-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

إرادة القـوة

الشروق أونلاين
  • 1404
  • 2
إرادة القـوة

“هل تريد اسماً لهذا العالم؟ وحلاً لجميع ألغازه؟ اعلم أن هذا العالم هو إرادة القوة، ولا شيء آخر غيرها”. نيتشه.أحياناً يكتشف الإنسان هول الضياع الذي يحدق بالروح من خلال بعض المآسي التاريخية، مثل مأساة غزة، التي سيحكم عليها مؤرخو الأجيال القادمة على أنها تفجير لشحنة خارقة من العنف وهيجان نفسي ومرضي لشعب ليس كأي شعب، انتقل من موقع الضحية لآلاف السنين إلى موقع سيادة العالم.

هذا المسار الطويل والأليم والمأساوي في بعض الأحيان، صهر الشعب اليهودي في تقديس هويته وإيمانه القاطع بكونه شعب الله المختار، وحقه المطلق في سيادة العالم.

وانطلاقاً من ذلك، أقامت الحركة الصهيونية بإرادة خارقة وعلى مدى أجيال، سلطة لم يكن لقوتها مثيل في تاريخ أي أمة في العالم.

استطاع اليهود الصهاينة، بالرغم من كونهم لا يمثلون سوى أقلية قليلة على وجه الأرض، أن يؤثروا بصورة مباشرة أو غير مباشرة على جميع الدول الغربية وعلى قطاع واسع من الرأي العام. فكان من الطبيعي أن يثير هذا النجاح الباهر إعجاب الناس واندهاشهم. وفي نفس الوقت يدعونا نحن إلى التساؤل عن سر هذا التطوّر الذي لا يستجيب في غايته للقواعد الأخلاقية ولا لقوانين العدالة السائرة ولا للمصالح الأساسية لهذا الشعب.

   إن الشعب اليهودي الذي يحمل ثقافة التفريق بين البشر- منبت العنصرية- ويتبنى نظرية النقاء العرقي عن إيمان، والواعي بمعاناته التاريخية، اندمج في بناء إرادة القوة التي راح يستثمر فيها بمنهجية وعقلانية، والتي كشفت عن عمق قلقه الداخلي وإحساسه بالضعف الشديد.

غطرسته الكبيرة وتحدّيه للمجتمع الدولي، وإنكاره لأدنى حقوق الشعب الفلسطيني، وبشاعة الحرب التي يشنّها دون هوادة ضد شعب محاصر ومجوّع وأعزل، تنم بلا أدنى شك عن حالة مرضية أكثر مما تعبّر عن مقتضيات المصلحة العليا للدولة. وبحثه المهووس عن الأمن المطلق يدل على افتقاره للرؤية الاستراتيجية (1)، وعلى نقص فادح لديه في العمق التاريخي (2)، وهو دليل كذلك على أنه يعاني من اضطراب وجودي عصابي خطير (3).

 -(1)بحكم أن اشتراط تحقيق الأمن المطلق لأي طرف يؤدي حتماً إلى انعدام الأمن تماماً للطرف الآخر، فإنّه من المستحيل أن تدوم العلاقة في ظل هذه الظروف، ممّا سيؤدي بالضرورة إلى انعدام الأمن العام، أي إلى النقيض ممّا كان منشوداً في الأول.

 -(2)لم تكن للشعب اليهودي أي ذكرى عن دولة قبل 1948، لهذا لا تملك إسرائيل أدنى تجربة في علاقات الجوار ولا في التقلبّات عبر التاريخ الطويل. تخوض حروبها، كما لو أن، بعدها، لا يحق للبشر أن يكون له أي مستقبل ولا العيش في سلام. مع أن أفعالها ستجني لها عكس ما كانت تتوقع منها.

 -(3)يعمل الإسرائيليون على تحضير الرأي العام الدولي لتقبّل فكرة طرد عرب إسرائيل، تحسباً لنقلهم إلى الدولة الفلسطينية المزمع إنشاؤها. فهكذا سيكون بوسعهم أن يعيشوا لوحدهم. لكن من يعيش وحيداً، ويدعي امتلاك الحقيقة ويقبل بالجلوس على مآسي غيره، لا يدري أنه يجري وراء حتفه ويغتال آدميته.

لبلوغ أهدافها، كان على الصهيونية، مثل النازية، أن تبتذل كل القيم الأخلاقية التي قام عليها الشعب اليهودي، لتلقي به في آخر المطاف في أتون الخسة والشماتة التي ستنقلب دون شك عليه.

 حينما يصحو الضمير اليهودي، إن عاجلاً أم آجلاً، سيحاسب كل من تسبّب في هذا الانحطاط الأخلاقي وهذه النكبة التاريخية.

أما العرب، فلا فائدة من إلقاء اللوم عليهم في هذه الأوقات العصيبة. وإن كان لا بد من ذلك يوماً!

تذكرنا المأساة الفلسطينية التي تدور أحداثها حالياً في غزة بقوة، أن المصلحة العليا للدولة لا تعير للعواطف أي وزن.

في اللحظات التي تلبس الشعوب العربية الحداد وتبكي، كما جرت العادة دائماً، على محنتها وأمواتها، تشرع القوى العالمية والإقليمية في شحذ أسلحتها، وتحريك بيادقها في ساحة المعركة، وتضبط حساباتها بكل هدوء.

