-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
2/2

وكان‭ ‬سي‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬آخر‭ ‬العمالقة‭!!‬

علي بن محمد
  • 8624
  • 0
وكان‭  ‬سي‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬آخر‭ ‬العمالقة‭!!‬

كما قلت في آخر المقالة المنشورة يوم أمس، انحلت عُـرى ذلك الشمل الذي جمع الله شتاته مدة سبع من السنوات، ذات الخصب والبركات، غدت فيها الوزارة ورشة لا ينقطع نشاطها، إلى أن شاءت إرادة غامضة، لم تتضح هويتها إلى اليوم، توقيف مسيرة في أوْج انطلاقتها، وتفريق نخبة من الإطارات كانوا من خِـيرة ما أفرزه الفعل التربوي من الكفايات منذ استقلال البلاد. فغـدا كل واحد منهم، بصفة فردية، يبحث عن مكان عمل يضمن به معيشته، وما من رفيق له إلا مشاعر الإحباط، وصدمة الخيبة، وهواجس الخوف الشديد على مستقبل التربية من مثل هذه التصرفات الخرقاء‭… ‬

أما أنا  فقد دعاني العقيد سي محمد الصالح يحياوي إلى الالتحاق بالجهاز المركزي لحزب جبهة التحرير الوطني؛ ولم تـنفع كـل حـيـلي في إقـناعــه بقبول اعتذاري. فإن ما حصل لنا ـ نحن المُبْعدين من وزارة التربية ـ لم يُـبْق فينا أية قدرة على العمل في أيّ من مناصب المسؤولية. وفي النهاية لم يكن بإمكاني إلا القبول، نزولا عند حجة سي محمد الصالح، وهي أن الحزب قد يـتسع لضروب من النضال في سبـيـل المبادئ، لا يـتسع لها مجال الإدارة.!. وقال لي ستكون عضوا في فريق العمل المُضّيق الذي سينكبّ على وضع تصور جديد لهياكل الحزب المركزية‭. ‬وستساعدني‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬إقناع‭ ‬سي‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬ليترأس‭ ‬لجنة‭ ‬التربية‭ ‬والثقافة‭ ‬والتكوين‭ ‬التي‭ ‬ستكون‭ ‬من‭ ‬ضمن‭ ‬الهياكل‭ ‬المركزية‭.‬

ولا بد لي هنا من شهادة صادقة، نزيهة، للأمانة التاريخية، وهي أن العقيد يحياوي كان يضع سي عبد الحميد في أعلى مقامات الإجلال والتقدير. ولم يؤثر في تلك المنزلة اعتذاره عن ترأس لجنة التربية والثقافة للمرة الثانية، حين زرته في بيته، بدار المعلمين، محاولا إقناعه، داعما قولي بأننا في اللجنة التربوية صرنا ثلاثة من المُبعدين، (عمر.. وعبد القادر.. وأنا)، فقال لي، كان يسعدني جدا أن أكون رابعَكم في ظروف أخرى، ولكن الأحوال الآن كما ترى. وكأنني فهمت منه أن اللجنة ستكون في مقام المعارضة المباشرة لخطط الوزارة، وهي التي أقـل ما فيها التراجعُ عن جملة ما نعُـدّه فيها من المنجزات الرئيسية.. وربما كان يرى أنه من الناحية المنطقية، والموضوعية، لا يستطيع أن يُـشهر المعارضة لوزير بومدين، الذي هو راض عما يفعل وزيره، ويبقى في الوقت ذاته مديرا لإحدى المؤسسات التابعة لوزارة ذلك الوزير.. بما‭ ‬كان‭ ‬هذا،‭ ‬ربما‭ ‬كان‭ ‬غيره‭.. ‬والمعروف‭ ‬عن‭ ‬سي‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يكشف‭ ‬أبدا‭ ‬الأغوار‭ ‬العميقة‭ ‬لتفكيره،‭ ‬ولكنه‭ ‬يعطي‭ ‬أصدقاءه‭ ‬المقربين‭ ‬مفاتيح‭ ‬لفك‭ ‬بعض‭ ‬الرموز‭.. ‬

