المؤرخ جـمـال قـنـان وجهوده في خدمة تاريخ الجزائر
هو المجاهد والباحث جمال بن الفضيل قنان؛ ولد سنة (1355هـ/1936م) بمنطقة قنزات ببني يعلى دائرة بوقاعة ولاية سطيف، حفظ ما تيسر من القرآن الكريم بمسقط رأسه، وتلقى تعليمه الأول في منطقة قنزات، وفي منطقة عين تاغرورت في ولاية برج بوعريريج بعد أن انتقلت عائلته إلى المنطقة، وفي عام (1371هـ/1952م) التحق بمعهد عبد الحميد بن باديس في مدينة قسنطينة، فدرس به ثلاث سنوات، ونال شهادة “التحصيل” عام (1374هـ/1955م).
التحق بثورة التحرير الجزائرية المظفرة في السنة نفسها، وفي عام (1377هـ/1958م) أُرسل في بعثة علمية مع مجموعة من المناضلين إلى المشرق العربي لمواصلة دراسته فنال عام (1382 هـ /1963م) شهادة (الإجازة – الليسانس) في التاريخ من جامعة القاهرة بمصر، كما نال شهادة الدكتوراه من جامعة “السوربون” الفرنسية بباريس عام (1390هـ/1970م).
بعد عودته إلى الجزائر، عمل أستاذاً بقسم التاريخ في جامعة الجزائر، وفي عام (1391هـ/1971م)، عُـيّن رئيساً لقسم التاريخ بجامعة الجزائر المركزية، وفي عام (1399هـ/1979م)، عُـيّن مديراً لمعهد العلوم الاجتماعية بجامعة الجزائر، كما تقلّد عدة مسؤوليات إدارية وعلمية وسياسية، من بينها: رئيس المجلس العلمي بالمتحف الوطني للمجاهد في الجزائر العاصمة، وعضو المجلس الاستشاري للمركز الوطني للدراسات والبحث في الحركة الوطنية وثورة أول نوفمبر 1954م، وأمين عام حزب “الحركة من أجل الديمقراطية في الجزائر”؛ وهو حزب سياسي أسّسه الرئيس الجزائري الأسبق والمجاهد أحمد بن بلة.
وقد تُوفي المؤرِّخ والمجاهد الدكتور جمال قنان، يوم 4 محرم 1434هـ، الموافق لـ12 أوت2021م.
كُـلّف المجاهد جمال قنان خلال ثورة التحرير الجزائرية عندما كان في تونس بتوثيق الاتصالات مع قيادات الداخل، ونقل الأسلحة بين الولايات انطلاقاً من القاعدة الشرقية؛ التي يصفها المجاهد محمد معارفية بأنها “تمتد من القالة شمالاً إلى حدود الونزة جنوباً؛ يحدُّها وادي سيبوس، والطرق الرابطة بين مدن المشروحة -لا فردور سابقاً- تيفاش، مداوروش، لكبيرات، عنابة-القالة، عنابة-سوق أهراس، والشريط الساحلي المحاذي للبحر من عنابة إلى القالة… وقد تعاقب على قيادتها قبل أن تسمى (القاعدة الشرقية): باجي مختار، وجبار أعمر، والوردي قتال، وأخيراً عمارة العسكري المدعو: بوقلاز منذ تحولت إلى القاعدة الشرقية”.
ويتحدث الرئيس الجزائري الأسبق الشاذلي بن جديد عن (القاعدة الشرقية)، التي كان يعمل بها، ويُبرز ظروف تأسيسها في مذكراته، يقول: “هكذا ظهرت رسمياً القاعدة الشرقية في نهاية 1956م، لكن قرار لجنة التنفيذ والتنسيق جاء ليكرّس واقعاً موجوداً في الميدان قبل ذلك بأشهر عديدة، وينبغي التأكيد هنا على أن الرهانات الحقيقية التي أحاطت بظروف إنشاء القاعدة الشرقية سببها الأهمية الإستراتيجية لهذه الرقعة الجغرافية؛ فهي معبر حقيقي من الحدود التونسية نحو الداخل، ويتميز بتضاريس وعرة تصلح لإخفاء السلاح، وإقامة مراكز القيادة، وبها غابات كثيفة وجبال شامخة يصعب على العدو دخولها؛ مثل جبال المسيد، وكاف الشهبة، والدير والكرسي، وجبال بني صالح، وأولاد بشيح… ولقد أدركت قيادة الثورة هذه الأهمية وأولتها اهتماماً خاصاً؛ وهو ما يُفسِّر حدة الصراعات التي جرت حول إنشائها؛ كما أدرك الجيش الفرنسي، هو الآخر، أهمِّيتها كقاعدة دعم لولايات الداخل؛ لذلك خطَّط لإنشاء خط موريس، ومن بعده شال لمنع دخول قوافل السلاح والتموين…“.
