من بوبقرة إلى الشيخ عطا الله… المثقفون “زائدة دودية” في برامج الأحزاب
كشفت الحملة الانتخابية لتشريعيات ماي المقبل أن الثقافة لا تزال في ذيل اهتمامات ساسة هذا البلد، ورغم أن الأحزاب التي تتصارع حاليا من أجل الظفر بأكبر قدر ممكن من كراسي البرلمان تضم في صفوفها بعض المحسوبين على القطاع، غير أن الخطاب المقدم حاليا في الشارع لا يعكس في أبسط جزئياته، أي اهتمام بمشروع ثقافي جاد يمكنه أن يضمن للجزائر برلمانا “لا يزول بزوال البرلمانين”.
النظرة الملتبسة بين ما هو ثقافي وما هو سياسي لم تكن وليدة اليوم، ولكنها تمتد إلى مختلف الحقب والمراحل التي عاشتها الجزائر، بما في ذلك ثورة التحرير الكبرى. وقد ظلت تلك العلاقة على حالها بعد الاستقلال، فكثيرا ما اشتكى رجال الفكر ليس من جفاء السياسيين فحسب، ولكن أيضا عانوا من النفي والمطاردة والتهميش، مثلما حدث مثلا مع مالك حداد ومالك بن نبي والشيخ الإبراهيمي وغيرهم.. وقد خضعت دائما علاقة السياسي بالمثقف للعبة القط والفأر وحسابات السلطة ومصالحها. لذا، كانت درجة القرب والبعد والمسافة بين السياسي والمثقف لا يحددها مشروع أو فكرة بقدر ما تحددها مصالح ومصادر قوة كل طرف.
لهذا يعتبر أمين الزاوي غياب الثقافة في برامج الأحزاب تحصيل حاصل عن غياب الثقافة والمثقفين في الهياكل الحزبية، لأن الأحزاب تريد ثقافة القطيع ومثقفين دون لسان، ولا تقبل مثقفا بلسان ناقد، والمثقف لا يمكنه أن يكون جزءا من القطيع حتى وإن حدث أن وصل المثقف خطأ إلى المجالس النيابية فسيتم إغراقه وقطع لسانه ليصير جزءا من الكرسي.
التظاهرات الثقافية الكبرى التي أسالت الكثير من الحبر وأثارت الجدل الإعلامي، لم تدخل البرلمان، اللهم إلا إذا استثنينا بعض الأسئلة الشفهية التي تطرح من حين إلى آخر على وزراء القطاع، التي يحكمها التوجه الإيديولوجي ولا تخضع للهم الثقافي الهادف إلى بناء مشروع جاد ودائم. لهذا يعتقد وزير الشباب والرياضة الأسبق، كمال بوشامة، أننا اليوم في حاجة إلى ثورة عارمة في هذا المجال، مؤكدا أن كل المثقفين يعيشون بمرارة عدم الاهتمام بالثقافة. واعتبر بوشامة هذا الواقع جزءا من عدم الاهتمام بالثقافة في المجتمع منذ زمن، بدليل أن المجتمع غير مكترث بالثقافة. نظرة يقاسمه فيها أبو جرة سلطاني، الذي يعتبر غياب الثقافة “كخطاب” رغم وجودها “كمفردات” في برامج الأحزاب يعود إلى كون المجتمع الجزائري اليوم يعتبر الخطاب الثقافي ليس أولوية بالمقارنة مع بحثه عن الحلول الملموسة لمشاكله اليومية ومدى قدرة البرلمان القادم على حلها. وأضاف المتحدث أن المجتمع لا يحتاج إلى ترفيه بقدر ما يحتاج إلى تحسين وضعه الاجتماعي وحتى وإن اعتمد السياسيون خطابا ثقافيا فلن يجدوا من يستمع إليهم.
وأظهرت البرلمانات المتعاقبة على الجزائر أن المثقف يظل مجرد رقم على الهامش، وجوده لا يقدم ولا يؤخر في شيء بدليل أن الأسماء التي سبق أن غازلت المجلس “الموقر” من حسان الحسني إلى الشيخ عطا الله وغيرها من الوجود لم تقدم أي إضافة للثقافة والمثقفين.