-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
"الصالون" السادس عشر للكتاب :

بازار للمطبوعـات، وغـُرَف للدّردشة، وحـمّــام للــزُّوار!..

علي بن محمد
  • 3629
  • 2
بازار للمطبوعـات، وغـُرَف للدّردشة، وحـمّــام للــزُّوار!..

ينعـقـد، في هذه الأيام، بعاصمة البلاد، ما سُمّي “الصالون السادس عشر للكتاب”، هـو، بدون جـدال، موعـد ثقافي ذو تـفرُّد وتميّـز، لا ينكر أحد ما فيه من الجوانب الإيجابية الكثيرة. وهو، بالأخصّ، مناسبة عامة يلتقي فيها مجتمع القراءة، بكل فئاته، مع مَوْرد صاف للمعرفة، لو أنه خلا من المُكـدِّرات المعـتادة، والمنغـِّـصات الـتـقـليدية. ولو أنه عَــِريَ، مرة واحدة، من السلـبـيات الـتي تـتكـرر فيه، وتتراكم، للأسف، عاما بعد عام!…

  •   أجل، إنه لمَـوْرد يَــشـفي الغلـيـل. ولكنه نبْع وقـتيّ، عـمره كعـمر الورد، صبـيحة وعـشيـة!.. ثـم يقضي روّاده ما يتـَبـقــَّى من أيام عامهم في التـشوّف إليه، ومراقبة موعده، يكابدون في انتظاره القحـط المُـبيد، ويعانون في التطلع إليه نوبات الظمَـإ القاتل… حتى يحـطّ “صـالـونُه” الرِّحال، ويدق أوتـاد خيمتـه، (ليس فـي هاتـيـن العبارتـين أيّ مـجـاز!!..) في مُجمّع رياضيّ، هو مِلْءُ السمع والبصر؛ له في أفئدة أغلب الجزائريـيـن منزلة تتجاوز العِـشق والغرام إلى حيثُ تـقـترب مـن العـبادة والـتـقـديس، مضمونا وشكلا… وفي هذا من الدلالات والمغازي الرمزيـة ما لا تخطئه الألحاظ.. ولكنه قـد تعجـز عن وصفه الألفاظ!.. ويكـفي أن ينظر المتأمّـل في الأوضاع إلى المبنى الشامخ للملعب الرياضي، “الأولـمـبـي”، بقامته الفـارعة التي تطاول أعـنـّـة السماء، وهـامته ذات الجلال والكبرياء، وما يتركه منظره الفخم من الهيبة في النفس، والهيمنة المطلقة في الأرجاء..
  •   في هذه الأجـواء، وفي حِـمى السـّادة العـظماء، نـَصَـبوا للكتاب المسكين خـيـمـة الـضِّـعاف الفـقـراء. فلا تـَحـزَنْ أيها الكتاب، وحـسبك أيها الضيف الذي يزورنا “كل سنة مـرة”، حسبك ـ عند هؤلاء القوم ـ شرفا وحُـظـوة، أنك تجاور المبجـّلين، وتحـاذي، في أيام معدودات، الصرح الذي هو المـقـدس طوال أيام السنة!..
  •  ولكن يبقى السؤال المحيـِّر، الذي يَشغـل البال هو: ما الذي أتى بالكتاب من موطنه الذي وُلد وترعـرع فيه، أعني “قصر المعارض”، الـذي هـو أحـق به لأنه في النهاية موضوع بيع وشراء؛ ما الذي جاء به إلى هنا، في حال من يُـهَـرَّب على عجل، ليوضع هنا كما يـوضع المنكوبون في خيمة ضئيلة، عند أقدام هذا العملاق الأولمبي الذي ما فـَـتِـىء عندنا يفـرّخ الأقزام، بالرغم مما يُبذل لهم من الأموال، وما يحاطون به من سامي الرعاية، وما يعاملون به من التبجيل والتدليل…
