-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

المغرب المعزول… جزيرة مطوّقة من كل الجهات !

المغرب المعزول… جزيرة مطوّقة من كل الجهات !

16 سبتمبر 2026 — هذا اليوم لن يُنسى في تاريخ منطقتنا. في ذلك اليوم، اجتمع خبران من العاصمتين نيويورك والرباط، ليبدوا للوهلة الأولى منفصلين، ثم ليتضح أنهما وجهان لعملة واحدة: حيث أعلن النظام الملكي المغربي والكيان الصهيوني رفع مستوى العلاقات إلى مستوى سفارات كاملة، وفي الساعات نفسها، وجّهت السلطات المغربية تعميماً حازماً إلى شركات الطيران وموظفي الحدود: يُمنع منعاً باتّاً إركاب أو دخول أي مواطن جزائري لا يحمل إقامة دائمة سارية المفعول في المغرب. لا تأشيرات تُمنح، لا استثناءات إنسانية، لا تبريرات رسمية مقنعة. هكذا أُغلق الباب في وجه الجار الأقرب في اللحظة التي فُتح فيها على مصراعيه أمام الكيان الصهيوني البعيد.
لم يكن هذا التزامن مجرد صدفة. بل كان قراراً مدروساً بكل أبعاده: تطبيع علني كامل يُعلن تحوّلاً استراتيجياً، ومنع دخول يُغلق باب أي تأثير لهذا التحول على الرأي العام. وفيما بعد، تكشّفت التداعيات لتُظهر أن ما حدث لم يكن مجرد تغيير في السياسة الخارجية، بل كان إيذاناً بنهاية مشروع قديم وولادة واقع جديد يعيد رسم خريطة شمال إفريقيا بالكامل.

أولاً: القرار المزدوج
الفرق بين الإجراءين كان صارخاً بلا أي محاولة لإخفائه. في حين أُعلن عن تسهيلات فورية لزوار الكيان الصهيوني، وعن افتتاح بعثات دبلوماسية رفيعة المستوى، وعن اتفاقيات تعاون في الأمن والسياحة والاستثمار — أُغلق الطريق تماماً أمام الجزائريين، بمن فيهم من لديهم أقارب، أو من يزاولون أعمالاً. الاستثناء الوحيد كان لمن يقيمون داخل المغرب بالفعل، وكأنّ المواطن الجزائري لم يعد مرغوباً فيه على أرض الجارة الغربية إلا بصفة “مقيم” لا “زائر”.

ليس من المطلوب أن يأتي التغيير من الخارج؛ فالخارج لا يصنع ثورات، بل يُسرّع ما هو ناضج في الداخل. وما هو ناضج اليوم هو أن الناس قد أدركوا الفرق: بين أن تكون مواطناً يُشارك في القرار، وبين أن تكون رعية يُقرّر الملك مكانك…

ولم يكن هذا الإجراء امتداداً طبيعياً لتوتر سابق فحسب، بل كان قفزة نوعية أبعد من كل ما سبق. صحيح أن العلاقات تدهورت منذ قطعها في أوت 2021، ثم شُدّدت شروط الدخول تدريجياً، ثم أُلغي الإعفاء من التأشيرة في سبتمبر 2024 — لكن ما حدث في 16 سبتمبر 2026 كان شيئاً مختلفاً تماماً: تحويل “الدخول بشروط” إلى “منع مطلق”. التأشيرة تعني الباب مفتوحاً لمن يستوفي الشروط؛ أما المنع المطلق، فيعني إغلاق الباب في وجه الجميع بلا سبب مقنع ولا طريق للطعن.
والأكثر إثارة للدهشة — بل وللإدانة — هو أن الجزائر لم تقابل الإغلاق بالإغلاق. لم تمنع المغاربة من الدخول؛ ظلت تمنحهم التأشيرات وتسمح لهم بالزيارة، وفصلت بوضوح بين “نظام المخزن الذي يتخذ القرارات” و”الرعايا الذين لا ذنب لهم”. وهكذا اتضح الفرق الجوهري بين المنظومتين: دولة تحترم جيرانها وتفرّق بين السياسة والبشر، ونظام يُعاقب الناس على خيارات لا يدّ لهم فيها.

