المسلسلات الدينية التاريخية.. بين تزييف التاريخ وامتهان الرّموز
تعرف المسلسلات والأفلام الدينية والتاريخية رواجا كبيرا في السنوات الأخيرة، إلى درجةٍ جعلت الإقبال عليها يفوق في كثير من الأحيان الإقبال على المسلسلات والأفلام الأخرى، ما أغرى كثيرا من القنوات التلفزيونية -على اختلاف مشاربها- بالتنافس في عرضها لزيادة عدد مشاهديها، غير آبهة بالفتاوى التي تصدر عن العلماء، وعن الهيئات والمجامع العلمية، تنتقد محتوى بعض تلك الأعمال التي تنتجها -في الغالب- جهات علمانية تلهث خلف الإثارة، وتسعى لإظهار التاريخ الإسلاميّ على أنّه تاريخ عربدة وشهوات، تتقاطع مع جهات شُعوبية، تحاول استغلال الأعمال الدرامية لأجل الترويج لنظرتها السّوداوية للتاريخ الإسلاميّ، ولسير الصّحابة والفاتحين.
العلمانيون واللّهث خلف الإثارة
فطِن العلمانيون في كلّ من تركيا وسوريا ومصر لدور الإعلام عموما، ودور المسلسلات الدينية والتاريخية خصوصا، في صنع وعي المجتمعات المسلمة، وأدركوا أهميتها في إعادة ربط المسلمين برموزهم وبأمجاد تاريخهم، فقاموا بحملة استباقية لتشويه التاريخ الإسلاميّ، وتشويه سِيَر رموزه، مستعينين في ذلك بما كتبه المستشرقون الحاقدون على الإسلام، من أكاذيب تصوّر تاريخ هذه الأمّة على أنّه تاريخ صراع على الملك، وتنافس في الشّهوات، وفي هذا الإطار تندرج أفلام ومسلسلات تاريخية كثيرة، لعلّ من أبرزها المسلسل التّركيّ “حريم السّلطان” الذي صوَّر حياة السّلطان العثمانيّ سليمان القانوني المتوفّى سنة 1566م، والذي كان معروفا بقربه من العلماء ووقوفه عند حدود الشّرع، وقوَته في الحقّ، واهتمامه بالفتوحات، حتى بلغت دولة الإسلام في عهده أقصى اتّساع لها، وأصبح اسمه يلقي الرّعب في قلوب قادة أوروبا، الذين كانوا يلقّبونه بـ “سليمان الرهيب“؛ قال عنه المؤرخ الألماني هالمر: “كان هذا السلطان أشدّ خطرا علينا من صلاح الدين نفسه“، وقال عنه المؤرخ الانجليزي هارولد: “إنّ يوم موته كان يوم عيد للنّصارى“.
هذا السّلطان الفاتح، وحسب المتابعين، صُوّر في مسلسل “حريم السّلطان” الذي غزا بيوت المسلمين، على أنّه كان رجل خمر وجوار، في محاولة من كاتبة سيناريو المسلسل، العلمانية “ميرال أوكاي“، لاستفزاز الإسلاميين في تركيا، وتشويه تاريخ العثمانيين، اعتمادا على مصادر تاريخية لمستشرقين غربيين معروفين بعدائهم للإسلام والمسلمين.
الدراما الإيرانيّة وتزييف حقائق التاريخ
من جهتها، رصدت إيران ميزانيات هائلة للأعمال الدرامية المتخصّصة في التاريخ الإسلاميّ، وسير الأنبياء عليهم السّلام، من المنظور الشيعيّ، تتولى نشرها في ربوع العالم الإسلاميّ أكثرُ من 33 قناة شيعيّة تبثّ على القمر “نايل سات” وحده، فضلا عن قنوات خاصّة محسوبة على العلمانيين، وجدت ضالّتها في هذه الأعمال التي تؤدّي شيئا من الهدف الذي تنشده في امتهان التاريخ وتحريفه، على شاكلة “mbc و“otv” و“أبو ظبي” و“نسمة“، وغيرها.
