-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

عبد الملك مرتاض: أحد كبار علماء اللِّسانيّات في الوطن العربي

بقلم: د. محمد سيف الإسلام بوفلاقة
  • 428
  • 0
عبد الملك مرتاض: أحد كبار علماء اللِّسانيّات في الوطن العربي

أُصيبت الجامعة الجزائرية والوسط الأكاديمي برُزء فادح بوفاة العلاّمة والأديب والناقد عبد الملك مرتاض – رحمه الله – يوم:03 نوفمبر 2023 م؛ الذي قدم خدمات جليلة للعلم والمعرفة في الجزائر منذ سنوات الاستقلال الأولى، وبرحيله خسرت اللُّغة العربية والجامعة الجزائرية أحد فرسانها الأفذاذ، وأحد كبار العلماء الأجلاء الذين قدموا خدمات جليلة للغتنا العربيّة؛ فالعلاّمة عبد الملك مرتاض يعد قامة سامقة من قامات العلم والمعرفة، وأحد كبار علماء اللِّسانيات في المغرب العربي الشوامخ الذين عشقوا اللُّغة العربيّة، وأفنوا حياتهم في خدمتها ودراستها وسبر أغوارها؛ فقد كان الراحل صاحب ثقافة موسوعية، ترك بصمات راسخة في شتى الميادين العلميّة، وخلف عدداً من الآثار العلميّة الثمينة، وتخرج عليه خلق كثير من الطلاب في اللُّغة العربيّة وآدابها، وقد نال عدّة شهادات تقديريّة وفخريّة، كما كرّمته هيئات علميّة وثقافيّة جملة مرّات، ولا ريب في أن جهود العلاّمة عبد الملك مرتاض تستحق الإشادة والتنويه؛ اعترافاً بمكانته وتقديراً لخدماته الجليلة في حقول اللّسانيات واللُّغة والأدب، والثقافة الشعبية، لقد جمع الأديب والناقد عبد الملك مرتاض عدة صفات جعلته يتبوأ مكانة مرموقة ومتميزة في عالم الأدب، والثقافة، واللغة، حيث إنه كان أحد صناع الثقافة الجزائرية، ومن أعيان المثقفين العرب في القرن العشرين، وأحد مؤسسي الحركة الأدبية الجزائرية المعاصرة بكفاءة، وجهد، ومثابرة، وصدق، ساهم مساهمة فعالة في خدمة التراث العربي، وقد تناوله الباحثون في مقالاتهم، ورسائلهم الجامعية على أنه أديب، ولغوي، وروائي وناقد.
كان للدكتور عبد الملك مرتاض رحمه الله تعالى نشاط علمي دؤوب بلور ما كان يشغل فكره، وهواجسه من اهتمامات معرفية، وقضايا فكرية متنوعة، كان للتراث اللغوي بعامة، والأدبي بخاصة حظه الملحوظ منها، إنه واحد من الوجوه العلمية، والشخصيات الأدبية التي تفتخر بها الأمة العربية، ويعتز بها الوسط الثقافي الجزائري، فهو العلاّمة الجليل الذي فرض نفسه بعمله الجاد، وإنتاجه المتميز، لقد أغنى المكتبة الجزائرية والعربية بمؤلفاته العلمية الرصينة، وأعماله الأدبية الشائقة، وبحوثه التي تناولت كثيراً من حقول اللسانيات الثقافة، والمعرفة، فقد كان غزير الإنتاج تسنده حماسة متقدة، ظهرت في أعماله الأدبية، ودراساته التراثية الرصينة، كما تجلت في المهمات الثقافية، والتربوية التي قام بها في غير موقع، حيث اكتسب محبة الآخرين، وتقديرهم، بنظرته المتفحصة والعميقة للواقع الثقافي، وبروحه الحيوية والمرحة، التي تفاعلت مع الحياة، وتفهمت المجتمع، وتفاعلت معه، وجسدت آماله وآلامه في أعمال إبداعية رقيقة، ومؤثرة، كما تعمقت في فهم التراث اللغوي العربي، حيث قام العلاّمة والأديب مرتاض بجهود جبارة بإيمان منقطع النظير، وبعزم لا يلين، فمن عرفه يُدرك بأنه قد جمع مجموعة من الصفات النبيلة، قد نلفيها متفرقة بين أفراد عديدين، ولكن يصعب أن تتوفر في شخص واحد، حيث جمع بين القناعة، والصبر، مع الطموح الكبير، والآمال الواسعة، والتشاؤم من الواقع المرير، مع الأمل في المستقبل، فقد كان يرى أن الواقع المؤلم لا يمكن مجابهته، والتغلب على إحباطاته إلا بالعمل، والإنتاج، والصبر.
تميّز الدكتور عبد الملك مرتاض بالتواضع الجم والأخلاق العالية، وباعترافه بجهود أساتذته وشيوخه الذين درسوه، وأفاد منهم، حيث إنه كثيراً ما يذكرهم، ويعترف بفضلهم، وهم:
• والدُه الفقيه الشيخ الحاج عبد القادر بن أحمد بن أبي طالب الذي حفّظه القرآن وعلّمه مبادئ العربيّة (دارَسَ معه الآجرّوميّة) والفقه المالكيّ (درّس له المرشد المعين في الضروريّ من علوم الدين، لعبد الواحد بن عاشر)؛
• الأستاذ الأديب الكاتب الشاعر أحمد بن ذياب (من الجزائر) ( معهد ابن باديس بقسنطينة)؛