ثانياً: لماذا هذا المنع في هذا التوقيت؟
هنا تتقاطع التحليلات وتتجه جميعها نحو نتيجة واحدة: إن لم يكن هذا الإجراء مفروضاً من الخارج، فهو على الأقل مطلوبٌ لتهيئة “البيئة المناسبة” للتحالف الجديد. فالكيان الصهيوني الذي يعيش عزلة إقليمية متزايدة، ويدخل في حروب استنزاف على أكثر من جبهة، لا يريد أن يأتي إلى المملكة المغربية ويجد الشارع — أو الضيوف — يُذكّرون بحقوق أشقائهم في فلسطين، أو يُظهرون أن هذا المسار مرفوض شعبياً. وإبعاد الجزائريين تحديداً له ما يبرره في هذا السياق: فالجزائر هي الصوت الأوضح والأكثر إصراراً على رفض التطبيع، وموقفها ليس موقف قيادة فقط بل موقف شعب بأكمله. وجود الجزائريين في المغرب سيعني بالتأكيد تلاقياً وتضامناً وكشفاً لزيف الشعارات، وهذا بالضبط ما أراد الطرفان منعه.
إنه “عزل المسرح” قبل بدء العرض: إبعاد كل من قد يُفسد صورة “السلام المشرق” التي يريدون تسويقها. والأخطر من ذلك، أن هذا الإجراء كشف عمق انفصال القرار السياسي في المغرب عن الإرادة الشعبية. فالذين يُمنعون من التعبير عن رأيهم داخل البلد لا يُسمح لهم بلقائهم مع من يشاطرهم الرأي من خارجه. وهكذا يُحاصر الرأي العام من جهتين: لا صوت مسموح به من الداخل، ولا تأثير قادم من الخارج.

هذا ليس تحالفاً عابراً يتبدّل بتبدّل الحكومات، بل هو بناء استراتيجي عميق الجذور. إنه الجواب الطبيعي على سؤال طالما طُرح: “إذا لم نتوحد كجيران عرب، فلماذا لا نبنى معاً ما يجمعنا؟”. والفرق بين المشروعين كالفرق بين الليل والنهار…

وهنا نعود إلى ما لاحظناه بدقة: الفرق بين “الشعب” و”الرعايا”. ففي حين تُفتتح الأحكام القضائية في الجزائر بعبارة “باسم الشعب الجزائري” — إعلاناً صريحاً أن السيادة للجميع — تظل العبارة في المغرب “باسم جلالة الملك”، مما يعني أن العدالة والقرار هبة من السلطة العليا لا حق أصيل للناس. ومن ثمّ، فإن قرار منع الناس من الدخول أو السماح لهم لا يُناقش ولا يُبرّر ولا يُعترض عليه؛ لأنه قرار من “يملك” لا لمن يُخدم.

