المواطن المسئول
في أحد أيام شهر أكتوبر 1976، كنت أتجول في ساحة “الطرف الأغر” في لندن، واشتريت حبة موز، والتهمتها بسرعة البرق، ورميت القشرة إلى سلة كانت مثبتة في عمود.. لم تقع القشرة في السلة ووقعت على الأرض..
تجاوزت القشرة ببضعة أمتار، ثم انتبهت لنفسي وكنت مرتديا “قشابية” صوفية، فقلت محدثا نفسي: إن هذه “القشابية” تدل على أصلي وفصلي، وقد أجلب قدحا وشتما لبلدي وقومي، فرجعت إلى الخلف، والتقطت القشرة ووضعتها في السلة، وواصلت سيري..
كانت حافلة مقبلة في الاتجاه المعاكس لسيري، وأحسست أن سائقها قد قلل من سرعتها، ووسوس الشيطان في صدري بأن ذلك السائق رآني لما رميت قشرة الموز، وأنه سيؤنبني.. ويسمعني ما أكره… فرحت أستجمع ما قبح من كلمات “بذيئة” لأرد عليه.. كانت الحافلة الحمراء قد وصلت إلى مستواي، فتوقفت، وأخرج السائق رأسه، وقال لي وهو يرسم ابتسامة لطيفة على شفتيه، وقد تكون تلك الابتسامة “باردة” أي صفراء بتعبيرنا، وقال لي ما معناه: “شكرا لك يا سيد، لقد حافظت على نظافة بريطانيا”.. ثم واصل سيره.
تسمرت رجلاي، ورحت أفكر في هذا الحس المدني الذي يتمتع به رجل بسيط أحس بمسؤوليته نحو بلده، فشكر من رآه يحافظ على نظافته.. وقلت في نفسي إن ما نعجب منه من نظافة ونظام في هذه البلاد سببه هذا المواطن البسيط وأمثاله، قبل المسئول الذي يحرص أشد الحرص على بلده… ثم تذكرت حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي يجعل “إماطة الأذى عن الطريق شعبة من شعب الإيمان”، والحديث الآخر الذي يجعل كل فرد في المجتمع “راعيا”، وكل راع مسئول عن رعيته..
لقد قارنت بين تصرفي في لندن وتصرفي وتصرف مواطنيّ في بلدي، الذي يتسم بكل ما هو شائن.. وعلمت أنه قد حيل بيننا وبين قلوبنا، فلم يعد أي منا يحس بما يعيش في وسطه من أوساخ وقاذورات.. كما قارنت بين ذلك السائق البسيط وتصرفه الكبير، وبين تصرف أكثرنا –سائقين وركابا- في وسائل النقل الخاصة والعامة، حيث نرمي كل شيء من نوافذ تلك الوسائل.. ونصير بدلا من إماطة الأذى عن الطريق متسببين في إحداث الأذى، الذي يشوه منظر مدننا ويلوث محيطنا، ويسبب كثيرا من الأمراض..