مسألة كرامة!
من كان ينظر إلى وجوه الأتراك على متن سفينة مرمرة بأسطول الحرية، ويحدّق في تلك العيون والملامح القوية، قبل سنة وأربعة أشهر بالتحديد، لاشك أنه سأل نفسه، عن سرّ ذلك الصمود والإقدام ومحاربة غول الخوف الغريزي لدى هؤلاء، بعضهم كان يسمي أحفاد السلطان عبد الحميد الثاني بـ”الشهداء الأحياء”…
-
وقد كانوا كذلك فعلا، لأنهم ببساطة، لم يأتوا بغرض الاستجمام أو البحث عن فرصة للشهرة أو سعيا للقب دنيوي زائل، لكنهم جاءوها بنية صادقة، وصمود أسطوري، ومقاومة شريفة، وهم اليوم وبعد الموت، أحياء يرزقون عند ربهم، وأبطال في الدنيا بفضل حكومتهم!
-
لا أحد بإمكانه المجادلة في كون تركيا لا تمثل في الوقت الراهن شرفا قوميا بالنسبة للأتراك فقط، وإنما تعدّ شرفا إسلاميا عالميا، في زمنٍ استباح فيه الأصدقاء قبل الأعداء، عذرية الأمة واستسهلوا الاعتداء عليها مرارا وتكرارا.
-
من منّا لا يشعر بالفخر عند الاستماع إلى رجب طيب أردوغان وهو يقول أن الدولة العبرية لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تكون فوق القانون، أو عندما يتحدث وزير خارجيته أحمد أوغلو فيصرح أن إسرائيل استنفدت كل فرصها وستدفع ثمن غطرستها وتعاليها غاليا.
-
الكلام التركي معجون بالكرامة في وقت عزّت فيه هذه الكلمة عندنا كثيرا، وافتقدناها منذ عقود، لا بل إنها تعد السبب الرئيس في خروج العرب بالملايين في ربيع انتظرناه طويلا، وفقدنا الأمل في رؤيته مجددا، يستيقظ بين أجيال نائمة حكمت على نفسها بالموت السريري، حين اعتبرت أن الأمل مفقود والحرية حلم مستحيل، ثم ألا يقول مثل شهير، بأنه حتى ننجح في تحقيق جميع أحلامنا، يجب أن نبقى مستيقظين!
-
ماذا ينتظر العرب من حكوماتهم ورؤسائهم ووزراء خارجيتهم سوى أن يكونوا في ربع شهامة رجب طيب اردوغان، ونصف كرامة عبد الله غل، أو ثلث ثقافة احمد أوغلو، خصوصا أن الشهامة والكرامة والثقافة مثل الحرية تنتزع ولا تهدى، والطريق نحو العزة والشرف ليس مفروشا بورود المفاوضات وحوار الاستسلام والمداهنة.
-
تركيا دافعت عن موقفها وشهدائها في مذبحة أسطول الحرية، سياسيا، من خلال التمسك بمطلب الاعتذار، وقانونيا، برفع القضية للمحكمة الجنائية الدولية قريبا، وحتى فنيا، بإخراج جزء من أفلام وادي الذئاب، للحديث عن مجزرة مرمرة والرد عليها بقوة داخل الكيان الصهيوني، فكسبت أنقرة المعركة، على أكثر من صعيد وفي أكثر من اتجاه.
-
يحدث ذلك في الوقت الذي خفت فيها الصوت العربي المشارك في الأسطول، حيث ضغطت وزارة العدل الكويتية على نوابها من أجل سحب قضية شكواهم ضدّ إسرائيل بحجة أن حصار غزة “قانوني” وفقا لقرارات الأمم المتحدة المتصهينة، في حين فضّل الجزائريون والمغاربة ومعهم جنسيات أخرى، عدم خوض المعركة أساسا والاستقالة عن دورهم في الحرب المفتوحة، لعدة اعتبارات، أهمها نقص الحرية، ولأن هؤلاء العرب محاصرون في حقيقة الأمر أكثر من حصار غزة، كما لا يدافع عن الحرية في نهاية المطاف.. إلا الأحرار!