من مصائب الجزائريين، أنه كلما عاد شهر التوبة والغفران، تتحرّر "الشياطين" البشرية، رغم أن الشياطين تصفـّد في رمضان، لكن شياطين من نوع آخر تنزل في شهر الصيام والقيام إلى الأسواق والشوارع، فبعضها يُدخل أيديه في جيوب الزوالية، إمّا برفع الأسعار وإمّا بالخطف والسرقة،‭ ‬وبعضها‭ ‬الآخر‭ ‬يرتكب‭ ‬جرائم‭ ‬في‭ ‬حقّ‭ ‬الآمنين‭ ‬وحتى‭ ‬في‭ ‬حقّ‭ ‬الأصول‭ ‬والفروع‭ ‬والأبرياء‭ ‬والعزل‭!‬

هو شهر للتوبة، لكن النفس الأمّارة بالسوء تهزم عشرات الجزائريين، فمنهم من يحترف السرقة والنهب والسلب والكذب، ومنهم من يسلك طريق القتل والجرائم، ومنهم من يرتكب المعاصي، غير آبه لا بالتوبة ولا الغفران، فلا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم.

هل يُعقل أن لا يجد البعض "الله يهديهم"، إلاّ شهر رمضان لارتكاب ما نهى عنه الله وما يعاقب عليه القانون وتذمه الأخلاق؟، من يتحمل المسؤولية يا ترى؟، أين هي يا عباد الله المساجد والمدرسة والنخبة والأئمة والإعلام وعلماء الاجتماع؟

كم هو مؤسف ومؤلم، عندما نخرج إلى الشارع أو السوق أو المسجد أو المدرسة أو العمل، فنكون مضطرين غير مخيّرين إلى شدّ بطوننا خوفا من المجهول، فقد انتشر "قطاع الطرق" و"الباندية" ومحترفو الإجرام بطريقة عجيبة وغريبة، فسرها خبراء ومحللون على أنها تداعيات ما بعد مرحلة‭ ‬الإرهاب‭!‬

المؤلم أيضا، هو أن الضحية لم يعد يجد من يُنقذه، فالكلّ تحوّل إلى متفرّج يتسلى بمشاهد الاعتداء والسرقة، وفي أحسن الأحوال، فإن الجميع يفضل أن يكون "شاهد ما شافش حاجة"، رغم أن القانون والأخلاق والإنسانية والدين يدعون إلى ضرورة وواجب تقديم المساعدة لأيّ إنسان في‭ ‬خطر‭!‬

قد يكون للظروف الاجتماعية القاهرة، و"الحڤرة" والبيروقراطية والمحسوبية والتمييز والمفاضلة، نصيب في مسؤولية صناعة "جيل" من المنحرفين والغاضبين، ممّن يعتقد أنه ينتقم من مجتمع أنتج سلطة وأحزابا وحكومة و"أميارا" ووزراء وولاة "حڤّارين"، ينبغي الثأر منهم بالخروج عن‭ ‬القانون‭ ‬والابتزاز‭ ‬وليّ‭ ‬الذراع‭!‬

لم يكن الجزائري هكذا، وبهذه القساوة، ولم يكن عدائيا وعنفويا، بل كان مسالما وهادئا ومتضامنا، فآه على زمن كانت تبيت فيه أبواب المنازل مفتوحة، دون أن يقتحمها أحد، وكان البعض يترك مفاتيح السيارة بداخلها دون أن تـُسرق، وكان التجار يتوجهون إلى المساجد لأداء صلاة‭ ‬الجمعة‭ ‬أو‭ ‬التراويح‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يقفلوا‭ ‬محلاتهم‭.‬

..آه، عندما كانت المرأة والبنت والأخت والزوجة والأمة، تغادر بيتها لقضاء مصلحة طارئة نحو بيت الأهل أو الجيران أو باتجاه المستشفى فلا يلحقها أيّ سوء، لأن جميع من في الخارج، حراسها ولحمايتها وتحت أمرها وتصرفها إن اقتضت الضرورة!

أين نحن اليوم من ذلك الزمن الجميل، الذي والحمد لله مازالت قطع أثرية نادرة مهرّبة منه، من طرف "ولاد الفامليا" الذين يقفون بالمرصاد لتجاوزات وانحرافات دخيلة عن المجتمع الجزائري، الذي كان ومازال وسيبقى شعبا رافضا لكلّ ما يستهدف الأخلاق والدين.. فالله يخزيك يا‭ ‬ابليس‭. ‬