أزمة الضمير الغربي أمام فظاعة الاحتلال
بمناسبة حلول الذكرى الأولى لـ “طوفان الأقصى” وبداية الحرب الصهيونية – الغربية الهمجية وغير المسبوقة على غزة أحب أن أشير إلى أنني وجدتُني مدفوعا إلى أن أدبِّجَ “إني أتَّهم” (J’accuse) على غرار إميل زولا في طبعةٍ عربية في كتابي “خطيئة الدفاع عن قايين” الذي رأى النور قبل بضعة أشهر والذي رددتُ فيه على فلاسفة البؤس الغربيين – والفرنسيين بخاصة – الذين آثروا الدفاعَ عن ظلم تاريخيٍّ لحق بالفلسطينيين ولم يجدوا حرجا في قبول سرديات الاحتلال وحلفائه الغربيين والأمريكيين التي برَّرت المأساة والنكبة.
فلم يكن الكيانُ الاستيطانيُّ حلا عادلا لما سمَّاه الغربُ “المسألة اليهودية” وإنما جريمة منظمة للتخلص من حضور اليهود في أوروبا خاصة بعد كارثة المحرقة النازية. لقد كان ذلك حلا أسوأ من المشكلة التي ولدته إن استخدمنا تعبير بعضهم. ولكن ماذا كان يهمُّ الغرب الاستعماري آنذاك وهو يبسط يدَهُ على مقادير العالم العربيِّ سياسيا واقتصاديا ويُمعنُ فيه تمزيقا مع تفكك السلطنة العثمانية بداية القرن العشرين؟ لقد ظلت البراغماتية الضيقة وعنجهية المُهيمن لازمة تحكم علاقات الغرب الاستعماري بالعرب وتبيحُ له، وهو “الذي لا يملك”، أن يعِدَ بمنح الأرض “لمن لا يستحق”. ومن المعروف أنَّ أزمة الضمير الغربي – التي لا تزال تضغط على القرار الأوروبي المنحاز إلى إسرائيل والرافض لانتقاد الكيان المحتل – سرعان ما خلفتها سياسةُ الدَّعم اللامشروط الأمريكية والتي ندرك اليوم حجمَ الدور الذي تلعبه في استمرار حرب الإبادة ضدَّ الشعب الأعزل والوقوف – من خلال حق النقض – في وجه كل مشروع أمميٍّ يرمي إلى وقف إطلاق النار وإدخال المساعدات العاجلة لسكان القطاع المنكوب. لقد كانت أمريكا دوما حليفا للإجرام الصهيوني منذ تمَّ زرعُ هذا الكيان في الأرض العربية ورعايته بوصفه وكيلا يرعى مصالح الغرب في إحدى أغنى مناطق العالم بالثروات الطبيعية.
إنَّ إسرائيل لم تكن حلا لمشكلةٍ إنسانية تسبَّب في فظاعاتها الغربُ الأوروبيُّ ودفع ثمنها العربُ فحسب، وإنما هي أيضا قضية استراتيجية من أجل ضمان سيطرة هذا الغرب على منابع الطاقة ومراقبة المنطقة على المدى البعيد. ولكنَّ الوجه الذي يقابل به المستعمِرُ القديم إدانة الاحتلال والاستيطان والجرائم اليومية في الأرض المحتلة هو تجريمُ “معاداة السامية” الجاهز. وكأنَّ نقد الحكومات العنصرية وممارسات نهب الأرض وزرع المستوطنات والاعتقال التعسفي وسياسة الأبارتيد هي انتقاداتٌ عرقية عنصرية لا سياسية. إنَّ جعل إسرائيل بمنأى عن النقد لا يكشفُ إلا عن الانحياز والكيل بمكيالين كما يقال. وكأنَّ النقد السياسيَّ – الذي هو ليس نقداً لليهود كعرق وهوية – أصبح ممنوعا في المطلق. بل إنَّ بعض انحرافات السياسات الغربية تحاول أن تُقنِّنَ تجريمَ نقدِ الإيديولوجية الصهيونية أيضا كما لاحظنا في فرنسا مؤخراً. فهل من غير الأخلاقي وغير الإنساني وغير القانوني أن يتمَّ نقدُ الأفكار والمعتقدات والإيديولوجيات؟ أليس من مكتسبات الحداثة الفكرية الأكثر أهمية قيمة النقد والمراجعة والنقاش الحر بعيداً عن العسف والدوغماتية العمياء؟ فلماذا يكونُ للإيديولوجية الصهيونية العنصرية امتياز الإفلات من ذلك؟ لقد آلمني شخصيا أن أرى وجهَ شيخ التنوير فولتير العظيم يعلوهُ الشحوبُ من جرَّاء سياسة فرنسا الصغيرة الخانعة هذه الأيام.