ثالثاً: “المغرب جزيرة مطوقة”..
المفكر المغربي عبد الله العروي وصف منذ سنوات طويلة المملكة المغربية “بالجزيرة المطوقة”، داعياً إلى استخلاص الدلالة من ذلك: أن الجغرافيا تفرض الاعتماد على الذات وتوحيد الداخل واحترام الجوار. لكن ما حدث في السنوات الأخيرة، وتحديداً في 2026، حوّل الوصف من تحذير إلى واقع مرير — وليس بفعل الطبيعة بل بفعل السياسات نفسها.
من الشمال، تدهورت العلاقات مع إسبانيا إلى أدنى مستوياتها بعد أزمة سبتة في نهاية جويلية 2026، ثم تمرير مجلس النواب الإسباني قانوناً يمنح الجنسية الإسبانية لجميع من وُلد في الصحراء الغربية قبل سبتمبر 1977 وأبناءهم وأحفادهم — وهو قرار لا يُعطى مجرد حقوق مدنية، بل يعيد الاعتراف بوجود فئة بشرية ذات وضع قانوني خاص، بما يقوّض أسطورة “الانتماء التام” للمغرب.
من الجنوب، تقترب ولاية بعثة الأمم المتحدة في الصحراء (المينورسو) من نهايتها في 31 أكتوبر 2026 دون حل، وتستعيد جبهة البوليساريو زخمها ومبادرتها، بينما تبتعد موريتانيا بخطى واثقة عن الاصطفاف القديم.
من الشرق، أُغلق الباب تماماً في وجه المغاربة، فأصبحت الحدود مغلقة بلا استثناء. وفي الوقت نفسه، يبدو كل حليف اختاره النظام في وضع لا يسمح له بتقديم الدعم الفعلي: الكيان الصهيوني غارق في حروب الاستنزاف؛ الولايات المتحدة منشغلة بمواجهة حرب إيران وتداعياتها ومثقلة باختلافاتها الداخلية؛ فرنسا تتراجع نفوذها وتعيش أزمة مؤسساتية عميقة؛ والإمارات العربية المتحدة ممول المغرب، تجد نفسها في قلب التوتر مع إيران ومستنزفة في اليمن والصومال والسودان وليبيا ودول الساحل. وهكذا، بدلاً من أن يجلب التحالف الجديد الأمان، زاد العزلة — ووجد المخزن المغربي نفسه فعلاً “جزيرة متوقة” لا يحيط بها الماء فقط، بل الأسوار التي بناها بنفسه من كل جهة.

رابعاً: اتحاد المغرب العربي مات.. واتحاد جديد يُبني على أنقاضه
لقد طالما قيل إن مشروع اتحاد المغرب العربي قد توقف عند الميلاد، والسبب لم يكن يوماً في الجغرافيا أو التاريخ، بل في طبيعة المشروع نفسه. لقد قُدّم دائماً على أنه مشروع “زعامة واتباع”: قيادة من الرباط، وانصياع من باقي الدول. ومن ثمّ، لم يكن اتحاداً بين أنداد، بل مشروع اندماج تحت شعار “الله – الوطن – الملك” — الشعار الذي لا مكان فيه لكلمة “الشعب” كشريك حقيقي. وطبيعي أن يرفض المستقلون أن يُصبحوا تابعين.

إنه “عزل المسرح” قبل بدء العرض: إبعاد كل من قد يُفسد صورة “السلام المشرق” التي يريدون تسويقها. والأخطر من ذلك، أن هذا الإجراء كشف عمق انفصال القرار السياسي في المغرب عن الإرادة الشعبية. فالذين يُمنعون من التعبير عن رأيهم داخل البلد لا يُسمح لهم بلقائهم مع من يشاطرهم الرأي من خارجه…

اليوم، تتشكل بدلاً منه منظومة إقليمية جديدة، لا تُفرض من عاصمة واحدة ولا تُدار من قصر، بل تنبثق من المصالح المشتركة والإرادات الحرة: الجزائر وتونس والصحراء الغربية وموريتانيا، ثم دول الساحل — مالي والنيجر وبوركينا فاسو التي طردت القوات الأجنبية واستعادت سيادتها — وتشاد وليبيا حين تخرج من أزماتها. هذا تكتل يقوم على الاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والتكامل الاقتصادي والأمني، دون أطماع في توسيع النفوذ أو فرض الوصاية.
والمقومات هائلة: مساحة شاسعة تمتد من المتوسط إلى المحيط الأطلسي ومن حدود المغرب إلى أعماق إفريقيا؛ موارد طاقية ومعدنية وزراعية تكفي لأضعاف عدد سكانها؛ منافذ بحرية مزدوجة على أهم ممرين ملاحيين في العالم؛ قوى بشرية تتجاوز 150 مليون نسمة ومساحة شاسعة؛ وأهم من كل ذلك — إرادة سياسية مستقلة لا تخضع لتوجيه من واشنطن أو باريس أو تل أبيب.
هذا ليس تحالفاً عابراً يتبدّل بتبدّل الحكومات، بل هو بناء استراتيجي عميق الجذور. إنه الجواب الطبيعي على سؤال طالما طُرح: “إذا لم نتوحد كجيران عرب، فلماذا لا نبنى معاً ما يجمعنا؟”. والفرق بين المشروعين كالفرق بين الليل والنهار: القديم يقول “اتبعوني”، والجديد يقول “لنبنِ معاً ما يخدمنا جميعاً”. القديم يخاف الاختلاف فيحاول إلغاءه؛ والجديد يقبله ويبني فوقه.

