-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الصِّدامُ بين الأجيال وجه الدمار الحضاري

بقلم: لونيس بن جبل الجزائري
  • 1386
  • 0
الصِّدامُ بين الأجيال وجه الدمار الحضاري

عرفت البشرية عبر امتداد العصور والأزمنة الكثير من التطورات منذ خلق سيدنا آدم عليه السلام، وكانت هذه التطورات تختلف باختلاف الحقب والأزمنة والفترات، ولعل هذا الاختلاف راجع إلى مجمل الظروف البيئية التي عاصرها كل جيل والتي تطبع آثارها وتخلف مجرياتها على مجمل أفكار كل شعب من شعوب البشرية، وهذا ما يشكل نظرة منهجية أولية لدراسة كل حضارة من الحضارات.
إذا أتينا إلى مخبر تحليل ودراسة الحضارات، نجد أن ما سبق ذكره من ظروف ومجريات تدخل بنسبة كبيرة في تكوين المستوى الفكري والثقافي من أي حضارة، وكتتبع تحليل بسيط لسلم استمرارية أي حضارة نجد أن هناك تواصلية بين مكون أساسي في قيام مصطلح الحضارة إلا وهو مصطلح الأجيال، وقد أشرت إلى هذا لمصطلح بصيغة الجمع، ذلك أن الحضارة تُبنى بالأجيال وليس بجيل واحد، وبما أننا طرحنا هذه النقطة فلابد من تبيان أن القاعدة الطبيعية تفرض أن أي ” كلّ” يتكون من أجزاء، فالحضارة كلٌّ يتكون من الأجيال، ووجب أن يكون هناك انسجام وامتداد وتلاحم بين هذه الأجيال وإلا لما قامت حضارات الشعوب، وهذا يمثل عملية تسليم مشعلٍ ينار عن طريق المحافظة على الهوية الحضارية والفكر الحضاري.
وبصفة عامة نستطيع القول إنها عبارة عن تسليم لمهام هي غير إدارية ولكنها معنوية وثقافية وفكرية واجتماعية واقتصادية وحتى عسكرية ودينية.

كل تصادم وتنافر بين أجيال الحضارة الواحدة والشعب الواحد ولأمة الواحدة يشكل خطرا كبيرا ومحدقا في استمرارية وقوة تلك الأمة؛ ذلك أنّ هذا الوهم يستهدف مفاصل الجسد ليقطع التفاعل بينها فتُشلّ الشعوب ويتناثر ويتلاشى الرصيد وتتناحر الأجيال في شاكلة صدام بين أجيال الأمة الواحدة.

وبما أن مصطلح الأجيال يؤدّي دورا كبيرا في تأسس الحضارات ونهضتها واستمرارية وجودها وكيانها، و كما سبق وأن قلنا أن ذلك الامتداد بين أجيال الحضارة الواحدة يعتبر ركيزة القوة للحضارة، وأن هذا ما يجعلنا نستنج أن كل تصادم وتنافر بين أجيال الحضارة الواحدة والشعب الواحد ولأمة الواحدة يشكل خطرا كبيرا ومحدقا في استمرارية وقوة تلك الأمة؛ ذلك أنّ هذا الوهم يستهدف مفاصل الجسد ليقطع التفاعل بينها فتُشلّ الشعوب ويتناثر ويتلاشى الرصيد وتتناحر الأجيال في شاكلة صدام بين أجيال الأمة الواحدة، وهذا من نلاحظه في عصرنا هذا: جيل قديم بأفكار مغايرة عن جيل حديث نشأ من الفضاءات الزُّرق ومن النوافذ الحمراء في عالم افتراضي مد الجسور ليصل إليه الوهن وتمرض الأفكار، يأتي بمقاربة موبوءة في وجه جيل أصيل وأفكار وعادات وتقاليد معتدلة محبة للأصالة ومقدِّسة للانتماء للأوطان، ليظهر ذلك الصدام في هيئة مشكلات اجتماعية وآفات تضرُّ بالهوية وبالوطن، وذلك عن طريق تذبذب في التواصل الفكري الإيجابي بين شرائح الأمة الواحدة، فالمبادئ اختلفت والموازين اختلّت وظهر تنافسٌ مزيَّف بين الابن ووالده وبين الابن وجدّه وبين التلميذ ومعلمه، وهذا ما نستطيع أن نطلق عليه التشوّه الفكري الذي يصيب أجيال الأمة الذي ينخر جسدها ويبثّ الخلاف والفرقة فيدمر الحضارات ويهدم الإنجازات ويخرب الأوطان.
ومن وجهة نظر فكرية، وجب أن تسلَّط الأضواء على هذه الإشكالية في زمننا الحاضر، ولعل مع حرب الفضاءات الزُّرق والنوافذ الحمراء لا تنجح معارك إدارتها إلا بتوجيه التركيز على كل ما يقوي الهوية والثوابت ومحاربة كل ما يضرها وكل ما يمس بروح الانتماء لدى الأفراد لأوطانها، فلا نكتفي في زمننا الحاضر بدور المساجد والزوايا، ولا بدور المعلم والأولياء، لأن هذا الوهن أصبح حاليا يبثُّ عبر عالم الافتراضات، ولنجابه هذا -بالإضافة إلى جهود التربية والتعليم والتلقين والتدريب- وجب أن نمارس الحرب في ميدانها، عبر تطوير الكفاءات والمهارات في هذا العالم الخوارزمي، وذلك بتكوين وتدريب الهيئات المختصة في هذا المجال على كل ما هو جديد في عالم الشفرة الرقمية، فلا يُعقل أن نربح الحرب ونحن لا نمارسها في غير ميدانها.
ومع هذه المعادلة التي تشمل ترقية ومتابعة دور المدارس والهيئات التعليمية والمساجد والزوايا والنشاطات الجمعوية وجعل كافة أنشطتها تتجنّد لمواجهة هذا المد الخطير الذي يستهدف التقسيم فالتدمير وتكاملها مع الجانب التقني الذي سبق ذكره والمواظبة على إحداث ذلك التفاعل الإيجابي بين هذين الشقين والذي يكون في صالح أمن الوطن واستقراره وأمن الأمة وازدهارها، ولعلنا بهذه المقاربة نستطيع مواجهة المد الافتراضي الرقمي لأن الضرورة تقتضي أن ندخل في ممارسة هذه الحرب فنجند الأفكار والمهارات أو أن تمارس علينا قسرا، وحاشى أن نسمح بدمار الأجيال وخراب الأفكار وضعف الوطن.. أفكارنا للوطن، ومهاراتنا للوطن، وحمايته أمرٌ مقدس وواجب يفرضه الانتماء والوجود، فوجود الفرد بفضل وجود الوطن، وقوة الفرد من قوة وطنه.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!