أوراسكوم والمعتز بالله
عرف النزاع حول شركة أوراسكوم تطورات كبرى خلال الأسبوع الماضي، مما أدى إلى تغيير جذري في طبيعة النزاع. وبعد أن كان الخلاف يظهر على أنه نزاع اقتصادي بين شركة مصرية والسلطات الجزائرية، دخلت معطيات جديدة لتحوّله إلى خلاف سياسي بين الجزائر وأطراف روسية. وجاء هذا التغيير بعد شراء أغلبية أسهم شركة أوراسكوم من طرف مؤسسة روسية، ووجود صاحب تلك الشركة ضمن الوفد الذي رافق الرئيس الروسي ديميتري ميفيداف خلال زيارته الجزائر الأسبوع الماضي.
ومع هذه التقلبات، سقطت سلسلة من الخرافات، منها أسطورة رجل الأعمال المصري نجيب ساويرس الذي راوغ السلطات الجزائرية لسنوات طويلة، حيث تحصل على تسهيلات كبرى قبل أن يأكل اليد التي كانت تعطيه الطعام. واتضح أن الرجل ليس مقاولا فقط، إنما يحظى بحماية كبرى لا تقتصر على الدولة المصرية بل تتجاوز ذلك بكثير.
وتثير شخصية نجيب ساويرس أكبر نقطة استفهام في القضية. ومازال الكثير يتساءلون: من هو هذا الرجل؟ ولماذا اختارت السلطة الروسية أن تحميه؟ لماذا دخل الروس ساعة المعركة رغم أنهم يعرفون أن السلطات الجزائرية كانت قبل ذلك قد أقنعت دولا أخرى مثل جنوب إفريقيا ألا تتدخل في القضية؟ هل توجد دوافع خاصة فرضت على الطرف الروسي أن يتدخل لحماية مصالح معينة لم تكن في الحسبان من قبل؟
وقد تمكن السيد ساويرس، بفضل شخصيته الغامضة، أن يجمع ثروة هائلة في الجزائر بفضل شركة “جيزي” وبفضل مصانع الإسمنت التي اشتراها من الدولة قبل أن يبيعها للفرنسي “لافارج” Lafarge ويحقق أرباحا كبرى. وكانت شركة “جيزي”، ولمدة طويلة، تظهر على أنها تعمل تحت حماية الدولة أو السلطة الجزائرية، فلا أحد يستطيع أن ينتقدها ولا يمكن لأحد أن يرفض طلبات السيد ساويرس. واستغل الرجل الفرصة ليقدم أرقاما مزيفة للضرائب ويحوّل مبالغ ضخمة من العملة الصعبة إلى الخارج، قبل أن تعود إدارة الضرائب وتفرض عليه تصحيحا يفوق نصف مليار دولار…
ولما اشتد الخناق حول ساويرس، وأظهرت السلطات الجزائرية إرادتها في التحكم بالشركة، استطاع هذا الأخير أن يقوم بآخر وأجمل دور له، وهو أن يخرج من اللعبة بعد أن حقق أرباحا كبرى ويضع السلطات الجزائرية أمام طرف جديد لم يكن في الحسبان. وفي مسعاها لمراقبة “جيزي”، ستجد السلطات الجزائرية أمامها متعاملين من روسيا، مع العلم أن هذا البلد يبقى المموّن الأول للجزائر في ميدان الأسلحة، مما يعقد عملية التفاوض في حالة نشوب أي أزمة بين البلدين بعد تلك التي ظهرت قبل ثلاث سنوات لما باعت روسيا للجزائر طائرات حربية لا تصلح.
وبقي على السلطات الجزائرية أن تواصل العملية إلى نهايتها، ولا يمكن اليوم أن تنتهي القضية إلا بصيغة واحدة، وهي أن تتحكم الجزائر في شركة أوراسكوم، سواء بشرائها كاملة أو بشراء الأغلبية فيها. ومن المستبعد أن تدفع الجزائر 7.8 مليار دولار مثلما يطلبه الطرف الروسي. لكن السلطات الجزائرية تملك أوراقا رابحة، منها إمكانية عدم تمديد عقد جيزي بعد انتهاء مدة صلاحيته سنة 2016، ومنها كذلك استعمال مختلف الوسائل للضغط على “جيزي” مما سيؤثر على قيمتها في السوق.
وإلى جانب هذه الجبهة المتمثلة في التحكم بـ “جيزي”، تبقى السلطات الجزائرية مضطرة إلى فتح جبهة أخرى أساسية، وهي التحكم في الرأسمال العصري، والطرق التي تتعامل بها الشركات والبورصات العالمية، وكيفية السطو على المؤسسات من خلال البورصة، ومعرفة السوق العالمية وغيرها. وقد اتضح من خلال قضية “جيزي” أن الجزائر لا تعرف إطلاقا كيف تتصرف في مثل هذه الحالات التي يفرضها الاقتصاد العصري. وقد استطاع ساويرس أن يراوغ الإدارة الجزائرية بفضل المرونة التي يتمتع بها، بينما تبقى البيروقراطية الجزائرية المتمثلة في السيد أحمد أويحيى تتعامل مع اقتصاد القرن الجديد بطرق كانت سائدة في عهد المعتز بالله.