“حيواناتٌ بشريّة”: لماذا هذه الصّورة النمطيّة؟
ترسَّخ في ذهن المواطن العربي/ المسلم جيلا بعد جيل، أنّه كلّما ذُكرت كلمة “فلسطين” إلاّ وتمّ ربطها مباشرة بالصهاينة. لكن، يجب أن لا يغيب عن الأذهان أيضا أنّ من مكّن هؤلاء من التوطّن في أرض فلسطين هو مستعمِرُ العالم العربي بالأمس، ولم يكن ذلك قصد استمراريّة الهيمنة عليه كموقع وثروات فقط -كما يحاول البعض تسويقه- بل لم يأْلُ جهدا في العمل على خلخلة مقوّماته الثقافيّة والحضاريّة، وفي مقدّمتها تهوين عقيدته الإسلام، إيمانا منه أنّه المنافس الوحيد لحضارته الماديّة، والخشية من تسرّبه إلى جغرافيّته –والمسألة الشرقية مثال على ذلك- عكس بقية الأمم التي همّها السّوق كحكم.
حين نستدعي التاريخ، نقف في ثناياه على تلك الحملة على الإسلام ازدراءً وتبخيسًا، ووسم معتنقيه بشتّى الأوصاف، حملة انطلقت مع أواخر القرن 18م؛ بدءا بالطّعن في نبوّة الرّسول (ص) والإسلام الذي أوقف تطوّر الإنسانية باتّجاه المسيحيّة من منظور “فولتير” الذي رأى في النبي (ص) نموذجا لـ”التعصّب الديني، والطّغيان الثيوقراطي”: “… إنّني أتصوّر محمّدا (ص) متعصّبا، عنيفا، ومحتالا… وعارا على الجنس البشري، فمن تاجر أصبح نبيّا ومشرِّعا ومَلِكًا… إنّه يجسّد خطر التعصّب”.
وهناك تساوقٌ بين ما يسمّى “مفكّرو عصر الأنوار” ومنظّرو الاستعمار في النّظرة إلى الإسلام، والفارق بينهما، أنّ “فولتير” مثلا أصدر أحكامه عن الإسلام كما خَالَهُ، لكن باندفاع تلك الموجة من الرحّالة الأوروبيّين نحو العالمين العربي والإسلامي قُبَيْلَ وفي خضمّ الحملات الاستعمارية في النصف الأوّل من القرن 19م، راح العديد منهم يطرح مسألة التّعارض المطلق بين الشّرق والغرب، انطلاقا من التّركيز على التّجربة التّاريخية للإسلام، لإظهار بعض السلوكيّات للمسلمين وإلصاقها بالإسلام، واستخلاص أنّه “دينُ خرافات وتخلّف”.
هذا العقلُ الغربي عموما، لم يميّز بين الإسلام الذي يعتبر جزءا من تاريخ كامل عالمي، والإسلام المتطوّر في التّاريخ التّجريبي، بما هو دينٌ وحضارة وسياسة وثقافة؛ فحين كانت أوروبّا تعيش لحظة بربريّة، جاء الإسلام لِيُشغِل العالم ألف سنة كإمبراطورية، ثمّ كحضارة، انضمّ إليها كلّ من وصل إليه الفتح الإسلامي –وليس الغزو كما يقولون- لكنّ الوعي (الإدراك) الاجتماعي الأوروبّي في الرُّبع الأخير من القرن 19م تكوّنت لديه صورةٌ مزدوجة عن الإسلام، تصوِّره كتهديد مُعَادٍ للمصالح الغربية -دولا وأفرادا- يتمثّل في النّزوع إلى الرّابطة أو الوحدة الإسلامية من جهة، وبصفته “تعصّبا للبرابرة” المعادين لـ”رسالة أوروبّا التّحضيرية” الإنسانية/ الكونيّة من ناحيّة أخرى.
