author-picture

icon-writer زارها: إسلام بوشليق

هي عجوز طاعنة في السن تدعى خميسة فليغة، جاوزت الثمانين من عمرها، ميزتها عن نساء العالم أنه لم يسبق لها أن لبست حذاء ولو مرة واحدة في حياتها، بسبب الفقر ليصبح بعد ذلك عادة، حتى أنها زفّت إلى بيت عريسها وهو ابن عمها بشير حافية القدمين قبل اندلاع الثورة التحريرية، تصدق عليها محسن من البلدة بحذاءين، الأول لها والثاني لأختها الراحلة مسعودة، لكنها رفضتهما، لأنها لا تحسن المشي بهما بعد أن تعودت على الحفي، وطلبت منه استبدالهما بقميص أو خمار.

العجوز خميسة تقطن لوحدها في كوخ يشبه إلى حد كبير المفرغة العمومية، يقع بقرية مزاتة ببلدية أولاد أعطية بسكيكدة، تنعدم فيه شروط الحياة الكريمة، أرضية من تراب والأحجار والقاذورات وروائح كريهة تنبعث من كل مكان، إفطارها في رمضان مرهون بصدقات المحسنين، عند دخولنا للإسطبل لم نجد حتى مكانا للجلوس، كوخ طيني بدائي تفوح منه النجاسة، وسقفه من زنك تعتريه بعض من الثقوب مما يسمح بتسرب مياه الأمطار، أما الأثاث فمن السهل جرده في سطر واحد، لأن كل ما يوجد هناك يقتصر على أواني متسخة يعلوها الصدأ وبعض الملاعق يغمرها الذباب .

العجوز الصائمة أقسمت أنها في أيام الثلج قضت 15 يوما لم تشم فيها رائحة الطعام، وأن النوم بدون طعام أصبح شيئا مألوفا لديها، فالمحسنون المطلعون على هذه المأساة بالدوار تعبوا وساهموا لسنوات في بقائها على قيد الحياة بعد ما توفي المعيل الوحيد ولم يرزقها الله بالذرية، عندما دخلنا إلى بيت خالتي خميسة، صدمنا من هول المفاجأة، ومن حجم المنظر الصعب، الذي يعبر عن مدى مأساة هذه العجوز الفقيرة، التي لا تجد أدنى متطلبات الحياة، هي مصابة بالهوس والوسوسة، لم ينعم الجيران بالراحة بسبب صراخها المتواصل ليلا ونهارا، تعيش بمنحة لا تتعدى 3000 دج تستلمها كل شهر من بلدية بوالنغرة، تتبخر في سفرية تسلمها، وتشتري منها الماء وأشياء أخرى، تعيش حياة بدائية تتمثل في طهي طعامها على نار الحطب، لم تشتك من اي مرض ما عدا الهوس، حتى ان صبيحة زيارتنا لها أخبرتنا أنها أصبحت في حالة صعبة من المس.

ولكن قبل حضورنا ارتاحت قليلا، لتبدأ تروي لنا قصة معاناتها منذ وفاة زوجها، هي تصوم رمضان، لكنها لم تتناول وجبة السحور منذ وفاة زوجها، تقضي يومها خلال فصل الصيف تحت ظل شجرة الصنوبر هربا من حر المسكن الذي تعاون المحسنون في بنائه، وخلال فصل الشتاء تغلق الباب عليها وتقضي يومها داخل مسكنها، رفضت الذهاب إلى دار العجزة والمسنين بولاية سكيكدة واختارت العيش في هذا المسكن وسط الجيران، تطلب من ذوي القلوب الرحيمة ترميم مسكنها الذي تحوّل لونه إلى الأسود بسبب الدخان الكثيف للنار، هذه هي حال خالتي خميسة، فكيف هي أحوال ضمائرنا؟

  • mail
  • print
  • share