الأحد 18 أوت 2019 م, الموافق لـ 17 ذو الحجة 1440 هـ آخر تحديث 15:52
الشروق العامة الشروق نيوز بنة تي في
إذاعة الشروق
ح.م

بات “المال الفاسد” أمام منعرج تاريخي يهدد مستقبله كفاعل في المشهد الوطني، فبعد أن كان يصنع القرار السياسي أو يساهم في صناعته، على مدار العقدين الأخيرين، أصبح اليوم رموزه مطاردين تحت رحمة سلطة القانون، في مشهد سيريح من دون شك من اشتكى من استفحال هذه الظاهرة ولم يجد من يصغي إليه.

فبالأمس فقط أضيفت أسماء من عائلة معروفة بثرائها، إلى قائمة الأسماء الموجودة بسجن الحراش، وهي عائلة طحكوت، التي تنشط في قطاع تركيب السيارات، وخدمات النقل الجامعي، التي توقفت بالأمس بمجرد الإعلان عن سجن مالكيها.

أغنى سجن في العالم

وتحولت المؤسسة العقابية بالحراش، إلى “أغنى” سجن في العالم، على حد ما كتبه ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي، فيسبوك، حيث يقبع مالكو عشرات الآلاف من الملايير خلف القضبان، وعلى رأسهم مالك مجمع “سيفيتال”، يسعد ربرارب، أغنى رجل في الجزائر والمغرب العربي والخامس إفريقيا، والذي تقدر ثروته، حسب آخر عدد لمجلة “فوربس” الأمريكية، المختصة بنحو 3.7 مليار دولار أمريكي، أي ما يعادل نحو 70 ألف مليار سنتيم.

وإلى جانب ربراب، يقبع بسجن الحراش أيضا، ثاني أغنى رجل في الجزائر، علي حداد، مالك مجمع “أو تي آر آش بي” للأشغال العمومية، والذي تقدر ثروته بنحو 1.5 مليار دولار أمريكي، أي ما يعادل نحو ثلاثين ألف مليار سنتيم، فضلا عن الأخوة كونيناف (خنينف)، مالكو مجمع “كوجيسي”، وقد التحق بهم في السجن بالأمس فقط، محيي الدين طحكوت وأفراد من عائلته، والتي تعد من أغنى العائلات في الجزائر أيضا.

وكان نفوذ “الشكارة”، كما يشار به إلى المال الفاسد، قد بلغ أقصى درجات عنفوانه في 30 جويلية 2017، عندما تحالف مع السياسة، وأسقط الوزير الأول الأسبق، عبد المجيد تبّون، في واحدة من أبشع الفظائع السياسية، التي سُجّلت على المباشر من مقبرة العالية في جنازة رئيس الحكومة الأسبق، رضا مالك، حيث لوحظ السعيد بوتفليقة شقيق الرئيس السابق ومستشاره الخاص، وعلي حداد، والأمين العام للاتحاد العام للعمال الجزائريين، عبد المجيد سيدي السعيد، وهم يقهقهون في المقبرة على مقربة من تبون، الذي فهم حينها أن مهمته كوزير أول انتهت.

ليالي القبض على المال الفاسد

ما قام به أصحاب “المال الفاسد” يومها ضد تبون، كان بمثابة رسالة قوية لكل من تمتد يده إلى القوة الصاعدة للمال السياسي، لأن تبون أخذ على عاتقه منذ تسلمه قيادة الوزارة الأولى، العمل من أجل فصل المال الفاسد عن السياسة، غير أن الإثنين تحالفا ضده و”تغداو بيه قبل ما يتعشى بيهم”، على حد قول المثل الجزائري السائد.