خامساً: ماذا يتبقى؟..
قد يتساءل البعض: هل ستبقى هذه الكتلة متماسكة؟ وهل لن يطالها ما طال غيرها من التحالفات؟ والجواب يكمن في طبيعة بنائها: فالتحالفات التي تُبنى على المصلحة المباشرة والندّية والاحترام تدوم أطول بكثير من تلك التي تُبنى على الولاء الشخصي أو المال الخارجي. لكن يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: ماذا عن الداخل؟ فعندما يترسّخ هذا الاتحاد الجديد، وتظهر ثماره في استقرار وتنمية وحرية تنقل، لن يبقى بإمكان النظام المغربي إخفاء الفرق. سيرى الرأي العام أن الجيران يفتحون حدودهم ويشقّون طريقهم نحو المستقبل، بينما يُبقون هم محصورين بقرارات لا يملكون تغييرها. وهنا تذكّرنا التجارب التاريخية — من ثورة فرنسا 1789 إلى ثورة إيران 1979 — بأن العزلة الخارجية ما هي إلا مقدّمة للتصدّع الداخلي حين يفقد النظام مبرّرات وجوده.

هكذا أُغلق الباب في وجه الجار الأقرب في اللحظة التي فُتح فيها على مصراعيه أمام الكيان الصهيوني البعيد. لم يكن هذا التزامن مجرد صدفة. بل كان قراراً مدروساً بكل أبعاده: تطبيع علني كامل يُعلن تحوّلاً استراتيجياً، ومنع دخول يُغلق باب أي تأثير لهذا التحول على الرأي العام.

ليس من المطلوب أن يأتي التغيير من الخارج؛ فالخارج لا يصنع ثورات، بل يُسرّع ما هو ناضج في الداخل. وما هو ناضج اليوم هو أن الناس قد أدركوا الفرق: بين أن تكون مواطناً يُشارك في القرار، وبين أن تكون رعية يُقرّر الملك مكانك؛ بين أن تُفتح الأبواب لمن تحب، وبين أن تُمنع من لقاء من تريد؛ بين أن يكون وطنك جزءاً من بناء مستقبلي، وبين أن يُحوّل إلى قلعة معزولة.
لقد اختار الكيان الملكي المغربي أن يُراهن على من يبتعد ويضعف، بدلاً من أن يبني مع من يقترب ويقوى. وحين يتبيّن أن الحلفاء الجدد لا يملكون أنقاذ أحد، وأن الجيران قد توحدوا بدونه، سيكون السؤال الأصعب: من أخطأ في الحساب؟ ومن دفع الثمن؟
التاريخ لا يُعاد نفسه، لكنه يُعطى الدروس مراراً. والدرس هنا بسيط ومؤلم: لا قوة تحميك من الخارج إذا انهار بناك من الداخل، ولا جوار يبقى مفتوحاً إذا أغلقته بنفسك. وسيبقى المستقبل ملكاً لمن يفتح الأبواب لا لمن يغلقها — سواء أراد ذلك أم أبى.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!