نشر الباحث والمجاهد الدكتور جمال قنان العديد من المقالات في مختلف الصحف والمجلات الثقافية والأكاديمية المُحكّمة في مختلف أقطار الوطن العربي، ومن أهم مؤلفاته: “من مظاهر تطور أوروبا في القرن الثامن عشر الميلادي”، و”معاهدات الجزائر مع فرنسا (1619-1830م)”، و”نصوص سياسية جزائرية في القرن التاسع عشر الميلادي”، و”نصوص ووثائق في تاريخ الجزائر الحديث(1500-1830م)”، و”قضايا ودراسات في تاريخ الجزائر الحديث والمعاصر”، و”دراسات في المقاومة والاستعمار”، و”المقاومة المغربية ضد الاحتلال الفرنسي من احتلال فاس إلى معركة الهـري 1911-1914م”، و”العلاقات الفرنسية – الجزائرية 1790-1830م”؛ الذي بيّن أهمّ مضامينه من خلال المقدمة التي دبّجها في مستهله، إذ يقول: “إن موضوع العلاقات الفرنسية – الجزائرية يكتسي أهمية خاصة بالنسبة إلى البلدين، ليس فقط من الناحية التاريخية؛ إذ تمتد جذورها الأولى إلى بدايات ظهور الدولة الحديثة في القرن السادس عشر، وخصوصية هذه العلاقات وتميّزها كان منذ هذا الوقت المبكر، وحتى سقوط الدولة الجزائرية الحديثة صباح 5 جويلية 1830م، وتمثل فترة الأربعين سنة التي سبقت الغزو الفرنسي للجزائر (1790-1830م) فصلاً متميزاً في إطار هذه العلاقات، والتي في خلالها تمّ تحويل أسس هذه العلاقات وطبيعتها؛ من حالة صداقة راسخة متجردة من منظور الطرف الجزائري بوجه خاص، إلى حالة عداء ثم عدوان. ولا يُمكن تفسيرُ هذا التحوُّل الذي طرأ على العلاقات الثنائية الفرنسية الجزائرية بمعزل عن مجمل التحوُّلات الكبرى التي كانت تجري على ساحة الجزء الغربي من القارة الأوروبية؛ إن ثورة 1789م في فرنسا لم تكن حدثاً محلياً بعيد الأثر في تاريخ البلاد فقط، وإنما ترددت أصداؤه وبشدة في جميع بقاع القارة الأوروبية، كما كان له رجع الصدى في مناطق العالم الأخرى؛ فأوروبا التي سيكتشفها العالم بعد سنة 1815م لن تكون هي أوروبا التي عرفها قبل عام 1789م… ومن الجانب الجزائري، فالعلاقات مع فرنسا جرت خلال العقد الأخير من القرن الثامن عشر في وضع جد مريح، فالوضع السياسي الداخلي كان مُستقراً وهادئاً، ولم يطرأ أي حدث من شأنه أن يُعكّره… وعلى المستوى الاقتصادي فالوضع كان جيّداً، فالمواسم الزراعية كانت ذات محصول وفير في معظم سنوات هذا العقد، والمبادلات التجارية كانت مُنتعشة، خاصة بالنسبة إلى المواد الأساسية التي اشتدَّ حولها الطلب الأوروبي، من جرَّاء الحرب الدائرة في ربوع هذه القارة؛ فالقلقُ الوحيد بالنسبة إلى الجزائر خلال هذا العقد يتمثَّل في المصاعب التي واجهتها تجارتُها البحرية من جرَّاء نشاط القراصنة الأوروبيين، ومن كل الجنسيات في الحوض الغربي المتوسط…”.
كما قام الباحث الدكتور جمال قنان بجمع وتقديم ديوان الشاعر الجزائري الشهيد الربيع بوشامة، وقد طُبع عام (1431هـ/2010م)، وقد بيّن في المقدمة الأسباب التي دعته إلى جمع شعره في ديوان، وعرّف بالشاعر الشهيد الربيع بوشامة، وكشف النقاب عن مختلف جهوده وأعماله، يقول في مستهل التقديم: “أشعر بالغبطة والارتياح عندما سمحت لي الظروف، ومكنتني من أن أفي ببعض الدين للشهيد الربيع بوشامة، عندما تمكنت من جمع ما تبقى لدى عائلته من شعره وإعداده للنشر؛ ليُوضع بين يدي القارئ الجزائري بصفة خاصة، والقارئ العربي بوجه عامّ، كنموذج لتجربة حياة نضالية مكثَّفة لواحد من ذلك الجيل الذي تحمّل مسؤولية تفجير ثورة نوفمبر، وحمل مشعلها عالياً على طريق التحرير، ومن أجل مستقبل مُزدهر؛ رغم المحن والشدائد والتضحيات الجسام؛ لقد سقط الشاعر الربيع بوشامة شهيداً في خضمِّ المعركة المصيرية قبل أن تقرَّ عيناه بانبلاج فجر الاستقلال، ولكنه كان يُدرك أنه آتٍ لا محالة؛ لأن الشعب قد اهتدى إلى الطريق الصحيح الذي يُوصله إليه، فالشاعر هو من فصيلة أولئك الرجال الذين لا يفضِّلون القول على العمل، ولا يُميزون بين الالتزام العامّ والمسلك الشخصي، فهو قد عاش من أجل قضية واستشهد من أجلها…”.