وشكلت اللجنة المذكورة، وعُـيّـن لرئاستها الأخ الصديق سي محمد الميلي، وكنتُ نائبه فيها. وقد كنتَ يا سي عبد الحميد من أعضائها المداومين على حضور ندواتها، وكنتَ تـناقـش كل الوثائق المقدمة بصرامتك ودقتك المعهودتين.. ثم حدث مرض الرئيس بومدين المفاجئ، ثم ما لبث أن دخل في غيبوبة عميقة أفقدته كل صلة بالعالم الحي حوله، فاستيقظت المطامح والمطامع لدى أغلب من كان على مقرُبة من الرئيس المريض.. وارتأى العقيد محمد الصالح يحيـاوي، بمشورة من الجماعة المقربة منه، أن يؤلف فوجا من المناضلين لدراسة الوضع في البلد، وتقديم رُؤى وتصوراتٍ  للتطورات المحتملة، وطرائق مواجهة مجلس الثورة لها، لتجنيب الوطن كل المفاجآت التي تعقب وفاة الرئيس، وقد صار حدوثها مرجحا في كل وقت. كان سي عبد الحميد أنشط أعضاء الفوج الخمسة. وكان في كل جلسة من جلساته يقوم اثنان من أعضاء هذا الفوج، وهما المعـينان لذلك من البداية، بصياغة ما أسفرت عنه من أفكار وتصورات، في شكل قراءة تحليلية للمتغيرات المحتملة مع اقتراح المواقف أو التدابير التي يرى الفوج فائدة البلد في اتخاذها… (في كتابي “جبهة التحرير بعد بومدين” تفاصيل أشغال هذا الفوج ونص الوثائق الصادرة عنه..).

وحان أجل الرئيس هواري بومدين، رحمه الله، وطيب ثراه، وشكلت اللجنة الوطنية لتحضير مؤتمر جبهة التحرير المنصوص عليه في الدستور، فكنتَ يا سي عبد الحميد عضوا أساسيا فاعلا، مسموع الرأي في تلك اللجنة التي اقـترحـك فيها العقيد يحياوي. وأتذكر أنك أنت الذي اقترحت الرقم الرابع للمؤتمر الذي كنا في تلك اللجنة نعـد لانعقاده، بينما اختلفت الآراء كثيرا في تحديد رقمه، حتى لقد كان من الأعضاء من كان يزعم أنه سيكون المؤتمر الأول الحقيقي لجبهة التحرير..! وانعـقد المؤتمر، وحدث في ليلته الأخيرة صراع شديد عنيف على قائمة أعضاء اللجنة المركزية، وانتهى المؤتمر وأنت من أعضائها المرموقين… وكان ما كان من أمر الحزب وأشجانه، وتقلباته التي لا تنتهي.. حتى دعيتَ منقذا لسفينته المائجة حين أخذت تـتـقـاذفها الأمواج الهائجة، في بحر أكتوبر الصاخب..  وكنتَ يا سيدي نِعْم الرُبَّـان لها. وكنت الأقـدر علي إيصالها، بكل من فيها، إلى ميناء النجاة سالمين غانمين. ولكن إرادات عديمة الحكمة والمسؤولية أوصلت الأحداث إلى الانفجار والاقـتـتال. وقد كنتَ أول من نبه إلى ذلك الشر المستطير الذي يترصَّد الشعب. وكنت أول من دق بيديه كلتيهما كل أجراس الإنذار المتاحة له، ولكن أين الذي يسمع أو يستجيب؟؟ وكان قطار المأساة المجنون قد انطلق بأقصى ما يريده له طـاقـَمُـه المعتوه من السرعة، بحيث لم يعد أحد يستطيع إيقافه.. وكانت المأساة العظمى. وكانت أنهارٌ من الدم، وجبال من جماجم الضحايا تستصرخ كل من يقوى على إيقاف رحى الدمار والفناء، ولكن لا أحد كان قادرا على الإجابة.. ومازالت آثار المأساة محفورة في ضمائر الناس وفي الطوايا المظلمة من قلوب لم يكفها كلُّ ما مر على الشعب من  المآسي الدامية، فهي مازالت تحرض على المزيد!!..

من يُنكر، يا سيدي، أنك بقيت مدة تقارب نصف القرن من الزمن الجزائري الرَّدِيء تدعو إلى الإصلاح الحقيقي الذي لا مخرج للأمة من مسلسل المحن والكوارث المتعاقبة عليها إلا بالشروع الصادق النزيه فيه، فورا، وقبل فوات الأوان؟! إن الربيع الجزائري الذي فارقـتَ دنيانا يا سيدي، وأنتَ تـَعْـرضُه في كل سوق تستطيع الوصول إليه، لم يَقبل أحد من القادرين أن يشتريه منك، فمتََّ، ورايَته مطوية على كتفك، كالثوب البائر على كتف الدلال؛ والعصافير المحبوسة في الأقفاص، الممنوعة من الشدو والتغريد، تموت يائسة من قدوم الربيع.. فيا لبؤس الشعوب،‭ ‬ويا‭ ‬لمصائب‭ ‬الأوطان‭ ‬التي‭ ‬يموت‭ ‬فيها‭ ‬الحكماء‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يجدوا‭ ‬من‭ ‬حكامها‭ ‬من‭ ‬يصغي‭ ‬إلى‭ ‬نداء‭ ‬الحق‭ ‬الصريح،‭ ‬أو‭ ‬ينحازَ‭ ‬بسُلطته‭ ‬إلى‭ ‬الحلّ‭ ‬الصحيح‭.. ‬

