-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الدكتور عبد المالك مرتاض… الفارس الذي ترجل

بقلم: د / مفلاح بن عبد الله
  • 369
  • 0
الدكتور عبد المالك مرتاض… الفارس الذي ترجل

إن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، وإنا على فراق الفارس لمحزونون، ولكن لا نقول إلا ما يرضي ربنا.
إنه لا شيء أصعب من فقدان عزيز لنا، ولا يوجد كلمات تعبر عما في داخلنا، ولا يسعنا سوى أن نرضى بقضاء الله وقدره، فالموت علينا حق لا مفر منه.
لقد غادرنا الفارس في هذا الشهر المبارك بعد سيرة علمية ومهنية حافلة بالعطاء، وترك لنا وللأجيال القادمة ميراثا ثريا، كما ترك أيضا أثرا طيبا في نفوس أصدقائه ومريديه، وليس الرجل غير الأثر. وقديما قال أبو العتاهية:
وأنت لكأس الموتِ لا بدّ جارعُ.
يموت الرجل ويبقى أثره.
وأثر الفارس طيب جميل.
كان الفارس هامة من هامات العلم، وقامة من قامات العطاء، صاحب عقل رزين، وفكر حصين، ومعرفة واسعة، وقدرة على الاستيعاب والتحليل فائقة، كما عُرف بعلميته الباحثة، ودأبه في التحصيل والتحقيق.
عرفنا الفارس أستاذا محاضرا في فنون اللغة والنقد والأدب، يصول ويحول في قاعات التدريس، شارحا ومعللا، منتقدا وموجها، متبسطا مع طلابه، يأخذ بأيدهم برفق وتصبر حتى ينهض بهم، ويفتق مكامن الوعي فيهم، وفاء منه لرسالة العلم.
وعرفناه أيضا كاتبا مؤلفا، أغنى المكتبة الجزائرية والعربية بدراسات قيّمة مزج فيها بين قوة الفكرة، وصواب التحليل، مع رقة الأسلوب وبراعته، فكانت سندا لجيلنا، وستكون عونا للأجيال القادمة.
وعرفناه ناشطا أكاديميا يصول ويجول في المحافل العلمية والملتقيات والمؤتمرات، محاضرا وناقدا ومنظرا ومبدعا، يبسط الفكرة، ويدافع بالحجة، وينتصر للرأي في غير تعصب، ويسمع المخالف سماع الراغب في أن يصل إلى الصواب.
وعرفناه ناشطا ثقافيا بحضوره المتميز في المحافل الثقافية العامة والخاصة، يسهم في تنشيط الحركة الثقافية وتنميتها وتوجيهها، يشجع المواهب ويأخذ بأيديهم، ويفعّل الطاقات الكامنة بداخلهم.
إن إنتاج الفارس الغزير والقيّم والحصيف، بوأه مكانة سامية في دنيا العلم والعلماء في الجزائر وفي الوطن العربي، وجعله صاحب مقعد في ثقافتنا العربية.
لقد آمن الفارس برسالة العلم، وأعطى جلّ وقته للبحث العلمي ولمريديه المتعطشين لعلمه ولنُكَاته، وتتلمذ له أجيال كثيرة، نهلت من خبرته، وشربت من صرامته، واستفادت من رؤيته للعلم وللعالم.
لقد ظل رحمه الله يفاخر بانتمائه في غير تحيّز، ويدافع عن أصوله الفكرية في غير محاباة، استفاد من التراث واتخذه سبيلا من سبل النهضة.
إنه لمن الصعب أن نختزل حياة هذا الفارس وعطائه، في كلمات وسطور، لأنه ثروة علمية وإنسانية كبيرة، ونعتقد جازمين أن الفراغ الذي سيخلفه كبير جدا، ولكن ما يعزينا أنه ترك لنا وللأجيال من بعدنا مسارا مهنيا يقتدى به، وإرثا علميا حصيفا يحتفى به، فكان علامة بارزة في الثقافة العربية بوجه عام، والبحث الأكاديمي بوجه خاص.
إن مثل عبد المالك مرتاض لا يرحلون، إنهم يستمرون معنا بعطائهم وبأخلاقهم وبميراثهم وبذكراهم، كما يستمرون في ذاكرة الجامعة والوطن.
لقد غيب الموت فارس العربية جسداً، لكنه سيبقى في قلوبنا ما بقينا على قيد الحياة في هذه البسيطة. ولن ننساه، وسيظل بأعماله ومآثره وسيرته نبراساً وقدوة.
رحم الله الفارس، ورزق كلّ من عرفه وأحبّه جميلَ الصبر والسلوان.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!