-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
طاردته فرنسا بـ 500 مظلي

أسد الثورة العقيد عميروش.. أخطر رجل مسجل في زمن الاستعمار

فاروق كداش
  • 2486
  • 1
أسد الثورة العقيد عميروش.. أخطر رجل مسجل في زمن الاستعمار

هو أسد جرجرة، الذي يجفل لصوت رشاشه جيش فرنسا الأرعن.. أخطر رجل عرفه الاستعمار. ففي صحراء قاحلة، طورد بآلاف الجنود ومئات المظليين، المتوجسين خيفة أن يخرج من جوف الرمال.. وصمد وصاحبه سي الحواس، واحتسبا روحهما لله وللوطن.. أسطورة لن تتكرر، وشخصية ثورية في التاريخ، ستذكر وتذكر.. هو من قال: “والله لن أترك حركيا على قيد الحياة في الجزائر”.. وفعلا، تحققت مقولته. فكلهم الآن في أحضان أمهم، يتوسلون الغفران ويلتمسون العفو.. عن العقيد سي عميروش نظمت مقدمتي.

يوميات في حياة ثوري

ولد العقيد عميروش آيت حمودة يوم 31 أكتوبر 1926، بقرية تاسافت أوقمون، إحدى قرى إبودرارن، بجبال جرجرة. ابن عميروش آيت حمودة، ووالدته فاطمة آيت مندس بنت رمضان. عند وفاة والده، ورث اسمه وحمله بكل فخر، وجعله خالدا في التاريخ.

انضم إلى النشاط السياسي مبكرا، بالانخراط في حركة انتصار الحريات الديمقراطية، بمدينة غليزان، حيث كان يشتغل صائغا. كان شغوفا ونشاطه مكثفا، ما جعل الاستعمار يعتقله مرتين متتاليتين، في 1947، وبعدها في 1948. خلال فترة سجنه، تعرض سي عميروش لشتى أنواع العذاب، وكيلت له إهانات لم يكن لينساها أبد الدهر. وهذا، ما زاد في إصراره على مواصلة نضاله.. بعد خروجه، كان تحت رقابة الشرطة التي ضيقت عليه الخناق، فاضظر إلى السفر إلى فرنسا، عام 1950، وأكمل نشاطه في عقر دار المستعمر.

انضم إلى الثورة منذ انطلاقها بناحية عين الحمام.. تدرجه في المسؤولية في جبهة التحرير الوطني كان سريعا، بسبب حنكته وانضباطه وتنظيمه.. بعد استشهاد قائد ناحية عين الحمام ومسؤول ناحية القبائل، أخذ بمبادرة منه زمام الأمور في الناحية، وتمكن في مدة قصيرة من إعادة روح المقاومة إلى صفوف المناضلين، وإرساء الخلايا في المداشر والقرى.

لقاء العمالقة

في بداية عام 1955، أُبلغ رئيس الولاية الثالثة، كريم بلقاسم، أن عميروش قد تولى قيادة عين الحمام بمبادرة منه، بعد وفاة زعيمه عمار آيت شيخ. فاتصل به، وكان هذا اللقاء حاسما. فقد وجد كريم بلقاسم رجلا طويل القامة

ذا شارب، كان جلدا حادا وحازما. وشرح عميروش لضيفه أنه لو لم يتدخل لتفرق المناضلون شيعا، بعد أن أصابهم الارتباك بعد وفاة عمار آيت الشيخ..

وقدم لكريم بلقاسم، المشدوه، تقارير مفصلة عن نشاطاته بخط يد صغير وجميل، مع أسماء وحسابات مالية دقيقة للغاية. وزال اللبس أخيرا، فالثورة لم تكتسب رجلا، بل أسدا.

مع نهاية نفس العام، ارتقى عميروش إلى رتبة ملازم ثان، وترصد لكل المخططات التي رسمها العدو، ومن أشهرها عملية “الأمل” و”البندقية”. كما برزت عبقريته من خلال سهره على التنظيم الأمني لمؤتمر الصومام. فرغم محاصرة المنطقة بأكثر من 60 ألف عسكري فرنسي، إلا أنه ضلل العدو وأجهده، من خلال عمليات صغيرة مكثفة. كما أعد خمس كتائب وجهزها بالأسلحة، لتشرف مباشرة على أمن المؤتمرين، إلى جانب الاستعانة بالمسبلين والمواطنين.

ارتقى العقيد عميروش في المسؤوليات، وصار القائد الذي اهتز له جيش فرنسا، غير أن وفاته قد تكون أكثر إثارة من حياته.

الأسد يموت وعيناه لا تموتان

في 1959، كان العقيد عميروش مستاء من أداء الحكومة المؤقتة، فقرر التوجه إلى تونس، رفقة العقيد الحواس، ليلتمس توضيحا عن هذا التقصير.. كان تحركه تحت عيون فرنسا دائما، فقبل أن يصل إلى بوسعادة في طريقه إلى تونس الشقيقة، نجا من كمين نصبه له العقيد “بوييس”.

في 20 مارس، تناهى إلى أذن العقيد الفرنسي “دوكاس” أن اثنين من قادة الثورة موجودان في بوسعادة، قرب جبل ثامر. فتوجه رفقة النقيب غالو لافالي إلى عين المكان، على رأس جيش يبلغ تعداده ألفين وخمسمائة جندي و500 مظلي، أو “بارا”، لمواجهة أربعين مجاهدا. طبعا، كانت معركة غير متكافئة، وحشد هذا العدد الكبير من الجنود، دليل على ذعر فرنسا من العقيد عميروش. وحلقت طائرات البي 26 الأمريكية، وتشابك الجيش والكتيبة الصغيرة… واشتدت المعركة التي عدتها فرنسا ضربا من ضروب التدريب، وانتهى القتال على الواحدة زوالا، بسقوط 35 شهيدا، من بينهم العقيد عميروش والعقيد الحواس.

أصيب أسد الثورة بثلاث رصاصات في الصدر. فالشجعان لا يقتلون من دبر. وحتى وهو جثة لا تتحرك، أرعب الجنود الفرنسيين، الذين لم يجرؤوا على الاقتراب منه. وكتبت صحيفة باري ماتش في اليوم الموالي: “مات أسد الجبل، ستين ساعة بعد مقتله، بقيت عيناه مفتوحتين على سعتهما”.

وانتشرت الشائعات بعدها كالنار في الهشيم، وكانت إحداها تزعم أن الجيش الفرنسي نقل جثمان العقيد عميروش إلى مخبر علمي، “لإجراء تحاليل ودراسة على دماغه”، مثلما فعل العلماء الأمريكيون على دماغ أدولف هتلر.

من أقوال الشهيد العقيد عميروش: “اعلموا أن الثورة مازالت في البداية، وأن المشوار مازال طويلا وشاقا وخطرا، واحتياجنا إلى السلاح أشد من الاحتياج إلى المأكل والملبس”.

وقال أيضا: “إن الجزائر ستستقل بحول الله، أما أنا، فلن يدركني الاستقلال.. ولذا، أوصيكم بالاتحاد صفا واحدا، لمحاربة أعداء الوطن وحراسة مكاسب الثورة”.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • عبد الرحمان الجزائري

    الرجال لا تموت فالعقيد عميروش و كل احرار الجزائر احياء في قلب كل حر