إنّ هذه الأيديولوجية الغربية الاستعمارية، لم تكتف بالحطّ من شأن الإسلام من قبيل أنّه دين “السيف” و”الاستبداد” و”تحقير المرأة” و”عار تعدّد الزوجات” فحسب، بل تلك النّظرة التصغيريّة والتبخيسيّة للعربي؛ إذ راحت تُفرِد له صفات “الهمجيّة” و”التقوقع”، مثلما يقول “أ. بوميل”: “… ذلك هو المجتمعُ العربي في جوهره، كما كان قديما، فهو رهين الجمود، غير قادر على الإنتاج الفكري… إنّها صفاتٌ ملازمة له” ويقول “بيسون”: “… إنّ المسلم لم يتطوّر بحكم تمسّكه بالدّين، فبقي في حالة ركود في ملتقى تطوّر كلّ الحضارات، وهي سمة بارزة للحركة الإسلامية التي جمّدت الأعراق التي أخضعتها في همجيّتها البدائيّة، إذ بقيت في حالة جمود وتحجّر غير قابلة للاختراق والتّغيير ولا تتأثّر بالتحوّلات السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة”. أمّا “دي سوكليير” فيقول إنّ “… هذا البربري لا يرى من مُنقذ خارج الدّين الإسلامي، ولا حقّ ولا سعادة خارج قوانينه، ولأنّ المسلم متأكّدٌ من تعاليم دينه، لا يكلّف نفسه أيّ عناء… فهو مشلولٌ من النّاحية الفكرية بفعل خضوع دماغه عبر قرون للأخلاق الإسلامية الرّتيبة… متقوقع في إطار المعلن عنه، المعروف والمحدَّد في الدّين الإسلامي. لذا، فهو عدوٌّ بالضّرورة لكلّ ما هو جديد، لكلّ تغيير وتحديث”. ويضيف “… العربي ليس من لا يملك حضارة، وغير متحضّر، بل ساء تحضّره… بسبب هذه الحضارة التي جاءت من نفح الإسلام العاقر…”. ويقول “ل. برونو”: “…إنّهم متعـصّبون في تديّنهم، ومحرومون من التّفكير المجرّد ومن التأمّل العقلي والذهني… ولا يزال يعيش في المرحلة اللاّهوتية”. وحسب “هاين” فــإنّ: “…الإسلام يدفع العرب إلى الحقد على كلّ من ليس مسلما، وهو مُنغرس فيهم… وهم غير قابلين للتحضّر مهما كان، خاصّة مع حضارتنا”. كذلك يرى “بوفون”: “… أنّ العرب لا يشعرون بأيّ احترام للأخلاق الحميدة، ولم يأخذوا من العلاقات الإنسانية إلاّ تلك المبنيّة على التطرّف والخرافات… إنّ العربي، يمتلكه الغضب بشدّة، وهو قادرٌ على أرخص نفاق وأشدّ انتقام، إنّه يسرق ويكذب وينهب ويقتل”.
المهمّ، أنّ هذه الأمثلة من الطروحات، وهي غيضٌ من فيض، مفادها، إنّ حضارة العربي “سيّئة” مستمَدّة من دينه، وهي سبب استحالة توليفه وتخلّيه عن ثقافته وعاداته وتقاليده وطباعه المتأصّلة فيه.
تأتي هذه الطروحات من منطلق، أنّ ما هو خارج عن إطار الحضارة الغربية، متخلّفٌ بالنتيجة، وهي رؤية عبّر عنها رجل الدّولة والمؤرّخ “غيزو” (1787-1874) حين كتب بشأن طبيعة الحضارة قائلا: “… عند التمعّن في كلمة حضارة، معناها التقدّم والتطوّر… إنّها ارتقاء الحياة المدنيّة، وإنتاج المزيد من وسائل القوّة والرّفاهية… فهي ذات طبيعة ماديّة، وكلّ شعب لا يتمتّع بأسباب القوّة المادية هذه، فهو بالنتيجة خارج عن إطار هذه الحضارة”. لكنّ “رودنسون” علّق على هذه الأحكام بالقول: “…لقد ارتبطت تلك الآراء بالأفكار العامّة الشّائعة في القرن 19م وبداية القرن 20م… أولويّة النّموذج الأوروبّي وتفوّقه، ثمّ وجود نوع من الجوهرانيّة (غير التاريخية) العنصريّة ونوع من المثاليّة الدينيّة في غالب الأحيان”.
ولمّا كانت الصهيونيّة مرتبطة نشأة وواقعا ومصيرا بالغرب الاستعماري الإمبريالي، فلا غرابة إذن أن ينطلق مشروعُها من نفس النّظرة إلى الإسلام والمسلمين، والعرب بشكل خاصّ. ولمّا كان مشروع الصهيونيّة في أساسه فكريّا، عضويّا، دنيويّا، علمانيا، ووضعيّا، فإنّها تعمل على التّمكين لفكرها في العالم العربي، وحتّى يتأتّى لها ذلك يجب أن لا تتركه بدون حروب وقلاقل، وصراعات داخليّة، لأنّ استقراره وإمكاناته المادّية والبشريّة ناهيك عن تاريخه وثقافته سينمو طبيعيّا، وذلك الذي يشكّل خطرا على دولة الكيان.
