-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

هل غادرت جزيرة العرب مكانها؟

صالح عوض
  • 1726
  • 0
هل غادرت جزيرة العرب مكانها؟

جزيرة العرب من أقصاها إلى أدناها هي اكثر العناوين إثارة لساسة الغرب ومثقفيه.. لإعلامييه وكتابه، فلم تعد هذه الصحراء فقط ملهمة الوحي وصفاء الأفكار ونبل القيم وسمو الهمم وإشراق الأرواح.. لم تعد فقط صفحات من الرمال والصحراء تلهبها شمس لا تعرف التردد والمهادنة فتسكب في أهلها إرادة لا تعرف المستحيل وانحيازات حادة للمواقف.. لم تعد صحراء العرب او جزيرتهم المضلعة بأضلاع أنيقة موحية بما للمكان من عبقرية هي معبر لتجارة البخور والحرير ولزيارات حجاج البيت العتيق في كل الفصول والشهور والأيام.. مع هذا كله، وهو كاف لتميزها وسمو قدرها بين البلدان وتربعها على عرش الجغرافيا التي تصنع تاريخا وأفكارا.. حتى عادت صرة العالم وقبلته..

جزيرة العرب تبوأت موقعا استراتيجيا اضافيا منذ عدة عقود.. انه اضافة الجغرافيا -مرة اخرى- قيمة جديدة لعبقرية المكان بتفجر أديم الأرض عن آبار النفط لتتجدد في المكان استجابة دعوات ابراهيم عليه السلام “واجعل افئدة من الناس تهوي اليهم”، “وأرزقهم من كل الثمرات”.. ولتصبح قوة الروح مزودة بقيمة المادة بمعنى آخر اكثر جلاء توفر الفرصة الذهبية لميلاد حياة انسانية سعيدة قائمة على ركنيها البعد الروحي الصافي والبعد المادي الوفير.. وهكذا كان لابد من تحول البعد المعطى إلى عامل يتحرك في حيز المكان وحيز الرسالة فيكون واصلا بالخير المعنوي والمادي بين شعوب تلتف كلها حول الجزيرة.. اذ لا سعادة موضوعية الا بتعانق العاملين وتوفر البعدين.

هذا بالضبط هو ما يجعل القول وجيها عندما يأخذ بالتفصيل والشرح احتمالية نهضة العرب مجددا رغم كل المعرقلات والتشويه الذي يطال عنصرهم ودورهم سواء من خلال شعوبية مقيتة تخلط بين أعوجاجات التاريخ وطموحاته، مستعينة بالخلل الحاصل بين اللحظة الصعبة القاسية وما تكتنزه المنطقة من عبقرية لا تضاهى ومن مستقبل لن يكون لسواها.

نحن نعرف أن هذا المكان الاستراتيجي على اكثر من مستوى قد تم درسه وتقليبه على كل الأوجه في مراكز التحليل والاستشراف الغربية، وقد قدم المستشرقون المتقدمون تقاريرهم وانطباعاتهم عن كل شيء في الجزيرة ولعلهم يكونوا أحصوا حبات الرمال واحدة واحدة ورفعوا كل حجر ليعرفوا ما يخبئ.. وذلك على اعتبار منهجي دقيق ان هذه الجزيرة هي من غير وجهة العالم قرونا عديدة وهي لازالت بما تحويه من بعديها الروحي والمادي قادرة ان تغير وجهته مرة اخرى او على الأقل ان تكون المادة الأساسية في ذلك الفعل الإنساني الكبير.

هكذا نقترب شيئا فشيئا من فك طلاسم الاشتباك الظاهر حينا والخفي احيانا كثيرة والمخادع احيانا اكثر لاستنزاف الجزيرة من بعديها المادي والروحي وذلك باستدراجها إلى ساحات ملهية أشبه بدوامات البحر فتضطر الجزيرة لإنفاق المزيد من طاقتها المادية والروحية ظنا بأن ذلك سيخرجها من الدوامة ولكن الأعداء الاستراتيجيين يواصلون صناعة الدوامات المتتالية ويستمر النزف الروحي والمادي لإفقادها مكانتها الروحية وقدرتها المادية وجعل الجزيرة من جديد صحراء ولكن بلا رسالة ولا مال.