تركّز الأعمال الدرامية الإيرانية التي تصوّر تاريخ المسلمين على التقليل من مكانة الصّحابة ورجال التاريخ الإسلاميّ، وتصل بعضها إلى حدّ تشويه سيرهم بصورة مزرية، استنادا إلى روايات مكذوبة مختلقة حوتها مصادر تاريخية تجمع الغثّ والسّمين، وربّما تتعمّد تهويل بعض الأخطاء التي بدرت منهم بحكم بشريتهم، وإبرازها على أنّها نابعة عن إضمارهم للشرّ ومشاقّتهم للشّرع وحرصهم على الدّنيا ومناصبها، في مقابل تكتّم هذه الأعمال السينمائية على ما تواتر من المواقف النّادرة للصّحابة والفاتحين، في نصرة الدين والتضحية لأجله بالغالي والنفيس.
تجسيد الأنبياء وامتهان سيرهم.. القطرة التي أفاضت الكأس
في الوقت الذي تمتنع فيه الدراما الإيرانية عن تصوير وجوه من يمثّلون أدوار أئمّة أهل البيت _رضي الله عنهم– أو تعْمَدُ إلى تغطية وجوههم بهالة من النّور، فإنّها في المقابل لا تتورّع عن تجسيد الأنبياء صورة وصوتا، مخالفة في ذلك إجماع علماء الإسلام على حرمة تجسيد الأنبياء –عليهم السّلام– في الأفلام والمسلسلات والتمثيليات، حفظا لمقامهم السامي من الامتهان، ومردّ هذا التّناقض في الدراما الإيرانيّة أنّ الشّيعة يعتقدون أنّ الأئمة الاثني عشر بمن فيهم الإمام الغائب، أفضل من جميع الأنبياء والمرسلين سوى نبيّنا محمّد صلى الله عليه وآله وسلّم، ما يعني في عقيدتهم أنّ الإمام الثاني عشر الغائب أفضل من إبراهيم وموسى وعيسى ونوح عليهم السّلام!، هذه العقيدة التي كانت قبل الدّولة الصفوية حكرا على غلاة الباطنية، أصبحت بعد الدّولة الصفوية إلى يوم النّاس هذا من ضروريات المذهب الشّيعيّ الاثني عشريّ!
ولا يتوقّف الأمر بالدراما الإيرانية إلى حدّ تجسيد الأنبياء صورة وصوتا، بل تتعمّد امتهان سيرهم بصورة تقشعرّ لها الجلود والأبدان، ففي فيلم إبراهيم عليه السّلام مثلا، تعمّد المخرج –حسب بعض المتابعين– إظهارَ مشاهد إعجاب عاطفي متبادل بين من يمثّل دور نبيّ الله إبراهيم الخليل عليه السّلام، والمرأة التي تمثّل دور السيدة سارة، قبل الزّواج، وكأنّ الأمر يتعلّق برجل من عامّة النّاس، وبلغ الأمر في بعض المشاهد –حسب بعض المتابعين دائما– إلى حدّ قول “آزر” لمن يمثّل دور إبراهيم عليه السّلام: “ألن تأتي معنا يا إبراهيم، فقد تكون سارة هناك؟“!، بل إنّ الفيلم تضمّن مقاطع تقدح في العقيدة لا يمكن أن تصدر عن نبيّ، كقول من يمثّل دور الخليل عليه السّلام، حينما أمر بذبح ابنه، وهو يبدي سخطه موجّها رأسه إلى السّماء: “أي خطيئة اقترفتُها كي أجازى عليها بهذا الابتلاء، ترى ماذا فعلت يا ربّ حتى تبتليني بهذا الابتلاء“!
أمّا مسلسل يوسف، الذي لاقى رواجا كبيرا في المجتمعات العربية والإسلاميّة، فعلاوة على تجسيده للنبيين الكريمين يعقوب ويوسف عليهما السّلام، وتجسيد الملكين الكريمين جبرائيل وملك الموت، فقد تضمّن –حسب المتابعين– إساءات بالغة إلى النبيين المعصومين، منها الصّورة التي ظهر فيها الممثلان اللذان يؤدّيان دور النبيين في آخر المسلسل، وهما يركضان ويصرخان، ويسقطان أرضاً مراراً، ومنها أيضا مشهد صفع امرأة العزيز لمن يمثّل دور يوسف عليه السّلام على وجهه، عندما رفض طاعتها في المعصية.
