الجزائر في زمن الانهيارات: إمّا قوة توازن… أو ساحة صراع!!
في عالم يتفكك بسرعة، لم يعد الحياد الكسول خياراً آمناً. أوروبا تترنّح استراتيجياً، النظام الدولي يتآكل، والساحل الإفريقي يشتعل على حدودنا الجنوبية. في خضم هذا المشهد المضطرب، تجد الجزائر نفسها، ربما لأول مرة منذ عقود، أمام اختبار تاريخي حقيقي: إما أن تتحول إلى قوة توازن إقليمية فاعلة، أو تُترك، رغماً عنها، لتكون ساحة تتقاطع فوقها صراعات الآخرين. فالجغرافيا التي منحت الجزائر موقعاً فريداً بين المتوسط وإفريقيا لم تعد معطى محايداً، بل أصبحت مسؤولية سياسية كاملة، تفرض قراراً واضحاً ودوراً لا يقبل التأجيل.
ليست هذه دعوة إلى المبالغة في تقدير الذات، ولا إلى استعراض دبلوماسي أجوف، بل قراءة واقعية لمعادلة دولية جديدة. فالجزائر ليست مطالَبة اليوم باختراع دور، بل باستيعاب الدور الذي يفرضه عليها موقعها وقدراتها. إنها من بين الدول القليلة القادرة على الحفاظ على قنوات تواصل مفتوحة مع واشنطن، وموسكو، وبكين في آن واحد، دون الارتهان لأي محور. وفي عالم تحكمه الاصطفافات الحادة، يتحول هذا الموقع من حياد سلبي إلى رصيد استراتيجي نادر، لا يُقاس بالشعارات بل بقدرة الدولة على إدارة التوازن وتحويله إلى نفوذ فعلي يخدم أمنها واستقرار محيطها.
ويكفي النظر شمالاً وجنوباً معاً لفهم طبيعة اللحظة. فأوروبا، التي اعتادت لعب دور القاطرة السياسية والأمنية في محيطها، تعاني اليوم تآكلاً واضحاً في قدرتها على المبادرة: أزمات طاقة متلاحقة، ضغوط صناعية، ارتباك استراتيجي، وتردد مزمن في اتخاذ القرار. في أوكرانيا تتبع أكثر مما تقود، وفي علاقتها بالصين تتأرجح، وفي جنوب المتوسط والساحل الإفريقي تنسحب بصمت. هذا الانسحاب لم يترك فراغاً نظرياً، بل خلّف فضاءً هشاً تتقاطع فيه الفوضى الأمنية مع التنظيمات المسلحة وشبكات التهريب. وهنا تتقاطع الأزمتان: ضعف الشمال الأوروبي واضطراب الجنوب الإفريقي، لتجدا الجزائر في قلب المعادلة، لا كطرف متفرج، بل كدولة معنية مباشرة باستقرار محيطها، لأن ما يهتز في الساحل لن يبقى معزولاً عن حدودها، وما يضعف في أوروبا سيرتد حتماً على الضفة الجنوبية للمتوسط.
أمام هذا التقاطع الخطير، يصبح الاصطفاف ترفاً لا تملكه الجزائر. فالانحياز الأعمى لأي محور لا يعني سوى نقل الصراع إلى الداخل، وتقييد هامش القرار الوطني. من هنا، لا تبدو السياسة الجزائرية القائمة على رفض التبعية خياراً أيديولوجياً، بل ضرورة استراتيجية فرضها الواقع. فالتعاون مع الولايات المتحدة لا يعني القطيعة مع روسيا، والحفاظ على الشراكات التاريخية مع موسكو لا يعني العداء لواشنطن، والانفتاح على الصين لا يعني التفريط في السيادة. هذا التوازن ليس لعبة دبلوماسية، بل آلية بقاء في عالم يعاقب الدول التي تربط مصيرها بطرف واحد.
ولا يستقيم هذا التوازن من دون عناصر قوة حقيقية تسنده. فالجزائر لا تتحرك في الفراغ، بل تستند إلى مقومات صلبة تجعل دورها قابلاً للتحقق لا مجرد طموح نظري. جغرافياً، تحتل موقعاً فريداً يربط المتوسط بإفريقيا، بساحل متوسطي يقارب 1200 كيلومتر، وعمق صحراوي واسع يفتحها على الساحل الإفريقي، وموقع مركزي في المغرب الكبير يجعلها عقدة عبور طبيعية للطاقة والتجارة والأمن. هذه الجغرافيا ليست وصفاً طبيعياً فقط، بل بنية سياسية قائمة بذاتها.