ذلك ما تشي به كتابات أحد منظّري الصّهيونية “برنارد لويس” (1916-2018م) وهو المؤرّخ اليهودي، الذي يعدُّ المرشد والأب الرّوحي ليس للكيان وحسب، بل وللمحافظين الجُدد في البيت الأبيض، منذ استقراره في أمريكا العام 1974م. والعمل في جامعة برنستون (Princeton) ومستشارا للرئيس الأمريكي “بوش الابن”.
لقد روّج هذا الصهيونيُّ، لإعادة تقسيم الوطن العربي على أساس الدّين والعرق وأنواع الطّائفية والمذهبيّة بأشكالها المختلفة، وهو من أوائل الدّاعين إلى استخدام مصطلح “الشّرق الأوسط” في نهاية خمسينيّات القرن 20م، كي يُفرض الكيانُ كأمر واقع في هذه المنطقة، ويكون بديلا عن مصطلح “الوطن العربي”. هذا الصهيوني، استقى نظرته للعرب والمسلمين من المفاهيم الاستشراقية، ثمّ زاد عليها نظرته العنصريّة، وهو ما تعكسه كُتبه؛ “الإسلام في أزمة” و”الإسلام والعلمانية” و”الخطاب السياسي للإسلام” و”مستقبل الشّرق الأوسط” و”تعدّد الهويّات في الشّرق الأوسط”.. الخ، وفي أغلبها هجومٌ على الإسلام وتشويهه. وعلى سبيل المثال، تحدّث في مقاله “جذور الغضب الإسلامي”، العام 1990م، “أنّ هناك صراعا إسلاميّا/ مسيحيّا مستمرّا منذ نشوء الإسلام حتى يومنا هذا.” وفي كتابه “أين يكمن الخطأ” العام 2002م، يقول: “… إنّ العالم الإسلامي يرفض الحضارة الغربيّة لا بسبب ما تفعله، بل بسبب ماهيّتها، وبسبب المبادئ والقيم التي تمارسها وتنادي بها… وأنّ عداءَ العرب والمسلمين للغرب -لاسيّما أميركا- يعود لسكولوجيتهم، فهم يشعرون بتخلُّفهم، ويطرحون على أنفسهم سؤال: “أين الخطأ؟” وبدلا من إلقاء اللَّوم على أنفسهم فإنّهم يلقونه على الآخرين، فذلك أسهلُ وأرضى للنفس.”
هذا المؤرّخ الصهيوني، يقول أيضا “… إنّ الإسلام نشَأَ ثيوقراطياً، أمّا المسيحيّة فقد نشأت عَلمانيّة، وإنّ الإسلام دينٌ محارِب أو في الحقيقة دين عسكري من بدايته وأتباعه محاربون متعصّبون منهمكون في نشر دينهم وشريعتهم بالقوّة المسلّحة”. وفي موضع آخر، يضيف: “…إنّ الإسلام منذ ظهوره في القرن 7م، وحتَّى القرن 15م، كان صاحب حضارة، وإنّ الغرب المسيحي أخذ منها مقوّماته الحضاريّة، لكنّ جذوتها انطفأت… وتأخّر المسلمين يعود لأسبابٍ دينيّة وثقافية، وهم في حالة عداء وصراع أبدي مع العالم المسيحي بسبب الطبيعة المختلفة للديانتين”.
من جهة أخرى، تبنّى برنارد لويس النّظرة الأحادية إلى العالم، وشكّك في قدرة البلدان الإسلامية على الاستقلال الذّاتي والتحرّر من التبعيّة للغرب الذي كان له الأسبقيَّة في كافَّة الميادين، وزعَم أنّ مكمن الخلل هو الدين الإسلامي. المهمّ، أنّه ينتقي من تاريخ المسلمين وواقعهم صورا توافق النظرة الازدرائية التي يحملها الغرب عن الإسلام وعن نبيّه محمّد (ص).
