الأربعاء 24 جويلية. 2019 م, الموافق لـ 22 ذو القعدة 1440 هـ آخر تحديث 07:20
الشروق العامة الشروق نيوز بنة تي في
إذاعة الشروق
ح.م

ليس من السهل على الجزائريين أن ينسوا مباراة عشية الخميس بين الخضر وكوت ديفوار، فقد كانت فعلا أشبه بفيلم طويل، عاشوه على أعصابهم، وكما قال محمد أبو تريكة فإن رفقاء محرز لم يتركوا شيئا في عالم الكرة وفي الجانب الإنساني إلا وخاضوه، وفعلا كانوا أشبه بمن ينحت الصخر أو يحفر الحجر من أجل أن يشرب ماء الحياة.

مباراة نسي فيها غالبية اللاعبين أنفسهم وأنديتهم ولعبوا من أجل الفوز بها، فقد واجهوا درجة حرارة مرتفعة، وطول مباراة ومنافس بدا عكس ظهوره في المباريات الأولى بدفاع وخاصة حارس مرمى أرادوا أن يصلوا إلى النصف النهائي وخطف فرق أحسن من التي يلعبون لها، وبقدر ما خطف رفقاء محرز الذين لم تكن خططهم التكتيكية هذه المرة ناجحة، الأضواء، بقدر ما كانت كوت ديفوار أيضا في المستوى، ولو خطفت بطاقة التأهل ما صرخ أحد بالمفاجأة.

مبولحي الحارس التاريخي للخضر وعلامة كاملة للدفاع

مرة أخرى تأكد الجزائريون بأن الحارس رايس مبولحي بهدوئه ووقوفه إلى جانب لاعبيه، هو الحارس التاريخي للمنتخب الجزائري، فهو الوحيد الذي شارك في مونديالين، وباستثناء فترة رابح ماجر حيث كان مبولحي يريد الانفصال عن الخضر بسبب ما كان يقوله ماجر عن الحارس شاوشي، فإن رايس متشبث بالخضر ولا يجد نفسه إلا معهم، وستكون فرحة العمر بالنسبة إليه لو حمل كأس أمم إفريقيا، أما ما بذله جمال بلعمري وعيسى ماندي طوال الـ 120 دقيقة فهو حرب غير مسبوقة، أذهلت كل من شاهد المباراة، إلى جانب رامي بن سبعيني، الذي حاول أن يُخرج نجم كريستال بالاس زاها عن تركيزه ففشل وكاد أن يخرج هو بالبطاقة الحمراء، ولكن يحسب له أنه قدم تمريرة حاسمة وحاول في مناسبتين أو ثلاثة أن يكررها بل وحاول مرة أخرى أن يسجل من مقصية فجانبه التوفيق ولكن لم يجانبه البذل والعطاء، مثله مثل يوسف عطال الذي ودّع البطولة بطريقة سيحترمه الجزائريون بها، وحتى زفان بعد أن تجاوز بعض التخوف في الشوط الأول قدّم مباراة محترمة على قدر إمكانياته، وسيكون بالتأكيد في كامل تركيزه في مباراة نيجيريا.

إرادة فيغولي وقديورة وبن ناصر..

في وسط الميدان خرقت إرادة سفيان فيغولي كل القوانين البدنية والمعنوية المعروفة في كرة القدم، فلم يكن في ذهن سفيان شيء غير الفوز بالمباراة، كان رافضا لأي نتيجة أخرى، وسيظل سفيان فيغولي من أقرب اللاعبين إلى قلوب الجزائريين بالرغم من عمليات التشويه التي طالته لعدة سنوات على بلاطوهات التحليل.

جزائرية سفيان فيغولي صبّها في قلب بن ناصر الذي شاهده الجمهور لأول مرة يطير فرحا ويجري في كل الاتجاهات بعد نهاية المباراة، أما قديورة الذي لعب أكثر من عشر سنوات في إنجلترا فكان واضحا بأنه يلعب بقلب بريطاني مضاعف، وما يقدمه مع “الخضر” يختلف تماما عما يقدمه مع الأندية التي لعب لها وآخرها نوتنغهام فوريست من حيث القتالية والتواجد البدني والبذل طوال أطوار المباراة أمام لاعبين لا يشبهون الذين يواجههم في الدوري البريطاني، ولا في الظروف المناخية في شمال القارة الأوروبية الباردة، وإذا لعب هذا الثلاثي مباراة غد الأحد بنفس الروح ونفس التواجد البدني والذهني، يمكن القول بأنهم قد خرقوا القاعدة وخرجوا عن الواقع وبأنهم لاعبون من طينة لا تشبه طينة بقية لاعبي العالم الذين تمتلك أجسامهم عمرا محددا من الطاقة لا يمكن تجاوزه.

يوسف بلايلي الذي اقتنع التونسيون واقتنع هو نفسه، بأن سنتي العقاب التي سلطت عليه جعلته لاعبا لا يمكن أن نراه يلعب 90 دقيقة، وفي العادة يخرج بعد مرور 75 دقيقة لأن جسمه لا يحتمل أكثر من هذا الوقت، لعب هذه المرة في ظروف معقدة ومباراة بـ 120 دقيقة، وكانت الإرادة وحب الفوز من تدفعاه مثل المحرك الآلي الذي جعله يكون من أحسن اللاعبين، وأدى ما يفوق طاقته ليس بدنيا ومعنويا وإنما أيضا فنيا، ودخل آدم وناس في هذه الأجواء، ولاعب نابولي الهادئ التكتيكي، نزع هذا الثوب وكان مثل الذي دخل شجارا عنيفا مع خصوم، بالرغم من أنه فشل عن تقديم أحسن مما قدمه رياض محرز، الذي تابع الجزائريون ملاحمه الكروية في بريطانيا عندما فاز مرتين بالدوري الإنجليزي الممتاز مع ليستر ومع مانشستر سيتي، ولم نشاهده غارق في الفرح كما كان حاله عشية الخميس، عندما كان على مقاعد الاحتياط يعيش على أعصابه.