وأنت يا سيدي، يا من علمتنا بسيرتك الصبر الجميل، ولقنتنا بسلوكك أصول الثبات الطويل، فلم نرَك أبدا تفارق وقارك حتى حين كنا نحس بنار الألم تضطرم في أحشائك من غـَـدْر البشر، وتقلبات الزمن الخائن. ولقد عشتُ قريبا منك في بعض تلك المِحن التي تـَهدّ الجبال، ولكنك واجهتها بصبر المؤمن المحتسب… ولن نعـددها كلها فهي كثيرة ومتنوعة؛ وإنما نكتفي بذكر خاطف لبعضها، ليس لإحياء الجراح، وتأجيج العصبيات، ولكن لبيان المدى البعيد الذي تستطيع بلوغـَه تفاهة البعض من الصغار، أمام  صمود العمالقة العظام، أولئك الذين يولدون كبارا، ويحيون،‭ ‬ويموتون‭ ‬كبارا‭! ‬ولا‭ ‬تزيدهم‭ ‬حماقات‭ ‬الصغار‭ ‬التافهين‭ ‬إلا‭ ‬علوا‭ ‬وتحليقا‭ ‬في‭ ‬آفاق‭ ‬الرفعة‭ ‬والارتقاء‭.. ‬فسجل‭ ‬يا‭ ‬زمان‭ ‬ما‭ ‬كنت‭ ‬شاهــدا‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬سجل‭ ‬الخالدين‭!! ‬وتأملي،‭ ‬يا‭ ‬أجيال،‭ ‬مصائر‭ ‬عظماء‭ ‬الرجال‭.. ‬

كنتَ يا سيدي تسكن في مدرسة، وليس لك منزل باسمك تأوي إليه، في طول البلاد وعرضها. فلو حدث ما يضطرك إلى مغادرة هذا المسكن الوظيفي لما وجدت مكانا يؤويك.. ويُـروى أن صديقا لك سألك، ألم تحصل على دار بعد أن مضى عليك في هذا المسكن الوظيفي أكثر من عشرين سنة؟ فكان جوابك كالعادة حاسما، كأنك استعرت ألفاظه من حسام مهند، فأجبته قائلا، “أنا حشمت، وهم ما حشموش”. (أنا استحَيت وهم لم يستحُوا). إلى أن تخلى لك صديقك المجاهد الكبير عبد الله بن طوبال، رحمة الله عليه، عن سكنه في حيدرة، بعد أن انتقل إلى منزله الجديد الأكبر والأوسع؛ وحينما شرعتَ في إجراء بعض أشغال الترميم والدهن فيه، اقـتحمه أحد الضباط، (هو العقيد، الذي صار الجنرال خليل)، ووضع بعض أمتعته فيه. وقيل إن أحد إطارات قطاع الصناعة الثقيلة كان من المتآمرين مع الضابط.. وأخفقت كل محاولة العودة إلى الصواب.. فلم ينته الإشكال إلا‭ ‬بتدخل‭ ‬الرئيس‭ ‬الشاذلي‭ ‬شخصيا،‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬البداية‭ ‬الأولى‭ ‬لعهده،‭ ‬في‭ ‬مطلع‭ ‬الثمانينات‭..‬