لقد اشترك كثيرون في الحرب ضد جزيرة العرب وبعضهم بحسن نية، ولقد قرأت لبعضهم وهم علماء دين ومفكرين مسلمين كيف ينبري في تقليل شأن الجزيرة ومكة قبل رسالة الإسلام.. وتطرف البعض في وصف العرب بأقذع الأوصاف وأشنعها متحدثين عن قتل الموءودة والتناحر والغزو والجذب.. وغاب عن اولئك ان هذا المكان مناط دعاء ابراهيم عليه السلام، وان هذا المكان شهد حضارات لم يخلق مثلها في البلاد، وان هذا المكان جامع للكرة الأرضية.. ثم جانب الصواب منهج اولئك وهم يتحدثون عن بعض المخالفات النشاز والنادرة فذهبوا لتعميمها على العرب إجمعين ولعلهم يعرفون ان واقعة قتل البنات لم تحصل الا نادرا وفي واحدة من قبائل العرب التي يزيد عددها عن 360 قبيلة فجاء القرآن يزجرها ويلقي بها في مخلفات السلوك البشري.. ولم يلتفت اولئك إلى براعة العرب في تطوير لغتهم مع انه لم يكن لديهم نظام يجمعهم ومؤسسات ترعاهم حتى عادت لغتهم أرقى لغات الإنسان وأغناها معنى وأقربها للإنسان في تفصيلات وعيه ومشاعره واحتياجاته وأطوعها للسير معه في تأملاته وبناء أرقى منظماته الإنسانية القيمية والمفاهيمية فكانت هي الأكثر تأهلا لاستقبال الوحي الأمين والقرآن العظيم.

لقد احسن العرب بعدم مغادرتهم للصحراء قبل الرسالة التي نمت فيهم الفردية بإيجابياتها فأهلتهم للقيادة والفروسية واسكنت فيهم المعاني برسوخ قائم على التأمل والصفاء والوضوح.. ولكنهم اليوم يتعرضون لمغادرة الصحراء لكي تسكنهم الصحراء فتتسطح لديهم الأفكار عن كل شيء وهم لازالوا فيها.. الخوف كله ان تسكنهم الصحراء.. انهم كانوا يجيدون التناوش مع الصحراء يسكنونها فيحيلون كل ركن فيها إلى معلم انساني تتغنى به الأجيال ولقد أعطاهم ذلك صفات نفسية تميزوا بها فكانوا أهلا لصفاء الانطلاقة الأولى برسالة رحمة للعالمين، اذ لم يكن كافيا ان تحتوي الرسالة على جميل القيم والمعاني فلا بد من اناس مؤهلين تماما للتطابق مع هذه الرسالة في لحظات تشكلها الواقعي الأول فكانت الجزيرة هي المنتخبة من الجغرافيا والبشر للمهمة الكونية الكبرى، وهكذا قد اصبحت الرسالة موكلة للمكان العبقري..

انها الصحراء.. ؤما ان نسكنها او تسكننا.. إما ان نطوعها ونغالبها وإما ان تحبطنا فتبتلعنا رمالها ويطوينا بالنسيان سرابها ها هم اهل الجزيرة يتطاولون إلى ما عند غيرهم من هياكل فاقدة للروح والمعنى وقد بهرتهم اضواؤها وبريقها الخلاب.. ها هم اهل الجزيرة يمرون بمرحلة التناقض الحضاري او التمزق النفسي والروحي في ظل هجمة ثقافية واعلامية وأمنية وسياسية لتزعزع يقينهم في رسالتهم ولتفقدهم الإحساس بقيمة صحرائهم وهم واقفين مذهولين امام انجازات الغرب المادية المتعددة فتتبعثر مشاعرهم ويتأرجحون بين العقيدة والرغبة.. بين الواقع المذهل للآخرين وبين واقع من حطام يلف بهم على اكثر من مستوى.. وتستنزف ثروتهم في مستهلكات الإنتاج المادي الغربي ويذهبون إلى التمثل وإلى التقليد على طريقة الببغاء او القرود فيظنون التطاول في البنيان وامتلاك الأشياء ممرا لحياة كريمة سعيدة ويكتشفون امام الابتزاز المستمر من كل الطامعين والمتربصين والشعوبيين انهم لم يفعلوا اكثر من الغيبوبة الاختيارية والعيش في الأحلام الكاذبة.. فيقيد الإحباط أرواحهم ويكبل الانبهار همتهم وإرادتهم.. فيصبحون رهينة للريح تتقاذفهم على موائد اللئام.

ورغم كل هذا الدوار والزوابع، الا ان هناك ثوابت لن يفلت منها عرب الجزيرة وهي كافية ان تعيد لهم الصواب من جديد.. فلازال البيت العتيق يربط قلوبهم، ولازالت اصوات العظام من الأجداد تدوي في أفق الصحراء ان انهضوا وكونوا في مستوى الرسالة.. تولانا الله برحمته.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!