-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الأستاذ أحمد تسّة: يَنْهَى عن خُلُق ويأتي مِثْله!

الأستاذ أحمد تسّة: يَنْهَى عن خُلُق ويأتي مِثْله!
ح. م

تم تقديم المقابلة التي أجراها الأستاذ أحمد تسّة مع موقع TSA الإعلامي يوم 18 سبتمبر 2026 على أنها “تشخيص بلا تنازل” لوضع المدرسة الجزائرية، ووُصفت المقابلة أيضًا بأنها ترسم الخطوط العريضة لـ”إعادة تأسيس” المنظومة التربوية. ومن اللحظات الأولى، يتبادر إلى ذهن القارئ بأن الأمر يتعلق بمقابلة قويّة بأفكارها حاسمةً في القضايا التربوية الجوهرية، سيما عندما نقرأ عبارات تصف مدرستنا الحالية بأنها ” ‘برمجية’ بيداغوجية متحجرة”، “تراجعت الجودة فيها شاقوليا”، وبأن القائمين عليها من “الهواة” الذين يعملون بـ”تسرع”، وفق “إيديولوجيا” معينة، وبأن الأمر يحتاج إلى “إعادة تأسيس عاجلة”؛ فضلًا عن تكرار مصطلحات، كأن صاحبها اكتشفها للتوّ، من قبيل “البرمجية البيداغوجية” (Logiciel pédagogique). إن قاموسًا من هذا النوع مؤثر ومثير في آن واحد، ويبعث الاعتقاد لدى القارئ بأن تشخيصا شاملا للمدرسة الجزائرية قد وُضع أخيرًا.

1. وَحَلُ الأيديولوجيا

لكن بمجرد فحص الحجج، تظهر مشكلة أساسية: المقابلة تؤكد أكثر بكثير مما تقدم براهين. فهي تكتفي بجمع تشخيصات عامة، وذكريات، وأحكامًا قيْمية، وعلاقات سببية غير مثبتة. يقول الأستاذ تسّة في وصف من لا يشاطره رأيه بخصوص مكانة اللغة الفرنسية في المدرسة الجزائرية: “ما يشغلهم هو الإقصاء التام للغة الفرنسية من المنظومة المدرسية بأكملها، وليس من الطور الابتدائي فحسب. وها هم بعض السياسيين ذوي التوجّه الوهّابي يتحدثون عن إزالة هذه اللغة من التعليم المتوسط”. ويضيف: “ما كان لمشكلة اللغات أن تُطرح في الجزائر أصلًا لو توفّر شرطان أولهما وضع حدّ حازم للمناورات الأيديولوجية، ذات الأغراض السياسية، التي يقوم بها ممثلو التيار الوهّابي الدولي في الجزائر”! وفي نفس السياق، يضيف: “الأيديولوجيا الوهّابية سرطان يفتك بالذكاء الفردي ويمحو الهويّة الجماعية”.

ويسترسل الخبير المستشار في هذه الأحكام الغريبة دفاعا عن اللغة الفرنسية، قائلا: “وهذا يعني أن الدعاية المناهضة للغة الفرنسية لم تتوقف، … وهذه الدعاية المشينة تصدر عن البالغين: بعض الأولياء، وبعض المعلمين، وأفراد من مهن أخرى، من بينهم وسائل إعلام ناشطة وأحزاب سياسية ذات توجه وهّابي”. أوَليس في هذا الرَّمي العشوائي للآخرين، دون بيّنة ولا سند، غَوْصٌ في وَحَلِ الأيديولوجيا التي ينهانا عنها السيد المستشار؟ أما في شرطه الثاني، فيقول ما لا يختلف فيه اثنان: لا بد من “اعتماد برمجية بيداغوجية ملائمة: برنامج محكم البناء، وطريقة تدريس مناسبة، وأستاذ مؤهل جيدًا، وكتاب مدرسي جذاب”. فمن يقول عكس ذلك، يا تُرَى؟!

