عرب يبحثون عن هوية
من النتائج الفورية للسيطرة السريعة التي قامت بها دول المتروبول على الحراك الأجتماعي العربي الذي بدأ في تونس عام1911 وتسليمه للأحزاب الدينية باعتبارها الأحزاب الأكثر قدرة على تضليل الشارع عبر خطابها الديني والتي عملت جديا ضد فكرة دولة الوحدة القومية العربية لصالح فكرة دولة التجزئة القطرية التي أنتجتها اتفاقية سايكس بيكو؛ وضع الأسس لقيام دول طائفية عرقيا وإثنيا. وهذه الطوائف العرقية والدينية كانت موجودة في العالم العربي منذ آلاف السنين، وكانت لها صراعاتها وحروبها. وهي كلها في الواقع أقوام عروبية قبل ظهور العروبة الصريحة، وتنتمي إلى الجزيرة والشام والعراق ووادي النيل وشمال إفريقيا. وحين توحدت في الهوية العربية الإسلامية أنتجت أروع حضارة عرفها الإنسان خلال الثلاثين قرنا الماضية.
وهانحن نرى، خاصة منذ2011، أعلاما ترفع وسيوفا تشهر في المشرق والمغرب، تطا لب بدول وحكومات بل إن بعضها قا م صريحا على أرض الواقع، كما في جنوب السودان وشمال العراق.
لكن السؤال: ما هو مستقبل هذه الدول؟ هل ستتمكن دولة شيعية من العيش دون السنة أو أشورية دون الكلدان أو إباضية دون مالكية أو بربرية دون العرب أو قبطية دون نوبية؟
ويعتقد البعض أن ذلك ممكن لأن كل دولة ستسيطر على بئر نفط.
والنفط وهم لا يعول عليه في أقامة دول حديثة لأن:
أ- النفط ثروة ناضبة لا تتجدد والدول الكبرى نجحت في استكشاف بدائل له أنظف وأقل كلفة وأطول عمرا فهي لم تعد بحاجة إليه لمستقبلها.
ب- ليس في الوطن العربي مشرقه ومغربه أي ثروة طبيعية أخرى يمكن الاعتماد عليها – باستثناء الجزائر نسبيا- وأما الثروة الزراعية فقد حطمها النظام القطري تحطيما واسعا فقضى على اقتصاد الخيمة واقتصاد الكوخ ولم ينجح في إقامة اقتصاد القرية. وهو بعيد جدا عن اقتصاد المدينة بل إنه قضى على المنتجات التي كانت تجعل العربي على قيد الحياة المتمثلة في التمر والحليب والزيتون والخبز. فلن تجد دولة تامنراست أو دولة اللاذقية ما تطعم به ناسها دون استعانة بجيرانها وهي استعانة غير واردة في المدى المنظور بين دول أوغلت في جز رقاب بعضها بعضا.
ج- ستضطر هذه الدول المجهرية إلى اللجوء إلى دول المتروبول لمساعدتها على البقاء، وما دام ليس لدى هذه الدول أي ثروة تقدمها لماكينة المتروبول، فسيطلب منها تقديم ثمن باهظ مقابل تلك المساعدات، أقله فتح أراضيها للنفايات النووية مثلا أو لتجارب ضارة بالبيئة والبشر وتقديم أناسها للمختبرات العلمية وتجارب الأسلحة الفتاكة أو في الحروب التي يمكن أن تخوضها دول المتروبول ضد بعضها البعض كما حدث في الحربين العالميتين خلال القرن العشرين.
وهكذا يمكن القول إن الهوية العربية التي تستمر رغم كل الصعاب منذ أربعة آلاف سنة، فإن هذه الهويات الطائفية التي يطالب بها هؤلاء بديلا عن الهوية العربية الجامعة دون أن يكون لديها ما تقدمه للعالم، سواء اقتصاديا أم ثقافيا، هي هويات لا تملك مقومات الاستمرار.. بل ستدخل في حروب ضد بعضها البعض حد الإفناء المتبادل كما كان حالها قبل أربعة آلاف سنة. وإن حاولت بعد آلاف السنين إعادة تجربة التوحد فلن تجد هوية من جنسها تتوحد فيها كما كان الأمر مع العربية. كما لن تجد دينا يوحدها، وسيكون حالها أسوأ من حال القبائل الهندية في أمريكا والقبائل الأ سترالية التي ينظر إليها كمتحف حي للإنسان القديم. فبعد أن خسرت الهوية والجغرافية هاهي خارج التاريخ. وهاهو ما سمي بالربيع العربي يضع شعوبه على طريق البحث عن هوية غير موجودة في انتظار الذي الآتي بعد أن تخلوا عن هويتهم التي وحدتهم آلاف السنين وصنعوا واحدة من أرقى حضارات البشر.. هذه الحضارة التي قد يكون مصيرها على أيديهم أبشع من مصير حضارة اليانكي.