كما لا تغفل الأفلام والمسلسلات الإيرانية الترويج بطريقة مباشرة أو غير مباشرة لبعض العقائد الشّيعية، كعقيدة الانتظار التي تمّ التّلميح إليها في مسلسل يوسف عليه السلام، وهو ينتظر ظهور ولده، واعترف بها بطل المسلسل في مقابلة خاصّة مع إحدى القنوات الشيعية، وعقيدة الإمامة التي تقتضي تفضيل الإمام على النبيّ، عندما رفض الممثّل الذي يؤدّي دور نبي الله يعقوب أن يقبّل يوسفُ يدَه وقال: “أنت لك الولاية على أبيك!”، أي أنّ النبيّ يوسف فضّل على أبيه النبيّ يعقوب لأنّه أوتي الولاية فوق النبوّة!
فيلم النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلّم هل سيكون الحلقة الأخطر؟
فيلم النبيّ محمّد –صلى الله عليه وآله وسلّم– الذي انتهت الدراما الإيرانية من تصويره في انتظار عرضه في إيران شهر فيفري القادم، لا شكّ أنّه سيكون الحلقة الأخطر في هذا المسلسل، مسلسل الإساءة إلى أنبياء الله عليهم السّلام، والتّرويج للفكر الطّائفيّ السّوداويّ، لأنّه علاوة على تجسيده بصورة غير مباشرة لخاتم الأنبياء، وأفضل البشر، فإنّه يعتمد في مادّته على المصادر الشيعيّة التي تصوّر النبيّ –عليه الصّلاة والسّلام– على أنّه ما بُعث إلا لأجل أن يورّث الملك والخلافة لأهل بيته، وأنّه مكث 23 سنة من عمره لا همّ له إلا أن يكون ابن عمّه خليفة له من بعده، وأنّ كبار الصّحابة تآمروا عليه، ولم يمكّنوه من ذلك، حاشاه عليه الصّلاة والسّلام. وهو الذي بعث بما بعث به الأنبياء من قبله لإخراج العباد من عبادة العباد والأوثان إلى عبادة الله الواحد الأحد الديان، ولأجل وضع اللّبنة الأولى في بنيان خير أمّة أخرجت للنّاس، وقد رحل بعد أن بلّغ الرّسالة وأدّى الأمانة وأتمّ المهمّة على أكمل وجه، وترك خلفه جيلا فريدا واصل مسيرته، وحمل الإسلام إلى شرق الأرض وغربها.
هذا الفيلم قد اتّفقت كلمة العلماء وفتاوى المجامع والهيئات العالمية على تحريم متابعته، ودعت حكام المسلمين إلى اتخاذ موقف حازم وصارم تجاه من يقوم بعرضه، كما دعت المسلمين إلى مقاطعته وشجبه والبراءة منه.
لا بدّ من إيجاد البديل
في هذا الزّمان الذي زهد فيه أكثر المسلمين في الدروس والخطب والمحاضرات والكتب، واستعاضوا عنها بالميديا والدراما، أصبح لزاما على المجامع العلمية والهيئات العلمائية أن تتصدّى لهذا الثّغر المهمّ، وتتعاون مع أهل الخير في هذه الأمّة لتمويل مشاريع أعمال درامية ضخمة، تقدّم التاريخ الإسلامي وسير الأنبياء وفق الضّوابط الشّرعية، وفي قالب تشويقي هادف، يتحاشى تجسيد الأنبياء أو مسّ مكانتهم من قريب أو بعيد، ويصوّر الجانب المشرق للتاريخ الإسلاميّ ليكون عزا ونبراسا لأجيال هذه الأمّة، وإن كان هناك من حاجة لإبراز بعض الأخطاء في التاريخ الإسلاميّ لأجل أخذ الدّروس والعبر، فليكن ذلك اعتمادا على ما صحّ من روايات وأخبار.
لقد تمّ إنتاج أعمال مهمّة في هذا الاتّجاه، وهي على نقائصها تمثّل خطوة في الاتّجاه الصّحيح، لكنّها تبقى محدودة ودون المطلوب مقارنة بغزارة الإنتاج العلمانيّ والشّيعيّ.
وفي انتظار أن يتحقّق المرجوّ، فإنّه يتعيّن على الأئمّة والدّعاة أن يحذّروا جماهير الأمّة من الغزو العلمانيّ الشّيعيّ للبيوت والعقول، عبر هذه الأفلام والمسلسلات التي تدسّ المخدّر في العسل المغشوش، وتسيء إلى تاريخ الأمّة وإلى رموزها، خدمة لأهداف طائفيّة ضيّقة، أو لنزوات ليبرالية تسعى لتكريس فكرة أنّ الدّين أفيون الشّعوب.