غلاف كتاب “خطيئة الدفاع عن قايين” لكاتبه أحمد دلباني والصادر في فيفري 2024 عن دار خيال للنشر. صورة: الناشر.
لقد اجتهد العربُ كثيراً مؤخراً – أو قل تنازلوا كثيراً – في محاولة تسويةٍ “عادلة” للقضية الفلسطينية تبتعدُ عن راديكالية العهد القوميِّ الناصري القاضية بزوال إسرائيل وتحرير كل الأرض المحتلة. فقد قبلوا، بداية التسعينيات، باتفاقيات أوسلو رغم كل ما يُمكن أن يقال فيها، وأصبحت “منظمة التحرير الفلسطينية” سلطة وإدارة شرعت في مفاوضات الحل النهائي. ولكنَّ الكيان الصهيوني كان دائم الرفض والعرقلة لكل ما من شأنه أن يمثل تقدما ملموسا في هذا الشأن. فقد استمرَّ الاستيطانُ وانتهاك المقدَّسات الإسلامية والحصار ونهب الأرض وهدم البيوت والاعتقال التعسفي والإعدامات الميدانية على مرأى من العالم الذي لا يمكنه قول أي شيء خشية تذكيره بالمحرقة النازية أو اتهامه بمعاداة السامية. ولم تفلح مبادرة العرب “السخية جداً”، كما يُعبِّرُ محمود درويش، في قمة بيروت العربية سنة 2002 في الدَّفع بمسار التسوية السلمية وهي التي تعهدت باعتبار الصراع بين العرب وإسرائيل مُنتهيا إذا تمَّ انسحاب الدولة العبرية من الأراضي المحتلة سنة 1967.
ولكنَّ الاحتلال ازداد، كما هو معروفٌ، تمسُّكا بحلم “إسرائيل الكبرى” التي لا تملك حدوداً نهائية وهذا لاعتبارات داخلية وضمن توازنات سياسية أملاها ضغط التطرف الصهيوني لأحزابٍ دينية تدعو إلى إبادة العرب أو تهجيرهم. وقد ظلت إسرائيل تتذرعُ بكونها الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط وسط ديكتاتوريات تريد محوها والقضاء عليها من خلال الظهور بمظهر الضحية دائما في مواجهة انتفاضات الشباب الفلسطيني الأعزل بالدبابات والأسلحة الثقيلة. لقد ظل الحديثُ لعشرياتٍ خلت عن هذا الذي يجري ميدانيا على أنه معاداة للسامية واليهود وبالتالي فمن حق إسرائيل أن تدافع عن نفسها. وهو – بكل أسفٍ – الشيءُ الذي ما نزال نسمعه في تصريحات الكثير من المثقفين الذين قادتهم العبقرية التنظيرية المُدهشة إلى أن يروا فيه “حربا حضارية” بين الغرب والإسلام أو بين “الحضارة” و “البربرية” بكل بساطة. ألم يُصرح ميشال أونفري ولوك فيري وآلان فينكلكروت – على سبيل التمثيل – بذلك علنا في بلاتوهات بعض القنوات التلفزية اليمينية التي أصبحت ثقبا أسود من شأنه ابتلاعُ الذكاء وسَداد الرأي والحُكم العادل على الوقائع والأحداث؟
يتصوَّرُ فلاسفة البؤس أنَّ مقاومة الاحتلال، في حقيقتها، هي مشروعُ حرب حضاريةٍ ضدَّ الغرب الليبرالي برمته. وما دامت إسرائيل دولة ليبرالية “ديمقراطية” فهي، بهذا المعنى، تُعتَبرُ امتداداً للغرب الحضاري ومُمثلا للقِيم الغربية في تلك المنطقة من الشرق الأوسط. ولا ننسى هنا أيضا، بطبيعة الحال، الخلفية الثقافية والحساسية الدينية لمن يصفُ حضارة الغرب بأنها “حضارة يهودية – مسيحية”. إنَّ الانكماش الذي أشرنا إليه آنفا أصبح يُملي على اليمين الثقافيِّ مواقف منسجمة مع سردية الاحتلال تغيبُ عن مجالها المرئيِّ قضايا العدالة والحرية لكي لا يحضر إلا الأمن وضرورة الدفاع عن آخر حصون “الحضارة الغربية”. ويمكننا، هنا، أن نرى في هذه المواقف تمويها لجوهر الصراع في الشرق الأوسط بغية تبريره ومنحه طابعا حضاريا (أو دينيا) مُقدَّسا في الوعي الغربي.