وإذا كان الغرب تميّز بالنظرة الاستعلائية تجاه المسلمين، فإنّ برنارد لويس، إضافة إلى ذلك، تميّز بالنّزعة العنصريّة أيضا التي استحالها الكيانُ إلى ممارسة في الواقع؛ فمثلا بعد أن وسم المقاومين الفلسطينيين بـ”الإرهاب”، أضاف: “… إنّهم امتدادٌ تاريخيّ وفكريّ لفرقة الحشّاشين النزارية الدّمويّة (لقّبوا بهذا الاسم لأنّهم كانوا يختفون وسط الحشائش لاغتيال معارضيهم، وقيل لشربهم الحشيش قُبيل عمليات الاغتيال) الذين ينبغي أن يلعنهم الإنسان ويتفاداهم، إنّهم يبيعون أنفسهم، ويتعطّشون للدّماء البشرية، ويقتلون الأبرياء مقابل أجر، ولا يلقون اعتبارا للحياة أو النّجاة، وهم يغيّرون منظرهم كالشّياطين التي تتحوّل إلى ملائكة من النّور فهم يتّبعون الأسلوبَ والتكتيكات ذاتها”. لكن مؤرّخنا “الكبير” يتجاوز كلمة: لماذا؟ وهي من أسس تفسير الحدث التاريخي إلى جانب: أين؟ متى؟ كيف؟
إنّ مؤرّخنا -الذي تحوّل إلى شيخ الاستشراق المعاصر- لا يريد من التاريخ، إلّا ما يمكن توظيفه في السياسة المعاصرة، بهدف إبقاء الصّراع قائمًا بين الغرب والعالم الإسلامي لحماية الكيان، إذ يلوي الحقائق ويلوّن التاريخ ويُسقط أحداثا، حتى يخرج الكيان الصهيوني في نظر القارئ بريئا من أيّ خطأ، ولم يرتكب أيّ جرم بحقّ الفلسطينيّين والعرب؛ وهو يغضّ الطّرف عن المجازر التي ارتكبتها العصابات الصهيونية في الفترة بين 1937-1948، التي زادت عن 75 مجزرة، وراح ضحيّتها أكثر من 5 آلاف شهيد فلسطيني -لأنّها ليست كالمقاومين الفلسطينيّين الحشّاشين؟- ولم ينبُس ببنت شفة عن مجازر بريطانيا في ظلّ انتدابها على فلسطين، ولا بما قام به البلد الذي استمدّ منه “الأنوار” من جرائم في الجزائر، مثل مذبحة قبيلة العوفية (الحراش) العام 1832م بقيادة “دو روفيغو” وراح ضحيّتها 1200 شهيد، ومحرقة قبيلة أولاد رياح (مستغانم) العام 1844م بقيادة “كافينياك” وراح ضحيتها 760 شهيدا، وربّما اعتبر مؤرّخنا “الموسوعي” -الذي لا تخفى عنه خافية من “تاريخ العرب”- ذلك عملا مشروعا من أجل تحضير المسلم/ المتوحّش، مثلما برّر الماريشال “سولت” وزير حربية “بلد الأنوار” تلك الجرائم، أمام البرلمان بالقول: “… لقد وجد العقيد بليسيي، أحد أكثر ضبّاط الجيش الإفريقي تكريما -والذي أشيد به دائما- نفسَه في أكثر المواقف إيلاما وإحراجا؛ لقد اضطرّ لإخضاع المتمرّدين الذين اغتالوا جنودنا قبل أيام قليلة… أعترفُ أنّني لو كنت في مكانه ربّما فعلتُ شيئا شديد القسوة… في أوروبا، ستكون هذه الحقيقة مروِّعة، أمّا في الجزائر فتجد تفسيرها”.
إنّ مؤرّخنا -الذي تحوّل إلى شيخ الاستشراق المعاصر- لا يريد من التاريخ، إلّا ما يمكن توظيفه في السياسة المعاصرة، بهدف إبقاء الصّراع قائمًا بين الغرب والعالم الإسلامي لحماية الكيان، إذ يلوي الحقائق ويلوّن التاريخ ويُسقط أحداثا، حتى يخرج الكيان الصهيوني في نظر القارئ بريئا من أيّ خطأ، ولم يرتكب أيّ جرم بحقّ الفلسطينيّين والعرب؛ وهو يغضّ الطّرف عن المجازر التي ارتكبتها العصابات الصهيونية في الفترة بين 1937-1948، التي زادت عن 75 مجزرة، وراح ضحيّتها أكثر من 5 آلاف شهيد فلسطيني.
