-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

ماذا لوْ مات 11 مليون فرنسيّ من الجوع؟

ماذا لوْ مات 11 مليون فرنسيّ من الجوع؟
ح. م/أرشيف
من جرائم الاستعمار الفرنسي في الجزائر.

كلُّ ما يقترفه الاحتلال الصهيوني اليوم من جرائم فظيعة في حق الشعب الفلسطيني، يندى لها جبين الإنسانيّة، يفتح ذاكرة الجزائريّين على جراح الماضي الأليم مع الاستدمار الفرنسي الغاشم.

ربما يعتقد كثيرون ممن تؤلمهم الأوضاع المأساوية في قطاع غزة، منذ 22 شهرًا، أنّ الكيان الإسرائيلي قد بلغ من الوحشية مبلغًا غير مسبوق في تجربة الاستعمار الاستيطاني، لكن الناظر في صفحات التاريخ القريب سيقف على بشاعة أخرى من الإرهاب، لا مثيل لها في الزمن المعاصر، وهي تلك المتعلقة بجرائم الاحتلال الفرنسي في الجزائر.

لقد قتل جيش الكيان في نحو عاميْن، منذ 7 أكتوبر 2023، قرابة 60 ألف شهيد من المدنيين العزّل، مخلفا صورا مروِّعة من المجازر والانتهاك الصارخ لكل مواثيق القانون الدولي الإنساني، بينما العالم الغربي المتدثر بعناوين الليبرالية والحداثة لا يتفرج فقط مكبّل اليدين، بل إنه يدعم الجريمة بالموقف السياسي والعتاد الحربي، وما يزعمون أنه “حق الدفاع عن النفس”.

لكن عندما نستحضر ما اقترفته فرنسا في الجزائر خلال قرن وثلث، نجده أكثر شناعة ودمويّة، حيث أنها أبادت في أحداث 08 ماي 1945، على سبيل المثال لا الحصر، 45 ألف شهيد جزائري أعزل، خرجوا في مظاهرات سلمية، للمطالبة باستقلال بلادهم بموجب وعد فرنسي كاذب في سياق الحرب الأوروبية الثانية.

ولكُم أن تقارنوا وتتخيلوا كيف تمكّن جيش الاحتلال الفرنسي الملعون من تصفية كل هذا العدد بدم بارد في ذلك الزمن؟ إذ لم تكن شاشات التلفاز ولا مواقع التواصل الاجتماعي تنقل الجريمة على المباشر.

ليس في نيّتنا الوقوف عند كل المحطات الإرهابية لجيش الاحتلال الفرنسي في بلادنا طيلة 132 سنة، قتل خلالها، وفق الإحصاءات التاريخيّة، 6 ملايين جزائري، منهم 1.5 مليون شهيد خلال فترة الثورة التحريرية وحدها.

تنبغي الإشارة، بصفة عاجلة، إلى أنّه إذا كان الجيش الصهيوني يقصف اليوم المناطق الآهلة بالمدنيين مستعملا كل الأسلحة الفتاكة في مواجهة أبرياء وأطفال ونساء، مسنودا من الإمبريالية العالميّة، فإن فرنسا مارست بدعم قوات الحلف الأطلسي ما هو أشدّ وأنكى في الجزائر، بقصف قرى بكاملها وحرق البشر داخل المغارات والكهوف وإبادة عائلات عن بكرة أبيها، وعزل الجزائريين في محتشدات، ونفي الآلاف منهم إلى بقاع شتى من العالم، من دون الحديث عن الجرائم الحضارية في حق الهوية والمقدسات الدينية والتجهيل.

أمّا إذا تحدّثنا عن جرائم التجويع ومنْع الأدوية التي يتكبدها الأشقاء خلال الأشهر الأخيرة في غزة، حتى صار ضحايا البطون الخاوية والأسقام بالعشرات يوميًّا، فإنّ الأرقام الفرنسيّة الرسميّة، مع اليقين بعدم دقتها، تكشف عن فقدان الجزائر أكثر من 17 بالمائة من سكانها، بسبب المجاعة والأوبئة المترتبة عنها، بين أعوام 1866 و1868.

وهو مؤشر رهيب، فلو قُورن ذلك بديموغرافيا فرنسا، في المرحلة نفسها، لكانت قد فقدت قرابة 7 ملايين من سكانها، وأكثر من 11 مليونًا، وفق إحصاءات اليوم.

وتتحمل فرنسا كقوة محتلة مسؤولة تلك الإبادة الجماعية الواسعة والشاملة والمقصودة، بسبب أولاً، اعتدائها السافر على الجزائر، وثانيًا عدم تقديم يد المساعدة وغضّ الطرف عن المأساة، للتخلص من الجزائريين بهدف تعويضهم بالمعمّرين الأوروبيين، مثلما يقرّره الباحث في التاريخ، الأزهر بوغمبوز، في كتابه المرجعيّ عن “مجازر فرنسا وجرائمها ضد الإنسانية في الجزائر”.

إنها الجرائم الصهيونية ذاتها تتكرّر اليوم في فلسطين، في إطار التهجير القسري للسكان تحت إكراهات الجوع والحرب العدوانيّة.

بل إنّ دراسة المؤرِّخ الآخر محمد رزيق، عن “الجرائم الفرنسية إلى غاية 1871″، من خلال شهادات واعترافات ضباط الاحتلال نفسه، تؤكد أن عدد سكان الجزائر كان 10 مليون نسمة على الأقلّ عند بداية الاحتلال في 1830، وليس مليونًا أو أقل أو أكثر قليلا، كما ذهبت إليه عديد المراجع الاستعمارية، لينزل إلى 2.1 مليون نسمة بحلول سنة 1872.

وهو ما يعني ببساطة أن الجزائريين تعرّضوا إلى حملة إبادة منهجية، لا يمكن فهمها إلا بوضع هذه القضية في إطارها العامّ، والمتمثل في سعي فرنسا لاتخاذ الجزائر مستعمرة استيطانية، وأنه لا يمكن تحقيق ذلك إلا بطريقتين: إما أنّ الجزائر كانت خالية من السكان (أي إقليم غير مأهول) أو أنها كانت مأهولة، ومن ثم كان لا بدّ من الإبادة الجماعية لإنجاح عملية الاستيطان، وفق مقاربة المؤرخ نفسه.

إنّ ما أوردناه من حقائق دامغة، في هذه السانحة الضيقة، هو شاهد آخر، في سياق الوضع الفلسطيني المفجع، على أنّ الجريمة الاستعمارية واحدة في كل مكان وزمان، وأنّ قوى العالم “الحداثيّ” لا تزال تمارس النفاق والكيل بمكيالين على الشعوب المستضعفة، بينما كل شعارات حقوق الإنسان والمواثيق الأممية والأجهزة الدولية المترتبة عنها لا تعدو أن تكون أدوات وظيفية لتكريس هيمتنها الاستغلالية في حق الآخرين، فهي لا تؤمن سوى بمنطق واحد هو “غريزة القوّة والبطش”، فهل يحقّ لأحد بعد ذلك أن يلوم الجزائريين اليوم عن التمسك بتسوية ملف الذاكرة مع الفرنسيين؟

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!