فمن شأن الكشف عن مظالم التاريخ وهمجية الاحتلال ومعاناة الشعب الفلسطيني الطويلة في المخيمات والمنافي أن تكون متراسا ينتصبُ أمام مشروعية الهيمنة الأطلسية في الشرق الأوسط أو ادِّعاء الدفاع عن “ديمقراطية ليبرالية” تمثل حصنا للغرب الحضاريِّ في منطقة ملتهبة تحمل إرثَ مجابهةٍ تنافسية وعدائيةٍ للحضارة “اليهودية – المسيحية” منذ عهد الحروب الصليبية. هذا الأمرُ أصبح لازمة عند القوم إلى الدرجة التي خشيَ فيها أونفري مثلا على مصير تسعة ملايين يهوديٍّ من أكثر من مليار مسلم! بهذه البساطة وبهذا العمَه الإيديولوجي العنصريِّ يفهمُ الفيلسوفُ الثرثارُ المنحاز المشكلة. كأنَّ المقاومة الفلسطينية، في حقيقتها، حربٌ إسلامية أعلنها جميعُ المسلمين على اليهود لا مقاومة يخوضها أصحاب الأرض ضدَّ احتلال صهيونيٍّ مكنت له صفقة إجرامية بين كبار العالم من أجل إيجاد حل لما أطلقوا عليه سابقا اسمَ “المسألة اليهودية” بعد فظاعات الحرب العالمية الثانية والهولوكوست. ولكنَّ للتمويه وتزييف الحقائق شأنا آخر خصوصا مع كل ما يتعلقُ بالإسلام والمسلمين في هذا الظرف الذي يحتاج فيه الغربُ إلى خصم إيديولوجيٍّ كبير يجعلهُ يتحسَّسُ حدودَهُ ويجابه تفككه وانهياره الوشيك. ربما احتاج هؤلاء إلى التذكير الدائم بأنَّ “معاداة السامية” ليست شأنا إسلاميا أو عربيا وإنما هي نتاجٌ غربيٌّ خالص. والتاريخ يشهدُ على ذلك.
إقرأ أيضا: “معاداة السامية” ليست شأنا إسلاميا أو عربيا وإنما هي نتاج غربيّ
لقد رفع العربُ في جاهليتهم (الفترة التي سبقت الإسلام) من شأن الشاعر السموأل بن عاديا – وهو اليهودي – وضربوا به مثلا في الوفاء عندما قالوا “أوفى من السَّموأل”. وعاش الكثيرُ من اليهود في كنف الحضارة الأمبراطورية الإسلامية ولم يعانوا من الاضطهاد أو الرغبة في التخلص منهم. بل لقد خرجوا من الأندلس الإسلامية بعد سقوطها هربا مع المسلمين إلى شمال إفريقيا وبلدان المغرب الإسلامي خشية تعرضهم لما هو معروفٌ من أشكال التنكيل التي حفل بها التاريخ الكاثوليكي.
وهل يُمكنُ لأيِّ يهوديٍّ فرنسيٍّ أن ينسى ما قام به، في أربعينيات القرن المُنصرم، عميدُ مسجد باريس سي قدور بن غبريط عندما أنقذ المئات من اليهود من المحرقة النازية بمنحهم بطاقات هوية إسلامية مُزوَّرة مكنتهم من الهرب؟ كل ذلك تمَّ في عهد حكومة فيشي الموالية للاحتلال النازي لفرنسا والتي تواطأت مع المحتلين في تسليم اليهود الفرنسيين للألمان، وفي عهد بابا الكنيسة الكاثوليكية بيوس الثاني عشر Pie XII المُتَّهم بسلبيته وصمته المريب إزاء مصير يهود أوروبا آنذاك. ولكنَّ “معاداة السامية” أصبحت اليوم، بقدرة قادر، ممارسة وخطراً إسلاميا لدى القائمين على الإعلام الفرنسيِّ المأجور والمُتحكَّم فيه، ماليا وسياسيا، من قِبل جماعات الضغط الصهيونية. والأخطر من ذلك أن ينجرفَ ويتجرجرَ المثقفون والفلاسفة إلى هذه الأرضية من النظر البائس. لقد لاحظنا هذا عند فينكلكروت وأونفري تمثيلا لا حصراً كما ذكرنا آنفا. إنها ذاتُ النظرة الجوهرانية غير التاريخية التي أشرنا إليها ونحن نتحدَّثُ عن تهافت الأطروحة الثقافوية المنتصرة لدى اليمين العنصري في حربه ضدَّ المُختلِف عموما وضدَّ المسلمين بالأخص.
***
أحمد دلباني، أستاذ الفلسفة في جامعة بسكرة. كاتب: خطيئة الدفاع عن قايين: مأساة غزة.. و”تهافت الفلاسفة”، الصادر بالجزائر في فيفري 2024، عن دار خيال للنشر.