• الدكتور نجيب محمد البهبيتي (من مصر) (جامعة الرباط)؛
• الأستاذ العلاّمة محمّد الفاسي (من المغرب) (جامعة الرّباط)؛
• الدكتور جعفر الكتّاني (من المغرب) (جامعة الرباط)؛
• الدّكتور عبد الرّحمن الحاج صالح (من الجزائر) (جامعة الرّباط)؛
• الدكتور إحسان النص من سوريا (جامعة الجزائر)؛
• الأستاذ أندري ميكائيل (الكوليج دوفرانس، باريس).
• إن العلاّمة الدكتور عبد الملك مرتاض-رحمه الله- هو رجل نبيل، وإنسان مناضل ومكافح منذ شبابه، فقد هاجر إلى فرنسا سنة 1953 من أجل الكدْح في الديار الفرنسيّة، فاشتغل بشماليّ فرنسا في أفران معامل «أُوبي» (Usines d’AUBY – lez DOUAI) بالشّمال الفرنسيّ؛ كيما يستطيعَ جمْعَ شيء من المال للتّمكّن من الاِلتحاق بمؤسّسة معهد ابن باديس بقسنطينة، فظلّ يكدح هناك خمسة عشر شهراً، تحت أفران النار، وبالليل والنهار.
• التحق سنة 1954، بعد عودته من فرنسا، بمعهد ابن باديس بقسنطينة؛ ولكنه لم يدرُس به إلا خمسةَ أشهر؛ وذلك بعد أن قرّرت السّلطات الاِستعباديّة الفرنسيّة تغليقَه إلى الأبد؛ فتقطّعت الأسبابُ بطلاّبه وأساتذته فتفرّقوا جِذَعَ مِذَعَ.
• التحق في خريف سنة 1955 بجامع القرويين بفاس، لمتابعة دراسته، ولكنه لم يختلف إلى حلقات القرويين التي كانت تنتظم في حَرَم الجامع على الحصُر، إلاّ بضعةَ أسابيعَ اُضطُرَّ على إِثْرِها إلى دخول مستشفى «دار الدّبيبغ» للتداوي من مرَض السّلّ الذي ألَمّ عليه فكاد يودي بحياته.
ومما لا يشوبه شك في أن النجاح الذي حققه الدكتور عبد الملك مرتاض في ميدان البحث العلمي والتأليف، لم يأت هكذا اعتباطاً، فالرجل قضى كل حياته متنسكاً في محراب العلم، والمعرفة، ولعب دوراً حاسماً في تألق الأدب والفكر الجزائري، وازدهار المعرفة الأدبية، ويتميز الدكتور مرتاض بالموسوعية في الإنتاج، والنأي عن التخصص الدقيق في مجال دون آخر، من مجالات العلم، والثقافة، ولذلك فهو يشكل امتداداً لجيل من الرواد الكبار من بُناة النهضة الفكرية والأدبية والثقافية في الوطن العربي، ملأ الدنيا، وشغل الناس بعلمه الجم، وخلقه الكريم، وفضله على طلابه في مشارق الأرض، ومغاربها.
نلاحظ أن فعالية الناقد الدكتور عبد الملك مرتاض تتركز على محاور متعددة، وهذا ما يدل على مدى عمق وثراء ثقافته ومعرفته، وتنظيراته النقدية، والمتابع لأعمال وجهود العلاّمة الدكتور عبد الملك مرتاض منذ صدور كتابه: «القصة في الأدب العربي القديم»، بالجزائر سنة: 1968م، يُلاحظ أنه يُركز على قضايا مهمة جدا، إنه واحد من الأساتذة الباحثين الجادّين الغُير على الأدب الجزائري، والثقافة العربية، وقد عرف الدكتور عبد الملك مرتاض على مدى أكثر من نصف قرن بصفته مؤلفاً مقتدراً، وباحثاً غزير الإنتاج، ومحاضراً جامعياً، وكل من خامر هذا العلاّمة الجليل، يلمس فيه التطلّع المثالي إلى المعرفة، والعمل الدؤوب لنيلها، ورغبته الشديدة في إفادة القارئ بثمار ما جنى من مطالعاته، وقراءاته المكثفة.
وقد شكلت قضايا الأدب الجزائري القديم والحديث مادة خصبة وحيوية، للنهوض بالعديد من الأعمال المتميّزة خدمة للثقافة الجزائرية، ونذكر من بين كتبه التي تنضوي تحت هذا اللواء: «الأدب الجزائري القديم – دراسة في الجذور-»، فهو ثمرة جهود جديرة بكلّ تقدير، درس فيه بمنهجية علمية لافتة للنظر، قضايا تكتسي أهمية بالغة، تتصل بالأدب الجزائري القديم، وحلل فيه بعض النصوص الأدبية التي تعد درراً تراثية ثمينة، وقد ساعد الناقد الدكتور عبد الملك مرتاض على إنجاز هذه الدراسة شغفه، وانكبابه على قراءة، ومطالعة التراث الجزائري القديم، مستقصياً الأخبار، والنصوص الأدبية القديمة، حيث أفاد أيما إفادة من قراءاته المتنوعة عن تاريخ الأدب الجزائري القديم، وتناول الموضوع من وجوه عديدة، ومن ميزة الباحث الجاد عبد الملك مرتاض أنه لا يترك عنصراً من عناصر الموضوع، إلا بعد أن يوفيه حقّه من الدراسة، وقد استعان بمصادر، ومراجع كثيرة، ومتنوعة في الصنف، والمادة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!