ومنذ العهدة الثانية للرئيس السابق، عبد العزيز بوتفليقة، تحول المال الفاسد إلى أداة حادة وظفت في العملية السياسية، فكل عهدة من العهد الأربع المنقضية لبوتفليقة، شهدت الجزائر اصطفافا ماليا فاضحا مع هذا المرشح أو ذاك، وقد وقف الجزائريون في عام 2004 على تحطيم مجموع “بلانكي” الصاعد وسجن مالكه، لأنه لم يساهم في تمويل الحملة الانتخابية للعهدة الثانية لبوتفليقة، بل اختار الاصطفاف إلى جانب المرشح للرئاسيات حينها، علي بن فليس.

وقد تحولت حادثة تحطيم مجمع “بلانكي”، إلى درس لأصحاب المال، وبات جميعهم رهن إشارة من شقيق الرئيس، السعيد بوتفليقة الموجود حاليا بالسجن العسكري بالبليدة، وأغدق الجميع الأموال ومن دون حساب على الحملة الانتخابية للعهدة الثالثة كل حسب طموحه في التموقع، وكان علي حداد الأكثر سخاء، ولم يتخلف يسعد ربراب ومحيي الدين طحكوت وغيرهما، عن الركب، وتحول منتدى رؤساء المؤسسات، وكان يرأسه يومها، رضا حمياني، إلى الذراع المالية للعصابة، كما أسماها الحراك الشعبي..

غير أن الخلاف دب بين رجال الأعمال المنضوين تحت لواء منتدى رؤساء المؤسسات، بسبب خلاف حول الموقف من العهدة الرابعة للرئيس المستقيل، واستقال حمياني ليخلفه حداد، كما استقال يسعد ربراب من المنتدى، رافضا تمويل العهدة الرابعة، بعد أن تلقى الإيعاز من مدير دائرة الاستعلامات والأمن الموجود بالسجن العسكري بالبليدة، الفريق محمد مدين المدعو توفيق، الذي دخل في خلاف مع بوتفليقة، انتهت بتقليم أظافر توفيق وإعادة هيكلة جهاز المخابرات، وتواصل العقاب بتأديب ربراب على “تمرده”، وبدأ يعاني من الضغوط وهو الذي بنى إمبراطوريته في مخمل الجنرال توفيق ومحيطه، وفي ظل حظوة فوق العادة على مستوى البنوك العمومية ومصالح كل من الضرائب والجمارك..

درس تمويل العهدة الرابعة كان قاسيا على كل من تمرد على شقيق الرئيس السابق، فقد دخل الجميع بيت الطاعة إلا من بقي خارج الدائرة الضيقة، وتوسعت قائمة أصحاب المال السياسي، وكبرت ثروات كل من ساهم في دعم العهدة الرابعة، بشكل فاحش بفعل تواطئهم مع السلطة السابقة، وتحول المال الفاسد إلى سيد القرار في الانتخابات المحلية والتشريعية الأخيرتين، حتى أن نجل الأمين العام السابق لحزب جبهة التحرير الوطني، جمال ولد عباس (المتابع في قضايا فساد عندما كان وزيرا للتضامن)، ضبط متلبسا ببيع المراتب الأولى في قوائم الحزب العتيد في تشريعيات، لأصحاب الشكارة، وفر إلى الخارج ولم يعد إلى البلاد، إلا بعد أن تلقى ضمانات بعدم تعرضه للمتابعة القضائية.

ما يتعرض له اليوم رجال المال السياسي من عقاب على جرائمهم الاقتصادية، وفق التسريبات، فاق كل التوقعات من أكثر المراقبين تفاؤلا بمحاربة الفساد، وهو ما يشكل ضربة قاصمة للمال الفساد، ولكل من تسول له نفسه التورط مستقبلا في مستنقع السياسة.

الفساد سجن الحراش

مقالات ذات صلة

  • إنهاء مهام الأمينة العام لبلدية الدواودة

    تحقيقات في صفقات مشبوهة في تيبازة

    أمر والي ولاية تيبازة، بفتح تحقيقات معمقة في صفقات مشبوهة تكون قد أبرمتها بلدية الدواودة، مع احد المقاولين بطرق ملتوية، وكان وراءها مسؤول بالبلدية تم…

    • 1338
    • 2
600

6 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم
close
close