خطوات ثابتة تعزز مكانة “سلطنة عُمان” في البيئة الدولية
احتفلت سلطنة عُمان، السبت، بالعيد الوطني الـ 53 المجيد، وتأتي هذه الذكرى العزيزة على قلوبنا لـ “النهضة المُتجددة” في ظروف إقليمية عصيبة، يتقدمها العدوان الإسرائيلي على غزة، والوضع الخطير الذي وصلت إليه القضية الفلسطينية.
لقد أخذت بلادنا ضمن مبادئ سياستها الخارجية مبدأ أساسيا، بكونها جزءا لا يتجزّأ من هذا العالم “المترابط” وتتشارك المصالح والمصير مع شعوبه، وقناعتها ثابتة بموقعها الدائم كطرف فاعل في المجتمع الدولي، لذلك لم تدخر أي جهد لتقريب وجهات النظر وتقوية العلاقات البينية بين الدول الشقيقة والصديقة لتعزيز السعي الدؤوب لإحلال الأمن والاستقرار في المنطقة.
وفي هذه الظروف شديدة التعقيد، أكّد عاهل البلاد المفدّى، حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق- حفظه الله ورعاه -منذ بداية الأحداث الجارية في غزة، على تضامن سلطنة عُمان مع الشعب الفلسطيني الشقيق ودعم كل الجهود الداعية لوقف التصعيد والهجمات على الأطفال والمدنيين الأبرياء وإطلاق سراح السجناء وفقًا لمبادئ القانون الإنساني الدولي، مؤكدا في كل مرة على ضرورة اضطلاع المجتمع الدولي بمسؤولياته لحماية المدنيين وضمان احتياجاتهم الإنسانية ورفع الحصار غير المشروع عن غزة وباقي الأراضي الفلسطينية، واستئناف عملية السلام لتمكين الشعب الفلسطيني من استعادة كافة حقوقه المشروعة بإقامة دولته المستقلة على حدود عام 1967م وعاصمتها القدس الشرقية وفق مبدأ حلّ الدولتين ومبادرة السلام العربية وجميع القرارات الأممية ذات الصلة.
إن مسألة السلم والأمن في المنطقة تُعد ضمن الأولويات الأساسية في تصورات سلطنة عُمان، لذلك سخرت كل جهودها للإسهام في حلحلة عدد من القضايا الإقليمية والدولية المعاصرة، مثل الأزمة اليمنية بالتنسيق والتعاون مع المملكة العربية السعودية الشقيقة والأطراف اليمنية، بفضل بذل جهود بنّاءة للوصول إلى حل شامل ودائم يلبّي تطلعات أبناء الشعب اليمني الشقيق كافة، واستجابتها على الصعيد الإنساني للمساعي التي تمت مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية ومملكة بلجيكا لتسهيل عملية استلام مواطنيْن نمساوييْن اثنيْن ومواطن دنماركي ونقلهم من طهران إلى مسقط ثم إلى بلدانهم، بالإضافة إلى تعاونها مع دولة قطر الشقيقة في الإفراج المتبادل عن الرعايا الإيرانيين والأمريكيين.
رغم انفتاح وجاهزية بلادنا للمشاركة في حل التعقيدات بصفتها شريكاً دوليا موثوقا، وتقريب وجهات النظر في أوقات الأزمات، إلا أنها حريصة بشكل دائم على تقوية العلاقات الثنائية والتواجد الدائم في البيئة الدولية والإقليمية، وفي هذا الإطار، أجرى حضرة صاحب الجلالة العديد من المباحثات خلال العام الحالي، مع عدد من أصحاب الجلالة والفخامة والسُّمو قادة الدول الشقيقة والصديقة، منهم رؤساء أمريكا وروسيا وسوريا عبر الزيارات المتبادلة أو الاتصالات الهاتفية، بالإضافة إلى قيام جلالتِه بزيارة عدد من الدول مثل دولة الإمارات العربية المتحدة وجمهورية مصر العربية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، لتعزيز مجالات التّعاون الثّنائي وتبادل وجهات النّظر حول عدد من القضايا الإقليميّة والدوليّة ذات الاهتمام المشترك.
إن أساس تقدم السياسة الخارجية لسلطنة عُمان، هو الاحترام المتبادل والمصالح والمنافع المشتركة وعدم التدخّل في الشؤون الداخلية للدول واحترام المواثيق والقوانين الدولية وإعلاء مبادئ السّلام والإنسانيّة والحوار والتسامح وغيرها من الثوابت السياسية لسلطنة عُمان المبنية على مبادئِ حُسنِ الجِوار، وعدمِ التدخلِ في الشؤونِ الداخليةِ للآخرين، وعلى إرساءِ نظامٍ عادلٍ لتبادلِ المنافعِ والمصالح، وعلى إقامةِ أسسِ الاستقرارِ والسلامِ والإسهامِ فيها بإيجابية، جعلها محط ثقة وتقديرِ الوحدات والمنظمات الدولية للقيام بأدوار فاعلة وتحقيق الأمن والسِّلم والاستقرار في عدد من القضايا على المستويين الإقليمي والدولي، وأن نهج السلام والتعاون هو السبيل الأوحد والنموذج المثالي الأسلم للمنطقة والعالم.