بغداد بونجاح البطل

أما بطل المباراة الأول فهو بغداد بونجاح الذي مازال التوفيق يعانده، ولكن ما يبذله من جهد طوال المباراة خاصة أنه يستقبل الكرات العالية وظهره مقابل للمرمى ما يتطلب منه جهدا خرافيا، لا يمكن نكرانه أبدا، وبحر الدموع التي ذرفها منذ أن أضاع ضربة الجزاء التي كان هو من حصل عليها بعد التمريرة الرائعة من زفان، ستبقى في الذاكرة خاصة إذا عاد بونجاح في اللقاءين القادمين وسجل وقاد الخضر للنهائي وللتتويج باللقب، حيث سيتحوّل إلى أسطورة إرادة نادرة في العالم وليس في المنتخب الجزائري، فقد كان السبب الأول في تمكين بن سبعيني من التمرير وفيغولي في التسجيل في هدف المنتخب الجزائري بصراعه لإحياء الكرات الميتة، وقدم لرياض محرز في الشوط الثاني كرة حريرية لتسجيل الهدف الثاني وكان نجما بالرغم من أن الحالة النفسية المعقدة التي عاشها الجزائريون يوم الخميس كانت ضربة الجزاء التي أضاعها هي السبب الرئيسي فيها.

هناك جدل عن الخيارات التكتيكية وحتى عن اللاعبين الذين اعتمد عليهم جمال بلماضي، فمنتخب كوت ديفوار الحالي هو من أضعف التركيبات التي عرفها هذا البلد في العقد الأخير، ومدربه المحلي لم يشهد له التقنيون بالكفاءة أبدا، ومع ذلك عجزت الخطط التي اعتمدها جمال بلماضي عن حسم المباراة لا في وقتها الرسمي ولا في وقتها الإضافي، وحديث جمال بلماضي مع بي.إين.سبورت عن الهشاشة التي مازال يعاني منها المنتخب الجزائري تأكدت، ولو فاز منتخب كوت ديفوار لاستحق التأهل هو أيضا بمنتخب يختلف عن رفقاء دروغبا الذين فاز عليهم أشبال سعدان في سنة 2010 وعن رفقاء ياياتوري الذين أحرجهم وسيطر عليهم أشبال غوركوف في سنة 2017.

هذه هي لمسة بلماضي

هناك أمور لا علاقة لها بالتكيتيك ولا بخطط عالم الكرة اعتمدها المدرب جمال بلماضي، فقد لعب بنفس التشكيل وهو يعلم تعب عديد اللاعبين وحاول تطبيق معادلة كروية لم تعد صالحة حاليا، وهي أن الفريق الذي يفوز لا يجب تغييره، بالرغم من أن طريقة لعب المنافس والملعب والمدينة والأجواء تغيرت، وإشراكه لإسلام سليماني لمدة زمنية طويلة لا تفسير تكتيكي له سوى أن بلماضي، أفهم سليماني بأنها مباراته ويجب عليه أن ينتزع التأهل بهدف حتى يبرهن للعالم بأنه لم ينته وبأن خيار المدرب كان صائبا عندما أخذ معه سليماني إلى القاهرة، والمدرب نفسه اعترف بأن المخالفة الأخيرة التي حصل عليها أشباله في الدقيقة 119 ترجاه ديلور بأن ينفذها، فأقحمه في مكان سفيان فيغولي فخسر منفذ جيد لضربات الجزاء، ومنحه أحقية التنفيذ وكان يوسف بلايلي يتصارع لأجل هذه الكرة الأخيرة، ومن النادر في العالم أن نرى لاعبا يدخل في آخر دقيقة لينفذ مخالفة وهو لم يدخل أجواء المباراة بعد.

عموما مباراة كوت ديفوار ستبقى في الذاكرة لأننا لم نشاهد كرة القدم فقط وإنما نموذج من لعب بطولي كسر القاعدة الكروية رأسا على عقب، وستصبح هذه المباراة ضمن المباريات التي يحفظها الجزائريون عن ظهر قلب ويعيدون مشاهدتها عشرات المرات، لو اكتملت ببلوغ النهائي والتتويج باللقب القاري.

ب.ع

الخضر جمال بلماضي كوت ديفوار

مقالات ذات صلة

1 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم
  • شمشوم امستردام

    في تاريخ كأس أمم افريقيا هناك أربعة دول او خمسة تسيطر علي الفوز بالكأس الافريقية او تصل للنهائي منذ نشأة هاته المنافسة الافريقية وهي غانا نيجيريا الكامرون ومصر وهي البلدان الاكثر تتويجا بأربعة مرات الي ما فوق .
    الجزائر ليس لها استقرار كروي من دورة لاخري وهي في غالب الدورات تخرج من الدور الاول ومن 20 سنة الي ما اكثر تصل مرة واحدة للنصف النهائي . وهذا دليل علي التخلف الرياضي و تراجع المنطومة الكروية الجزائرية .
    ان وصول المنتخب الجزائري للنصف النهائي ما هي الا ضربة حظ او مدرب محظوظ فقط لا يعبر عن التطور الكروي بين ليلة وضحاها

close
close