  •   وكيفما كانت أحوال الكتاب، وأحوال الناس المشرفين عـليه فـي البلاد، المُـقـَـرِّرين منهم والمنـفـِّـذين، ومن هم في منزلة بـين المنـزلتـين، لا هم من أولئـك، ولا هـم من هـؤلاء… فإن موضوع معرض الكتاب، (المُصَوْلـَن، في سنواته القريبة الماضية، لمسايـرة مناخ التـفـسُّخ العـام…)، يَـفـرض على من يتناوله بالحديث استعراض عـدد من التساؤلات التي تـُلحّ على الخواطر، بهذه المناسبة، والتي لا يَكـُفّ المتابعـون لشؤونه عن طرحها، في غـياب مساءلـة نظامية، شـفـّافة، للمسؤولين عنها!.
  •   أوّلاـ إن الشائع، والمشهور عند الراسخين في العلم، أو ذاك ما يدّعـونه، أن الذي كان السبب المباشر في ترحيل معرض الكتاب يرجع، في الأصل، إلى خلاف بين اثـنـتـيـن من مؤسسات الدولة، حول قضايا مالية… وليس الخلاف، في حد ذاته، كيفما كانت أسبابه الخـفية، وطبيعة خلفياته الضاربة ـ ربما ـ في الأعماق، ليس هو الذي يدفع إلى العجب، بل العجب والاستغراب كلاهما يكـْمُنان في موقف الحكومة، (أو قل في موقف الـدولـة، بل الأصحّ عندنا أن تـقول في موقف الـســلـطــة، فهي وحدها التي لها كيان ذو ملامح واضحة، ووجودٌ في الميدان يُـحَـسّ، ويُـلـْمس، ويُـرى… والباقي لباسُ ِزينة، ومساحيق للتجميل والتـزويق..)؛ قـلنا إن العجب والغرابة في موقف السلطة، إذن هو أنها لا تمارس واحدا من وظائفها الرئيسية، وهي المتمثلة في التحكيم بين مؤسساته المتخاصمة، وتترك للقائمين عنها حرية التصرف وفقا لما تمليه أهواؤهم، ونزواتهم، دون مراعاة أو اعتبار للمصلحة العامة. ولا بد لنا هنا من أن نذكـّر بأننا من البلدان القليلة في العالم، بل النادرة، من غير فرنسا، التي يوصف فيها رأس الدولة بأنه “القاضي الأول فـي الـبـلاد”.
  •  ثـانيـا ـ هذا الـصالون، يبدو في وضع كائن مغـترب، تقطـّعـت به السُّبل، لا يعرف أحد متى يـرسو به الـقـَدَر في مستقر له، يجنبه ورُوّادَه بعضا من مظاهر تلك الويلات التي وصفها، فأحسن في وصفها وأجاد، صديقنا الأستاذ الهادي الحسني… ألا يستحق الــكـتـاب التـفاتة كريمة، فـيـَـظفـَـر بمبنىً محترم يُـؤويه، ويَـقـيه حرارة الصيف وبرد الشتاء؛ ويضم شتات كل ما يتصل به من المهـن، والصنائع، والتظاهرات..
  •   ثـالـثـا ـ الملاحظ أن ما ينشر ويطبع، مما ينتجه الجزائريون، ويكرّمون من أجله، يوشك أن يكون محصورا في جنس واحد هو الـروايـة التي توِّجت ملكة، وتربعت بمفردها على عـرش الجلالة. وقد أقبل على مغازلة الكتابة فيها كل من هبّ ودبّ. وربما عالجها جمعٌ غفير ممن لا يفقهون من تقنياتها، ولا من مناهجها وأساليبها، لا قليلا ولا كثيرا. وانقلب الأمر عندهم ـ بغض النظر عن الحرف الذي يستعملونه ـ إلى مجرد رصْفٍ للكلمات، إذا ما أحسنوا وضعها في مواضعها؛ وسـردٍ بارد، ركيك، لهـذيـان فاقـدٍ لكل صلة بفن الرواية الرفيع. والعجيب أنهم يكررون المحاولة، ويجدون في كل مرة من يطبعها ويعرضها للبيع بأثمان لا تصدّق!. ولله در الأعرابيّ الذي هتف في السّوق، “سبحان الله، يَلـْحَنـُون، ويربحون!” (ومعلوم أننا هنا لا نعـرِّض بأساطين هذا الفن عندنا، والذين وهم جديرون بكل تقدير واحترام).