ثم كانت المؤامرة الدنيئة عليك، لتنحيتك من الأمانة العامة لجبهة التحرير. وهي مخطط دولة، تصورته، وخططت لـتـنفيذه على مراحل أعقد مؤسساتها، وأقدرها على تسيير مثل هذه العمليات… فمن السذاجة، بل من الحماقة أن يصدق عاقـل بأن شخصا ما، هو صاحب الفكرة أو صاحب التخطيط.. فإن أقصى ما يستطيع أن يكونه الشخص الذي يمكن أن يدعي ذلك، هو كونه مسمارا صغيرا، متناهـيا في الصِِـغـر، ولكنه مسمار ذو صَدَإ سام،ّ في جهاز كبير، بالغ التعقيد، متعدد النواعـيـر.. وكنت يا سيدي، يا سي عبد الحميد بماضيك، وشخصيتك، وحزبـك، سـدّا منيعا في طريـق خطط سياسة ما يمكن لها أن تمر إلا بزوالك، بشكل من الأشكال.. لتـتحقـق استعادة ظهر جبهة التحرير الوثير، ذلك الذي لم يتعود أحد من الحكام على أن يجده في طريقه معـترضا على شيء، أو رافضا إياه، فضلا عن أن يجده… معارضا، وأية معارضة كالتي صممت عليها!!     وما إن خرجتَ من الحزب، كبيرا كعادتك، بطريقة ستبقى حدثا تؤرخ به حقارة الأنذال ما امتد لهم عُـمْـرٌ في هذا الوطن.. ما إن خرجت، حتى كانت في انتظارك مصيبة مرض زوجتك الخطير، ذاك الذي أودى بها، وفضح ما بقي مستورا من حقارة التـافهـين. فلقد مَـنعـوا عليك ما يُـبـيحونه بلا حساب، ولا حدود، لأنفسهم ولكل من سار مغمض العينين في مواكبهم.. رفضوا لك كل الملفات المتتالية التي تتضمن موافقة الأطباء على طلب التكفل المالي لعلاج الزوجة في الخارج. وضاقت الدنيا بك يا سيدي، كما تضيق بالأحرار، في الأوطان التي يحكمها صغار الهمم، أولئك الذين يتميزون‭ ‬بعجز‭ ‬في‭ ‬المروءة،‭ ‬ونقص‭ ‬في‭ ‬معاني‭ ‬الشهامة،‭ ‬والكرامة‭ ‬الإنسانية‭.. ‬فهم‭ ‬يفـتـقرون‭ ‬إلى‭ ‬أهم‭ ‬فضائل‭ ‬الرجولة‭ ‬الجزائرية‭ ‬التي‭ ‬تنتقل‭ ‬إلى‭ ‬الأبناء‭ ‬والأحفاد‭ ‬بالفطرة‭ ‬والوراثة‭.. ‬

وقد تأكد للقاصي والداني أن رفض الملف الطبي إنما كان ثأرا انتقاما من صغار النفوس، لشفاء القلوب المريضة بذلك الداء الذي تغلي به أحشاء الحاقدين عليك، بسبب مواقفك التاريخية التي أبطلتْ مخططاتهم الفاشلة.. فاضطررت حينئذ يا سيدي، يا سيد الرجال، إلى بيع سيارتك الوحيدة، وقمت بتأجير بيتك العائلي، لسنتين متـتاليـتـين، وهو الذي ليس لك غيره، لتعالج زوجتك المُصابة..  ولم يكن ذلك ليفي بكل المصاريف، فاستدنت مرارا من بعض أصدقائك، قدماء المناضلين المجاهدين في المغرب العربي.. فسجـل يا زمن مخازي البؤس والنذالة، وارْو للأجيال كيف‭ ‬تنبح‭ ‬جـراء‭ ‬الحي‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬الأسود‭ ‬الضراغم‭!..‬

‭              ‬

تموت‭ ‬الأسْـدُ‭ ‬في‭ ‬الغابات‭ ‬جُوعًـا‭  / /   ‬ولحـْمُ‭ ‬الضـَّأن‭ ‬تـأكـله‭ ‬الكلابُ

 

ولم تتوقف التصرفات الحاقدة، الخالية من الإنسانية عند حـدّ.. فبعد لقاء عقد روما، في “سانت إيجيديو”، قامت الدنيا عليك، يا أخي، يا سيدي، واتهمت بكل الجرائم، وشـَنـّتْ آلة الاستئصال عليك حملاتها المسمومة، وكانت الصُّحـف المارقة، التي اكتشفتْ خصالك مؤخرا، والتي تبكيك اليوم، وتثني على مواقفك الشجاعة، هي التي تولت شن الحملات القـذِرة عليك، وكان فيها من التجريح المنحط، والوقاحة، والبذاءة… ما لا يمكن أن يبلغ ذلك الانحطاط فيها إلا من كان  معـدنه رخيصا، وكان عاريا عن كل معنى من معاني الرفعة والسمو الأخلاقي..

