وكل إبداع بدعة!
هل أصبح الإبداع بدعة؟ سؤال طرحته على نفسي، أو بالأحرى طرح نفسه عليّ مرارا وتكرارا. لم أقتنع بإجابة ارتجالية ذاتية، فقررت أن أوسع دائرة التساؤل لتشمل نقاط المشاطرة والمعارضة حتى أحصل على إجابة مقنعة أرحم بها نفسي وأرثي بها الإبداع المفقود.
إن ما وصل إليه الآخر يبعث على الدهشة والتأمل أيضا، ليس هذا فحسب بل يجعلنا نشكك في آليات تفكيره ومدى استغلاله لنعمة العقل البشري، تلك التي صارت عندنا- وللأسف- محرك بحث لكل طرائق النفاق والتدرج الاجتماعي وكسب الأوسمة الفخرية بعيدا كل البعد عن سبل المغامرة الفكرية والتجديد. هنا نقف عند نقطة حساسة ألا وهي التفكير الإبداعي الذي فقدناه حتى في كتاباتنا الأدبية والصحفية.
أتذكر قولا رائعا للكاتب الأسكتلندي “دي آتش لورانس” حينما يقول: “إننا نعيش عصرا تراجيديا بالأساس، ولكن نرفض أن نراه من زاوية تراجيدية، الناس العاديون يلهثون وراء الأوهام والملذات، والكاتب، هذا الكائن المفرط الحساسية لن يستطيع أن يقدم لنا أدبا ذا قيمة إلا إذا اقترب من الأشياء الأكثر تعفنا”. رغم أنه من المؤسف أن يكون العفن الاجتماعي – إن صح القول- مصدرا وحيدا للإبداع الجدير بالقراءة والاهتمام.
إنني أقف مذهولا أمام الإبداع الغربي، لأن هذا الأخير لم يقتصر على مجال محدد، بل شمل مجالات عدة لعل الأدب والصحافة آخرها، وهذا ليس وليد صدفة بل هو نتاج مخاض عسير لجهود مضنية وتبني فكرة الإبداع كنقطة بداية لكل نشاط ذهني أو حتى بدني. وهنا يأتي صوت الضمير المستتر معاتبا من قتل الإبداع في الجزائر؟ البحث عن الجواب لا يزال جاريا، وأعتقد أن كل شخص منا يحمل على عاتقه هاته الخطيئة الفكرية، لأننا بطريقة غير مباشرة نتحمل أوزارها يوما بعد يوم وجيلا بعد جيل.
وليس غريبا أن يصاب الإبداع في الجزائر بجلطة دماغية حين نرى عددا هائلا من النخبة من رواد جامعاتنا، باختلاف تخصصاتهم ودرجاتهم العلمية، غير قادرين على كتابة ما يحسدون عليه، مكتفين بطبع رسائل ما بعد التدرج، معتبرين إياها عملا إبداعيا يستحق الإشادة في حين إن مساحة التهميش فيها تأخذ حصة الأسد، وليس غريبا أيضا أن يصاب الإبداع بنزيف حاد حين نساوي بين أستاذ الرياضة وأستاذ الرياضيات وحين نطبع كتب الطبخ ونطبع على قلوب المبدعين لأنهم أصحاب بدع.
وهنا سأزيد جرعة من الجرأة لأجزم أن التفكير الإبداعي ضحية إثبات الذات بأقل تكلفة فكرية ممكنة، وذلك بعيدا كل البعد عن كل سبل المجازفة الإبداعية.
وفي الأخير أعيد طرح السؤال للمرة الألف، من قتل الإبداع وأصحاب البدع؟ وتأتي الإجابة مبتورة، نحن متهمون حتى نثبت براعتنا الفكرية.
بتصرّف.. محمد زرواط
..أولا، معذرة وآسف يا أخي محمد، لأنني مارست عليك المقصّ “الحافي”، بسبب المساحة المسموح لنا فيها بالإبداع والبدع، والأهم من هذا، أنك أطلقت رصاصات رحمة، وأصدقك القول بأن لا أنا ولا أنت ولا الضمير المستتر، سيُجيب بشأن “قاتل” الإبداع و”محيي” البدع، فآه على من جعل الجياع هم وحدهم يصنعون الإبداع!