طاقوياً، تمتلك الجزائر احتياطيات غازية معتبرة وبنى تحتية استراتيجية تربطها مباشرة بجنوب أوروبا، في زمن عادت فيه الطاقة إلى قلب الصراع الجيوسياسي. لم يعد الغاز مجرد سلعة، بل أداة نفوذ ومساومة. ومع ذلك، لا يزال هذا العامل يُدار في كثير من الأحيان بمنطق تقني أو تجاري ضيق، لا بمنطق تفاوضي استراتيجي يفرض الشروط ويحوّل الحاجة الأوروبية إلى ورقة قوة حقيقية.
عسكرياً، تظل الجزائر القوة النظامية الأكثر مصداقية في إفريقيا، بجيش محترف تشكل عبر عقود من المواجهة مع الإرهاب، وراكم خبرة ميدانية جعلت منه فاعلاً يحظى بالاحترام لا بالاستعراض. هذه القوة الصامتة، القائمة على الكفاءة لا الضجيج، تشكل أحد أعمدة التوازن الإقليمي، إذا ما أُدرجت ضمن رؤية سياسية واضحة لا ضمن منطق التحوّط الدائم.
ويتأكد ذلك أكثر عند النظر إلى الجنوب، إلى فضاء الساحل الإفريقي الذي لم يعد هامشاً جغرافياً بعيداً، بل امتداداً مباشراً للأمن القومي الجزائري. فالفراغ الذي خلّفه الانسحاب الأوروبي لم يملأه استقرار، بل فوضى مركبة: تنظيمات مسلحة، شبكات تهريب، هجرة غير نظامية، وصراعات داخلية تتغذى من الهشاشة. في هذا السياق، لا تملك الجزائر ترف اللامبالاة أو الاكتفاء بالمراقبة من بعيد، لأن أي اختلال دائم في الساحل سيتحول عاجلاً أم آجلاً إلى ضغط مباشر على الحدود والاستقرار الداخلي.
غير أن المقاربة الجزائرية لا تقوم على التدخل العسكري المباشر، ولا على تصدير النموذج بالقوة، بل على هندسة إقليمية أكثر عمقاً: تكوين الأطر، تنسيق استخباراتي دقيق، وساطة سياسية بين الفاعلين المحليين، ومشاريع اندماج اقتصادي عابرة للصحراء تعالج جذور الأزمة لا أعراضها فقط. استقرار الساحل ليس عملاً إحسانياً ولا ترفاً دبلوماسياً، بل شرطاً ضرورياً لأمن الجزائر.
المقومات إذن موجودة، واللحظة مواتية، لكن ما ينقص الجزائر اليوم هو الجرأة على تحويل هذا الرصيد إلى سياسة دولة واضحة ومعلنة. فكثيراً ما تحركت بحذر مفرط في زمن يتطلب وضوحاً، وانتظرت إخفاق الآخرين قبل أن تبادر، بينما كانت المبادرة أقل كلفة من الانتظار. فالقوة لا تُقاس فقط بما تملكه الدول، بل بقدرتها على حسن توظيفه في اللحظة المناسبة.
أي دور إقليمي فاعل يحتاج إلى رؤية استراتيجية مستقرة، ومؤسسات قوية، وترقية مبنية على الكفاءة لا الحسابات الضيقة، واستمرارية في القرار والخبرة، وانفتاح حقيقي على الجامعات والخبراء ومراكز التفكير. فالدولة التي تُهدر نخبها أو تُضعف كفاءاتها، تحكم على نفسها بأن تكون موضوعاً للتاريخ لا فاعلاً فيه.
تقف الجزائر اليوم أمام خيار لا يحتمل الغموض: إما طريق التحفظ والدور الثانوي وانتظار ما ستقرره القوى الأخرى، وإما طريق أكثر تطلباً لكنه أكثر انسجاماً مع وزن البلاد وتضحياتها، طريق قوة التوازن. قوة لا تبحث عن الهيمنة ولا عن الاستعراض، بل عن الاستقرار، وتدرك أن التاريخ لا يُكتب بالنوايا الحسنة بل بالقرارات الشجاعة.
هذه الفرصة حقيقية، وقد لا تتكرر. والسؤال لم يعد إن كانت الجزائر تملك المقومات، بل إن كانت تملك الإرادة لتحمّل تبعاتها كاملة. ففي زمن الانهيارات الكبرى، أخطر ما يمكن أن تفعله الدول هو أن تبقى على الهامش.