر الدّعاة الجدد، لأنّهم وجدوا عندهم ما لم يجدوه عند الدّعاة التقليديين، وأحسّوا بأنّ هؤلاء يخاطبون عقولهم، ويحاولون التأثير في أفكارهم، على خلاف الدّعاة التقليديين الذين يستهدفون العواطف ويوظّفون التّرغيب والتّرهيب.
إقبال الشّباب على الدّعاة الجدد واهتمامهم بما يقولون وينشرون جعل هؤلاء الدّعاة يعلنون الثّورة والقطيعة مع التّراث التّقليديّ ويُقحمون أنفسهم فيما لا يحسنون، ويخوضون بالهوى والاستحسان في مسائل لم يحيطوا بها علما؛ فمنهم من جعل الاستهزاء بالخطاب الدعويّ التقليديّ وبالدعاة والعلماء التقليديين مادّة أساسية لمحاضراته ومداخلاته وكتاباته، وامتهن هواية كسر الحواجز والإزراء بدروس العقيدة والفقه والأصول والوعظ والإرشاد، وزهّد الشّباب في الحديث عن الموت وما بعده، بحجّة أنّ الإسلام دين حياة وبناء وليس دين موت وفناء، وغاب عن هؤلاء الدّعاة أنّ الإسلام يبني الحياة ولا يبني الدّنيا فقط، والحياة تبدأ من خروج الإنسان إلى الدّنيا وتستمرّ إلى أبد الآبدين، جزء قصير منها يعيشه الإنسان في الدّنيا، والجزء الأهمّ يعيشه في دار البقاء.
ومن هؤلاء الدّعاة –الجدد- من جعل الميزان العقليّ وحده هو المعيار في محاكمة النّصوص الشّرعية، ودعا إلى غضّ الطّرف عن كلّ ما كتبه العلماء الأعلام في فهم النّصوص وفقهها، على اعتبار أنّهم فهموا لزمانهم، ونحن ينبغي لنا أن نفهم لزماننا بعيدا عمّا فهمه الأوّلون… الغريب في أمرهم أنّهم يقيمون موازين مزدوجة في محاكمة النصوص وقضايا التاريخ، فبينما يسارعون ويتسرّعون في ردّ ما يظهر لهم تعارضه مع العقل، تجدهم في باب الأحداث التاريخية يقبلون بالغثّ والسّمين وما يتعارض مع ما علم بالتواتر من قضايا التاريخ.
لقد أخطأ الدّعاة التقليديون في إلغاء العقول، وفي جعل التقليد وتكرار القديم زادهم الأوحد دون نظر في مقتضيات الواقع المتغيّر، ودون اعتبار لتغيّر اهتمامات الشّباب مع الثورة التّكنولوجية الحديثة التي حوّلت العالم إلى قرية واحدة، وبسبب تفريطهم مال الدّعاة الجدد إلى الإفراط، وأصبح التوسّط هو الغائب الأكبر في صناعة قناعات الشّباب وتوجيه هممهم.
إنّنا في أمسّ الحاجة إلى دعاة وعلماء وأئمة وخطباء، يزاوجون بين احترام التراث والاستفادة منه، وبين الحداثة في معالجة الواقع والنّظر إلى المستقبل، يخاطبون العواطف والعقول، ويزاوجون بين العلم الشرعيّ والعلم الكونيّ، وهي الحال التي كان عليها أعلام الأمّة في القرون التي سبقت سقوط الخلافة العثمانية.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!