أخيرا، ماذا يمكن أن ننتظر من أمريكا البلد الذي تأسّس من المهمّشين في أوروبا، وصاحبة ثقافة رعويّة في الأصل؟ وماذا ننتظر من أذنابها شُذّاذ الآفاق من الأوروبّيين والصّهاينة؟ أليست شريعة هؤلاء كتاب “الأمير” لـ”ميكيافيلي” منذ مطلع القرن 16م ومدحه “صاحب العقد الاجتماعي” و“فيخته” وشهد له “هيغل” بالعبقرية، عبقريّة “الغاية تبرّر الوسيلة” و”حبّي لنفسي قبل حبّي لبلادي”. ثمّ، كتاب “شريعة الملك” للحاخام “إسحاق شابيرا” الصّادر في 2009م -تتمّة لشريعة “ميكيافيلي- واعتُبر إبداعا فقهيّا، لأنّه يسوغّ قتل العرب لمجرّد أنهّم عرب، وعدم التّفريق بين رضيع وطفل وبالغ، بحجّة أنّهم عندما يكبرون سيحاربون دولة الكيان، أي على خُطى “الغاية تبرّر الوسيلة”.
وخليقٌ بنا في هذا السياق، التذكير بوصيّة أبي بكر الصديق (ض) -لا بغرض المقارنة بين الدّيانتين، لأنّ هناك المئات من الدّراسات في هذا الشّأن- وإنّما لكشف مزاعم ادّعاء “الموضوعيّة” والمناهج “العلمية” فيما يدرسون، وعن ما يكتبون. وفحوى الوصية بالحرف هي: “أيها الناس، أوصيكم بعشر فاحفظوها عنّي: لا تخونوا، ولا تغلّوا، ولا تغدروا، ولا تمثِّلوا، ولا تقتلوا طفلا صغيرًا، ولا شيخا كبيرا ولا امرأة، ولا تعقروا نخلا ولا تحرقوه ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرًا إلا لمأكلة”. هذه الوصايا العشر، هي بالضّبط التي سار على هديها جيشُ الاحتلال في الجزائر، لكن مع حذف لا النّاهية، لتُصبِح في صيغة أمر. وللتأكّد من ذلك، يمكن العودة إلى الرّسائل الشخصية لـ”روفيغو” و”لامورسيير”و”بيجو” و”دي مونتانياك” و”سانت أرنو” و”شنغارنيي” و”بيليسيي”…الخ، كي يقف القارئ على ما اقترفه هؤلاء من جرائم باسم المسيحية وتحت لوائها، وكم كانوا يفخرون بفعلهم الشّنيع، معتبرين ذلك من صميم الدّفاع عن مجد فرنسا وشرفها. ومع ذلك، فإنّ ما يُسمّى الكتّاب “المتنوّرون” و”العقلانيّون” سكتوا عن تلك الفظائع، أو تواطئوا مع فاعليها أو برّروها بمن فيهم ذوي الحسّ “الرهيف” أمثال “لامارتين” و”فيكتور هيغو”.. الخ.
ربّما اعتبر مؤرّخنا “الموسوعي” -الذي لا تخفى عنه خافية من “تاريخ العرب”- ذلك عملا مشروعا من أجل تحضير المسلم/ المتوحّش، مثلما برّر الماريشال “سولت” وزير حربية “بلد الأنوار” تلك الجرائم، أمام البرلمان بالقول: “… لقد وجد العقيد بليسيي، أحد أكثر ضبّاط الجيش الإفريقي تكريما -والذي أشيد به دائما- نفسَه في أكثر المواقف إيلاما وإحراجا؛ لقد اضطرّ لإخضاع المتمرّدين الذين اغتالوا جنودنا قبل أيام قليلة… أعترفُ أنّني لو كنت في مكانه ربّما فعلتُ شيئا شديد القسوة… في أوروبا، ستكون هذه الحقيقة مروِّعة، أمّا في الجزائر فتجد تفسيرها”.
إنّ المؤرّخ بيرنارد لويس “الموسوعي”” يغضّ الطّرف عن القتلة والسّفاحين الصهاينة، أمثال “م. بيغن” بطل مذبحة دير ياسين، و”آرييل شارون” و”اسحاق شامير” و”شمعون بيريز” بطل مذبحة قانا بجنوب لبنان، و”موشي دايان” صاحب مجزرة الّلد، و”دان حَلُوتس” قائد سلاح الطّيران وصاحب لقب قاتل الأطفال..الخ. وهنا لم أعثر على تفسير لمواقفه سوى انتمائه إلى مدرسة نظرائه السّابقين من دُعاة “التحضّر والأنوار” في العداء والهجوم على كلّ ما هو عربيّ ومسلم، وهي أيديولوجيا اتّسمت بانعدام الإنسانية، والانحطاط الأخلاقيّ والقيميّ والدينيّ والنزعة الساديّة. وبالتالي، من هم الأجدر بتسميّة الحيوانات البشرية؟ لكنّهم قوم لا تستحون.