وخلال استضافتها، هذا العام، الاجتماعات الخليجية لمختلف الوزارات والهيئات واللجان المشتركة، ضمن ترؤسها حاليًّا للدورة الـ 43 للمجلس الأعلى لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، تنظر سلطنة عُمان إلى أن ما حققه المجلس من إنجازات في مختلف المجالات كان بفضل نجاح المساعي الخيرة وتوحيد الصف، وجمع الشمل، والترابط والتآخي بين دول المنطقة التي يجمعها التاريخ المشترك، والمصير الواحد، وحرص المجلس على مدّ جسور الصداقة مع الدول الصديقة وكل الهيئات والمنظمات الإقليمية والدولية؛ دعمًا للتعاون المشترك في المجالات السياسية والاقتصادية والتجارية.
وتعزيزاً لمكانتها الدولية، تواصل سلطنة عُمان في تنفيذ الخطط الاقتصادية والبرامج المالية والاستثمارية التي تجعل منها أيضا شريكاً اقتصاديا موثوقا، مسترشدة بمحاور وأولويات رؤية عُمان 2040، التي أسهمت نتائجها في تعزيز نمو الناتج المحلي الإجمالي ورفع المؤشرات المالية والاقتصادية وتحسن التصنيف الائتماني وتحقيق بعض الفوائض المالية التي وُجهت للأولويات الاقتصادية والاجتماعية.
تركز سلطنة عُمان على جلب الاستثمارات لمشروعاتٍ في مختلف المجالات من بينها الطاقة المتجدّدة والهيدروجين الأخضر وخُصصت لها أراضٍ، وأُبرمت اتفاقيتان في يونيو الماضي بقيمة استثمارية تقارب الـ 10 مليارات دولار أمريكي، لتطوير مشروعين جديدين لإنتاج الهيدروجين الأخضر، تماشيًا مع توجّهات سلطنة عُمان لتحقيق أهداف الحياد الصّفري الكربوني بحلول عام 2050م والتسهيلات المقدّمة للمستثمرين والمناخ الاستثماري لسلطنة عُمان.
كما سيعمل صندوق عُمان المستقبل الذي جاء إطلاقه بتوجيه سامٍ في مايو الماضي برأس مال يبلغ ملياري ريال عُماني على استهداف قطاعات السياحة والصناعات، والصناعات التحويلية، واللوجستيات، والغذاء، والثروة السمكية، والتعدين، والاتصالات وتقنية المعلومات، والخدمات والموانئ، لتعزيز النشاط الاقتصادي وتشجيع القطاع الخاص على الدخول في شراكات أو تمويل مشروعات الاستثمار المجدية في هذه القطاعات التي تستهدفها رؤية عُمان 2040.
وتسعى سلطنة عُمان إلى للاستفادة من موقعها الجغرافي عبر المناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة والاستفادة من ممرات النقل البحري لربط الأسواق في دول الخليج العربي وأوروبا وآسيا وأفريقيا، وعزّزت هذا الجانب بإنشاء مدينة اقتصادية في محافظة جنوب الباطنة هذا العام تسمى مدينة خزائن الاقتصادية وإنشاء منطقتين حُرّتين فيها، وتمكنت من استقطاب الاستثمارات المحلية والأجنبية بلغت قيمتها 300 مليون ريال عُماني لتنضم إلى المنطقة الحرة بصحار والمناطق الصناعية (مدائن) والمنطقة الاقتصادية الخاصةبـ “الدقم” والمنطقة الحرة بصلالة والمنطقة الحرة بالمزيونة تدعمها تشريعات وقوانين ونُظم مشجعة للاستثمار وضرائب منخفّضة وقوى عاملة مؤهّلة وبنية أساسية متطورة واستقرار سياسي واقتصادي متين.
إن هذا الحراك الاقتصاديّ لسلطنة عُمان وما تبعه من نتائج إيجابية تجاه تحسين المؤشرات المالية والاقتصادية وخفض المديونية العامة للدولة جعل مؤسسات التصنيف الائتماني ترفع وتعدّل نظرتها الائتمانية لسلطنة عُمان، حيث رفعت وكالة ستاندرد آند بورز التصنيف الائتماني لسلطنة عُمان إلى “BB+” مع نظرة مستقبلية مستقرة، ورفعت وكالة فيتش التصنيف الائتماني لسلطنة عُمان إلى “BB+” مع نظرة مستقبلية مستقرة في سبتمبر الماضي، ورفعت وكالة “موديز” التصنيف الائتماني لسلطنة عُمان إلى مستوى “Ba2” مع الإبقاء على النظرة المستقبلية الإيجابية.
لقد أحرزت سلطنة عُمان تقدّما في عدة مؤشرات عالمية، عززت مكانتها الاقتصادية، من بينها حصولها على المرتبة الـ56 عالميًّا والخامسة عربيًّا في تقرير الأداء الصناعي التنافسي للعام الجاري، الصادر من منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (اليونيدو) بالإضافة إلى تقدّمها 10 مراتب في مؤشر الابتكار العالمي لعام 2023 لتحصد المرتبة الـ 69 عالميًّا من بين 132 دولة.