وليست للأسف لا الخطابات الغوغائية ولا عنتريات بعض الأنظمة هي التي ستغيّر الأمور. إن مشاعر الثورة التي نتقاسمها جميعاً وتحرّك وجداننا أمام الظلم والمأساة التي يتعرض لها الفلسطينيون، لن تغيّر شيئاً طالما أن العرب لم يتوصلوا إلى إدراك مصدر ضعفهم ولم يشرعوا في تجاوزه.

على مدى كل مسيرتهم التاريخية التي تداخلت منذ أربعة عشر قرنا مع تاريخ الإسلام، لم يتمكن العرب من إقامة دول قوية ومحصنة إلا في بدايات الدعوة، طالما أن الجذوة القرآنية لا تزال متقدة. وبعد القرون الأولى بدأت تعود أفكار الشعوبية بقوة لتؤدي بالإمارات الإسلامية إلى الانقسام والتشتت، تبعاً للدورة الخلدونية من الولادة إلى الأفول، لتسقط أحياناً في أحضان دول غير عربية وغير إسلامية.

  منذ ذلك التاريخ، لم يعد للعرب قدرة على بناء دول قوية ومستقرة، وبمشّقة أقاموا هياكل بيرقراطية مرتجلة وجيوشاً تشتغل أكثر على قهر الشعب من اشتغالها على تولّي دفاعها.

هذا الضعف وهذا العجز شبه الوراثي على بناء مؤسسات شرعية تضمن التماسك الاجتماعي وتوّفر الأمن لشعبها، ظلت مثل “الطامة الثالثة عشرة” بالنسبة إلى مصر، لصيقة بالعرب.

إفلاس الدول العربية وتلاشي قوتها وهيبتها أرغمها، حفاظاً على نقائها، على انتهاج سياسة التسلط والتراخي في آن واحد. أي على ما هو نقيض لدولة القانون. مصدر هذا الإفلاس كامن في ذهنية شعوبنا. هو راجع للمفهوم الأساسي للعلاقات الإنسانية. هي القيم الأولية اللاشعورية، التي تملي على الكائن الاجتماعي أنماط حياته وعمله، هي التي لا تتماشى مع النظام السائد في عالم اليوم. فالسلطة ذات الطابع القبلي والعُصبي، تُكتسب بطرق تقصى فيها معايير الجدارة والكفاءة والخبرة. في كل الدول العربية، ممالك وجمهوريات، نجد العائلات الحاكمة هي التي تمثّل السلطة. ولا تشّذ أي دولة عن القاعدة، أيا كانت إيديولوجيتها، علمانية أو إسلامية. ومهما كانت تصرفات الأطياف العشائرية والعُصبية في صراعات السلطة، فإن الروح التي انبثقت منها هي التي ستُلهم عملها في الأخير، وهي الروح النابعة من القيم الكامنة في صلب الأسرة التي تولد من الزواج بين ذوي القربى. 

على الأجيال العربية الجديدة، ولا سيما نخبُها، أن تتحرّر من وطأة التقاليد ومثبطاتها النفسية والاجتماعية، بإدراك القيم الزائفة والمعيقة التي تحملها والنكسات الكثيرة التي تبشّرنا بها..

في انتظار تحقيق هذا “الجهاد” التحرّري، لنتضامن على الأقل مع هذا الشعب الفلسطيني البطل الذي ضحيّنا به على مذابح ضعفنا.   

 (*)رئيس جيل الجديد

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
2
  • حنصالي

    وو نسيت قلت طيشو وراك انت وضعته في الماضى لا تكلمت على النقطة التى تقف عليها وهي الحاضر

    وانا متؤكد المتقوقعين في دائرة الماضى وكذا دائرة الانانية الغريزية انما هم بيولوجيون بحت هؤلاء يشكلون طابورا خامس يتحركون وفق متحركات ثابتة وااكد انهم في تنامى وفى ازدياد

    وما تكسبه من قوة العقل اضعاف مضاعفة ما تكتسبه من الخبرة ضمن عالم متحرك باستمرار لا يثبت علي شيئ

    المرة الجاية نحكيلكم على النسبية والبعاد الثلاث زئد بعد الزمن في العقل هادى حلوة بزاف يا جماعة قاسما بالنازلات ما تنزل

  • حنصالي

    وهذا قصد اخضاعنا لعملية اعادة تشكيل الذهنية العامة من جديد فلو تلاحضون اننا كافراد نعيد تكرار الماضى وهذا سلوك بيولوجى موجود ايضا لدى الحيوان ويعزز الفردية وايضا العقل "الخيال في الحقيقة يجمع هاته العقول الثلاث ماضى ما نرثه من خبرات فى الا وعي والحاضر من هو كامن بعواطفنا وغرائزنا و مستقبل ما يمكن ان يصل اليه ويربطه العقل

    وهكذا نصل الى نضرية الا زمن والمسار اللولبى ولا نعود لنفس النقطة من جديد التى انطلقنا منها بادئ مرة فما تؤخذه من المستقبل وطيشو وراك انت في الحقيقة وضعته فى الماضى وال