نحن نؤمن بأن البيداغوجيا ليست من العلوم الدقيقة، ولذلك فإن الخوض في قضاياها يظل دائمًا مجالا للأخذ والرد ولتعدّد الآراء. ولا شك أن الأستاذ تسة محقّ في عدد من النقاط التي أثارها في المقابلة، ولا سيما حين يلفت الانتباه إلى بعض الاختلالات التي تعرفها المدرسة الجزائرية. غير أن الملاحظة الأساسية على خطابه أن البعد الأيديولوجي (الذي يحذّرنا منه) يكاد يكون حاضرا في كل سطر من المقابلة.

إن أبرز ما يؤرق الأستاذ تسّة هو مكانة اللغة الفرنسية في مدرستنا حيث يشير في خطابه أن معظم التعديلات والإصلاحات التي عرفتها المدرسة تُفسَّر باعتبارها محاولات لضرب الفرنسية وتقليص حضورها… بل يذهب إلى اعتبار أن تقليص اللغة العربية أو إلغائها في بعض شعب البكالوريا تمويه يهدف إلى إخفاء الكيد لمواد أخرى، وعلى رأسها الفرنسية. إنه هوس ما بعده هوس، وعقدة تغذّي نفسها بنفسها.

2. حكاية تتحوّل إلى دليل

ربما لا يوجد في المقابلة ما يكشف هشاشة حجج الأستاذ تسّة أكثر من “شهادة الطلبة الخمسة” التي خُصص لها حيّز كملحق بالمقابلة تحت عنوان “شهادة” (témoignage)، وكأنها وثيقة حاسمة. يروي المستشار قصة خمسة طلبة من الحاصلين على البكالوريا “من جامعة في جنوب البلاد”، رغبوا ذات يوم في دراسة الطب بجامعة تيزي وزو، فإذا بهم، يصرّحون منذ الدرس الأول للأستاذ الذي اقتادهم إلى مكتب رئيس الجامعة بأنهم لا يعرفون الفرنسية، وأعلنوا “بصوت واحد” أنهم “خُدعوا” لأنهم كانوا يسمعون منذ المرحلة الابتدائية “أن الفرنسية لن تنفعهم”حتى “أجهش أحدهم بالبكاء” من مرارة ما أصيب به. واضطروا إلى التسجيل في اختصاص يدرّس العربية. هذا ما رواه الأستاذ تسّة في ملحق مقابلته.

 قد تكون القصة واقعية، وقد تكون جديرة بالتحقيق؛ لكن من أين جاءت القفزة العجيبة من خمسة طلبة إلى أطروحة عن المدرسة الجزائرية كلها؟ خمسة طلبة، مهما كانت نتائجهم، لا يمثلون الجنوب، ولا طلبة الطب، ولا ملايين التلاميذ والطلبة. فمنذ متى صارت حكاية فردية دليلا وطنيا يُبنى عليه حكم على منظومة بأكملها؟ ثم من المقصود بعبارة “كانوا يقولون لنا إن الفرنسية لن تنفعنا” التي يروي صاحبنا أنها من شهادة هؤلاء الطلبة. من كان يقول ذلك؟ الأسرة؟ المعلمون؟ الإدارة؟ وسائل الإعلام؟ المحيط الاجتماعي؟ شبكات التواصل؟ لم ينرنا الأستاذ تسّة بخصوص هوية الفاعل. ومع ذلك تُستعمل الحكاية للانتقال إلى استنتاج واسع عن وجود دعاية معادية للفرنسية وانتشارها في المدرسة والمجتمع.

3. موقفان يستدعيان التأمّل

تحضرنا، بخصوص لغة التدريس التي ينبغي تبنيها بين المعلم والمتعلم، تجربة أستاذ الرياضيات الفرنسي الشهير بيير غريزفار Grisvard (1940-1994) العلماني اليساري -ولم يكن وهّابيًا بل مناهضا لها!- الذي كان يشرف على أطروحتنا وتخرج على يديه أكثر من 10 دكاترة من الطلبة الجزائريين خلال سبعينيات القرن الماضي، وتواصل ذلك حتى وفاته. فعندما علم بإضراب الطلبة المعرَّبين آنذاك احتجاجًا على فرض مواصلة تدريسهم باللغة الفرنسية في جامعة الجزائر، أعلن تأييده لمطلبهم، وكتب أنه لا يجوز وضعهم في “طريق مسدود” (Voie de garage).