  •  رابـعـا ـ لا نعـذر دُور النشر التي تمنح هذا النوع من الاحتكار لجنس أدبي واحـد، وإنما نجد من الغرائب، أيضا، أن عددا من الروائيين، وغير الروائيين، الذين يُشـْهـرون ألقابهم الأكاديمية الفخفاخة، لا نكاد نعرف لهم إنتاجـا أكاديميا. وبعضهم لم يَرَ لهم أحد لا أطروحات، ولا أبحاثا علمية منشورة بأسمائهم، حتى لقد سمعت من يتساءل كيف تدرّج هؤلاء في سلم الترقيات الجامعية؟..
  •   وفي سياق الحديث عن الجامعيين، فلعله يحق للبعض أن يتساءل، ويسائل، عشرات الجامعات  المزروعة في مدن البلاد وقراها؛ ويخصّ بالذكر منهن أمّهُن، نلك التي احتفلوا “بمرور مائة عام على إنشائها”، أين مئات الرسائل الأكاديمية التي نوقـشت فيها؟. ومن الذي يطبعها لهم ـ في أجواء الإقصاء التي أشرنا إليها، إن لم تقم الجامعات بذلك؟ ولماذا لا نجد لأساتذة أقسام الأدب العربي، والتاريخ، والفلسفة، والشريعة، وعلم الاجتماع، وغيرها من لاختصاصات أثرا يذكر، لا في الصالون ولا خارجه؟ ومن يسائل “ديوان المطبوعات الجامعية” أين حصيلتك مما نشرتـَه لمن أنت قد أنشئت لخدمتهم، وخدمة تلاميذهم، في الأصل؟ أم أنه يكفي أن تتحول منشآت الإنتاج الفكري، كما تحولت المنشآت الأخرى، إلى مجرّد وكالات للاستيراد والبيع؟..
  •  خامسا ـ متى يتم التقويم الصارم لإنتاج دور النشر الخاصة التي تزعم أنها ناشطة في ميدان النشر المشترك لنعرف أولا ما هي هذه الدور التي تروِّج لكـتبها؟ ثم نسألها عن كتب الجزائريين التي تنشر وتروج في بلدان تلك الدور الأجنبية؟، أم أن حال النشر المشترك، كحال ما يسمى” التعاون” عموما، وحيد الاتجاه؟ قد رُسم لتكون فائدته، دائما، لطرف واحد؟
  •  سـادسا ـ وأخيرا، وليس آخرا، لماذا نرى غـُرف الدردشة،  في كل عام، حكرا لفئة معينة، وأسماء معروفة سلفا، وهم، إلا ما ندر، من فئة خاصة من الجزائريـين وأصدقاـئهم المقيمين في الخارج، وضيوفهم من الأجانب المقرّبين؟.. والخلاصة، ألم يحن لأصحاب الشأن الثقافي والفكري من كل التخصصات والمشارب أن يفرضوا تمثيلهم تمثيلا منصفا، وعادلا، في أمثال هذه التظاهرات، لتكون وطنية بحق؟؟.. 
أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
2
  • بجاوي

    شخصيا أصبحت أنفر من المقالات ذات الخط الواحد خصوصا من الذين كانوا في السلطة ثم استقالوا أو أقيلوا بينما كانوا ينتفعون بريع النظام أصبحوا ينتقدون أوينتقمون من كل شيئ . ليس في قلبي شيئ لبن محمد ولكن مقالاته تشبه انتقامات في قالب النصيحة أوالفضيحة . فمن يعيد لبن محمد كرسيه ال

  • بدون اسم

    شكرا سيادة الوزير