ولم تتوقف الدوائر الحاقدة عند هذا الحد، فقد أعْمتها غرائز الثأر والانتقام البدائية حتى رفضت، يا سيدي، أن تجدد لك، ولزوجـك المريضة، جوازيكما الدبلوماسيين بموجب مرسوم غريب أسرعـوا إلى إصداره، ظنا منهم أن بنوده تغطي جرائمهم الأخلاقية، وإفراطهم في استغلال نفوذ السلطة التي يمارسونها. ولم ينتبهوا، من فرط الغيظ الذي يملأ صدورهم، أن كل الشروط المذكورة في بنود مرسومهم لاستحقاق الجواز الدبلوماسي تنطبق عليك مجتمعة. (أنظر الرسالة المنشورة).. وكابرتْ السلطة في منعها لهذا الحق، فاستفسرتَ عن سبب المنع فلم يتنازلوا لمنحك أي تفسير! وكتبت إلى وزير الخارجية، تطلب مقابلته، فلم يـرَ معاليه أن يحدد موعدا يستقبل فيه مواطنا اسمه عبد الحميد مهري!!، ولم يكلف نفسه حتى عناء الرد على رسالته!! فسجل يا زمان كيف تستأسد القطط.. وكيف تـنـتـفخ الضفادع على ضفاف البرك الآسنة..

وفهمتَ، يا من سيرته كلها مواعظ وعِـبَر، لمن يريد أن يعتبر.. فهمتَ بالاستنتاج، من المرسوم الصادر خصيصا من أجل حرمانك من ذلك الجواز، أنه ينص، بطريقة غير مباشرة على سحب  الجواز، من كل إنسان صدر منه تصرف “يمس بالمصالح العليا للدولة وبكرامتها”.. فكاتبت الأمين العام للمنظمة الوطنية للمجاهدين تبثه شكواك، ليس لحرمانك من حقك في الجواز، فهو يعرف مثلك أن خصومك ليس في مقدرة أحد معارضتهم، ولكن لإشعاره بالضرر المعنوي الكبير الذي أصابك، والتجني السافر على  قدسية وطنيتك، حين يربط المرسوم بين الجواز والتصرف الذي ينال مما سُمّي “المصالح العليا للدولة وكرامتها”.. و هنا، حُـقَّ لك يا زمان اللـؤم والفضائح أن تضحك، بل أن تقهقه.. فقد شاهدتَ، أنت يا زمن السقوط، والانحطاط عبد الحميد مهري واقفا في طابور، ينتظر أن يُسمح له بالدخول للحصول على تأشيرة السفر من سلطة قنصلية لهذا البلد أو ذاك‭..‬

 

فيا‭ ‬موت‭ ‬زر‭ ‬إن‭ ‬الحياة‭ ‬ذميمة‭ / / ‬ويا‭ ‬نفسُ‭ ‬جـِـدّي‭ ‬إن‭ ‬دهرَكِ‭ ‬هازلُ‭..‬

 

وتقـتضي الأمانة، ويقـتضي العـدل، أن نقول إنه عندما تغير الزمان، بذهاب من ذهبوا، وقدوم من قدموا، »وتلك الأيام نداولها بين الناس«، عاد الحق لبعض أصحابه. فقد يسر الله على يـد القادمين الموافقة على التكفل المالي بالمريضة حتى وافى الأجلُ صاحبة الحرم المصون، طيب الله ثراها، وأعـيد الجواز الدبلوماسي لواحد من الذين اغـتـُصب منهم هذا الحق، بفعل غرائز الانتقام،  واستسهال التشريع بالمراسيم، حتى حين لا يكون لها وجه من منطق ولا من صواب، لأنها، في الحالة التي نتحدث عنها، نزوة انتقامية محضة… 

وبعـدُ يا سيدي، يا صديـق العمر الذي مضى، ويا حاضرا في أيام العمر الذي بقي.. لن يوفيك حقك من الثناء على ما أغدقته على البلد من سَيْب مكارمك، وفيض محامدك، لا سلسلة مقالات، ولا عدة مجلدات! ولكن اليقين عندي هو أن التاريخ النزيه، المنصف، لن ينسى لك أنك لم تفارق صفوف شعبك أبدا، ولم تبتعد عن قواعده مطلقا، كيفما علت بك الرتب والمناصب. وكل أملنا في الجزاء الوفير عند الله. فالخلـق الذين ودعوك إلى مثواك الأخير يشهدون بأنك أحد الذين حفـِظوا عهد الشهداء الأبرار، وكـنـتَ علـَمًا شاهقا من المجاهدين الذين »ما بدلوا تبديلا«‭.‬

فسلام‭ ‬عليك‭ ‬يوم‭ ‬ولدتَ،‭ ‬ويوم‭ ‬مُتّ،‭ ‬ويوم‭ ‬تـُبعث‭ ‬حَـيـَّا‭. ‬ولا‭ ‬حول‭ ‬ولا‭ ‬قوة‭ ‬إلا‭ ‬بالله‭.  ‬

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!