ولم يكتفِ بذلك، بل ذهب إلى حدّ طلب تعريب مطبوعته، التي أصبحت بعد ذلك مرجعًا قيّمًا لطلبة السنة الثانية جامعية في الرياضيات، وتعاون مع أحد المدرّسين المفرنسين الذي كان يشرف على رسالته، حتى يتمكّن هذا الأخير من تدريسها باللغة العربية… وتم ذلك كما خُطّط له!

ولعلّ الأستاذ تسّة سيعجب حين يعلم أن هؤلاء الطلبة الذين أشرف عليهم أستاذنا الفرنسي العلماني -وقد توفي بعضهم، وأحيل كل الباقين تقريبا على التقاعد الآن- قد مارسوا تدريس الرياضيات في الجامعات الجزائرية باللغتين العربية والفرنسية، من دون أن تكون لديهم عقدة من أيٍّ منهما.

وتحضرنا أيضًا قصة عالم الفيزياء الأمريكي الحائز على جائزة نوبل، ريتشارد فاينمان Feynman (1918-1988) التي رواها بنفسه في مذكراته، حين دُعي لإلقاء محاضرات في البرازيل إثر نيله الجائزة: كان الجمهور ينتظر أن يخاطبهم باللغة الإنكليزية، غير أن فاينمان قرر، من تلقاء نفسه، أن يلقيها باللغة البرازيلية (البرتغالية)، رغم أنه كان يجهلها، فاستعان بطلابه ومعارفه لإعداد نصوصها بهذه اللغة قبل سفره إلى البرازيل بمدة طويلة، وتدرّب على إلقائها حتى استطاع تقديمها أمام الجمهور، ففاجأ الحاضرين بهذا الخيار اللغوي. وكان منطقه، كما وصفه في مذكراته، يقول إنه يتعيّن على الأستاذ أن يبذل الجهد ليتحدث باللغة التي يفهمها الطالب أو المستمع، لا أن يحمّل المتعلم عبء التكيّف مع لغة الأستاذ!

ووفق منطق هؤلاء العلماء، الذي لا نعتقد أنه يرضي الأستاذ أحمد تسىة، فإن فرض لغة أجنبية ابتداءً من السنة الأولى جامعية -فرنسية كانت أو إنكليزية- على طالب كانت العربية لغةَ تعليمه طوال مساره المدرسي خيار غير موفّق، مهما كان تخصصه، علميًا كان أم أدبيًا. فالانتقال المفاجئ من لغة اعتاد التلميذ أن يتلقى بها معارفه إلى لغة أخرى لا يتعلق بتغيير أداة التواصل فحسب، بل يضيف إليه عائقًا لغويًا في مرحلة يفترض أن يركّز فيها أساسًا على استيعاب المعارف والتعمق في تخصصه. وكان الأولى، إن دعت الحاجة إلى تدريس بعض التخصصات الجامعية بلغة أجنبية، اعتماد انتقال تدريجي ومدروس يتيح للطالب اكتساب المصطلحات والقدرة اللغوية اللازمة بالتوازي مع تكوينه التخصصي، بدل وضعه منذ السنة الأولى أمام حاجز لغوي قد يحول بينه وبين فهم المادة العلمية. فاختيار لغة التدريس ينبغي أن يخدم العملية التعليمية، لا أن يتحوّل هو نفسه إلى عقبة أمام التعلم.

ومن هذا المنظور، ندرك أن الأستاذ أحمد تسّة ومن حذا حذوه يغرّدون خارج السرب. فَلَيْتَهم يَعُون..

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!