لا تزايدوا على الجزائر!
قال لي أحد الشيوخ المخضرمين: ما الذي ينتظره هؤلاء وأولئك من الجزائر أن تفعله تجاه فلسطين..؟ ألم تقم الدولة الفلسطينية في الجزائر؟ أليس “الموسطاش” هواري بومدين هو صاحب رائعة “مع فلسطين ظالمة أو مظلومة”، ألم يُشارك الجيش الجزائري في حربي 67 و73، أليست الجزائر من الدول القلائل التي لا تفتح سفارة لإسرائيل وتتمسّك برفض التطبيع إلى اليوم؟
هذه بعض المؤشرات و”الدلائل” التي اختزلها شيخنا الجليل، ليُبرهن بأن الجزائر لم تتخلّ عن القضية الفلسطينية، لا بالأمس ولا اليوم ولن تفعلها غدا، فعقيدتها تؤمن بدعم قضايا التحرّر في العالم، وحرية الشعوب في تقرير مصيرها واستقلالها.
لكن، بعض الأصوات، تشكّك، وتستغرب وترسم علامات استفهام وتعجّب، حيال موقف الجزائر من العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة، وحتى إن كانت هذه الأصوات محقّة في جانب معيّن، فإن الأكيد أن الجزائر لم ولن تبيع قضية كلّ العرب مثلما فعلها أشباه العرب وبقايا المسلمين!
إن بُعد المسافات وتهلهل الموقف العربي وإعادة تشكيل “المجموعة العربية” بعد حرب الخليج الأولى والثانية، وكذا هبوب رياح ما سمّي بـ”الربيع العربي” على عدد من البلدان العربية، وظهور بوادر “حرب عالمية ثالثة”، كلّ ذلك، يمنع أيّ كان، حسب مفهوم “العلاقات الدولية” يتريّث ويتأنـّى، بعيدا عن بيع القضية أو التراجع عن مبادئ لا تقبل التنازل والتفاوض!
الدعم والحشد والتأييد، ليس بالضرورة يكون استعراضيا وأمام كاميرات التلفزيون، وخلال الاجتماعات الرسمية، وفي البيانات التي تـُقرأ في نشرات الأخبار العاجلة، لكن هناك طرقا ووسائل أخرى، قد تكون أكثر نفعا وتأثيرا، وأقلّ تعرّضا للمخاطر والمغامرات!
لم ولن يتخلّ الجزائريون عن فلسطين، وربّما لو كانت للجزائر حدود معها، لتغيّرت الكثير من المعطيات والمفاهيم، لكن ما الذي بإمكان الجزائر فعله، في وقت “استسلم” فيه البعض و”باع” البعض الآخر و”قبض” البعض و”خان” البعض ممّن تربطهم بالأراضي الفلسطينية المحتلة حدود برية!
عندما يتعرّض أخوك أو جارك إلى “الحڤرة” وهو يقطن بجانبك أو على بُعد مسافة تسلك بالأرجل أو المسير، فمن السهل والواجب أن تتدخل لمساعدته والدفاع عنه بالحدّ واليدّ، لكن ما الذي يُمكنك فعله لو كان هذا العزيز قاطنا على مسافة لا تصلها إلا بالطائرة أو الباخرة، وأنت لا تملك هاتين الوسيلتين السريعتين للوصول إليه قبل وقوع الفأس على الرأس؟
دول الجوار و”الحصار” والمعابر المغلقة، هي التي تتحمّل مسؤولية “اغتيال” الحلم العربي ووأد القدرة على المساعدة والإنقاذ، وعندها تصبح المواقف القوية والمسيرات الشعبية والمساعدات الإنسانية وقوافل الإغاثة، أضعف الإيمان للوقوف مع قضية كلّ العرب والمسلمين، ظالمة أو مظلومة.. فلا تزايدوا على الجزائر.