-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

عندما تلتحق القوة “ك” بجيش التحرير الوطني (الحلقة الأولى)

الشروق أونلاين
  • 2438
  • 0
عندما تلتحق القوة “ك” بجيش التحرير الوطني (الحلقة الأولى)

في 4 ماي 1958، وقع اشتباك عنيف بين الكوموندو جمال والقوات الفرنسية بتافرنت، بلدية الماين، ولاية عين الدفلة حسب التقسيم الإداري الحالي. تافرنت (عرش بطحية) مجاورة لعرش بني بودوان، معقل الشرير باشاغا بوعلام.

نظمت القوات الفرنسية عملية بحث واسعة لعدة أيام، وكان جيش التحرير قد سدد ضربة موجعة كبدتها انتكاسة عظمى. بالفعل، وقبل أيام قلائل، في 8 أفريل 1958 قامت القوة (ك) المدعمة بقرابة 1000 رجل بتصفية قائدها. لتلتحق بعدتها وعتادها بجيش التحرير الوطني في منطقة عمرونة. ما لبث الجيش الفرنسي أن جهز إمكانيات ضخمة لتعقب الفارين والقبض عليهم، إلا أن جيش التحرير الوطني كان متحسبا لرد فعل كهذا من الجيش الفرنسي. وقام بالتخطيط لاستقبال المنضمين منذ أيام بمجرد اقتناعها بالانضمام الوشيك للقوة (ك) إلى صفوفها وكان الملازم رشيد (بوشوشي) هو من عينه العقيد بوڤرة (سي محمد) للإشراف على هذه العملية الضخمة.

بمجرد وصول العناصر المنظمة، حرص المسؤولون على توزيعهم عبر كامل تراب الولاية، إذ أرسل ما يقارب ثلث العدد إلى ولاية “التيتري” بمنطقة المدية. في حين التحقت فرقة بتعداد مائة رجل بجبال “الظهرة”، شمال المنطقة 3. وما تبقى من العدد تم إرسالهم إلى نواحي جيش التحرير الوطني بالونشريس.

ولكن من هو هذا الجيش، القوة (ك)، التي غيرت انتماءها لتلتحق بجيش التحرير، والتي أثارت غيظ وتكالب الجيش الفرنسي الذي هرع في البحث عنها، مسخراً لذلك إمكانيات أرضية وجوية هائلة؟ كنت قد ذكرت في مساهمة سابقة قصة هذه الجماعة المناهضة للثورة والذي كان يطلق عليها الفرنسيون اسم القوة (ك) أولقوة “كوبيس” اشتقاقا من الاسم الذي أكنوا به بلحاج جيلال عبد القادر قائد هذا “الجيش”. وكان أعضاء هذا الجيش يسمون كذلك “البلحاجيون”. إن بلحاج هو الذي أنشأ هذه المقاومة في أكتوبر 1956 في موطنه “زدَين”، مكان تابع للعطاف بولاية عين الدفلة.

بمباركة وسند من الجيش الفرنسي، جند “كوبيس” أعداداً من شباب المنطقة كما أنزل عنده شبابا توافدوا من العاصمة، وضواحيها هربا من قمع الشرطة والجيش والذين كانوا يعتقدون، عن حسن نية، أنهم التحقوا بجيش التحرير الوطني، لأن بلحاج كان في بداية مغامرته يخفي تواطؤه مع الجيش الفرنسي. كان يزعم لمن راودتهم شكوك حول صدقه بأنه يحيك مؤامرة للجيش الفرنسي وأنه سوف يحاربه عندما يجمع ما يكفي من الأسلحة والذخيرة. وكان يؤكد للمواطنين بأن جيشه هو جيش التحرير الحقيقي.

كان بلحاج مسؤولا هاما في الحزب الوطني “حزب الشعب الجزائري” و”الحركة من اجل نصرة الحريات الديمقراطية”. فهو رجل تاريخي. عرف بلحاج قياديين كبار في المنظمة السرية (التي أسست سنة 1947) منهم محمد بلوزداد (أول قائد للمنظمة السرية)، حسين آيت أحمد، محمد بوضياف، أحمد بن بلة، محمد مروك، جيلالي رقيمي، عمرا آيت حمودة، أحمد محساس، وكان من بين قادة أركان المنظمة السرية. ولأنه تخرج من المدرسة العسكرية بشرشال فقد كلف بمهمة التدريب العسكري.

ففي المزرعة العائلية بزدين انعقد اجتماع اللجنة المركزية الموسعة لحركة نصرة الحريات الديمقراطية في ديسمبر 1948.

في مارس 1950 عندما فككت الشرطة الفرنسية المنظمة السرية، ألقي عليه القبض وحوكم بـ3 سنوات سجنا. إنها الفترة التي تبدل فيها وأصبح “متعاونا” مع مصالح الاستخبارات الفرنسية.

ولقد تصرف مسؤولو الولاية بذكاء إزاء هذه الجماعة المناهضة للثورة والمتمركزة في المنطقة 3 من الولاية الرابعة. ولقد جهد جيش التحرير على تطويقها وإيقاف اتساعها بهدف إبقائها في حدود معقلها زدين. إلا أنه وفي بداية أفريل 1957، قام الكوماندو جمال، بقيادة سي محمد، القائد العسكري للناحية آنذاك، بهجوم على مركز قيادة بلحاج العسكري قتل إثره العديد من أنصار بلحاج من بينهم شقيقه عبد القادر. واضطر الجيش الفرنسي إلى استعمال الطائرات من أجل إنقاذ القوة (ك) وتجنيبها خسائر فادحة. عملية جيش التحرير هذه ساهمت في فضح مخادعة كوبيس وكشف تعاونه مع العدو جهاراً نهاراً.

في ليلة 3 ماي 1958، التحقت دفعة “البلحاجيون” التي أرسلت إلى الونشريس، والتي كان الجيش الفرنسي يلاحقها، التحقت بكوماندو جمال بتافرنت. كان تعدادنا يفوق 450 جندي. وهذا العدد الهائل لم يكن أبداً في صالحنا، بل على العكس، اتضح أنه كان عائقا وسببا في الكثير من الصعاب. لقد وقع الخيار على نظام الكتيبة، خلال مؤتمر الصومام، وهي الوحدة المثلى للقيام بالعمليات الفدائية. كان حجم الكتيبة يتراوح بين 100 و120 رجل، مقسمة إلى 3 فصائل ما يمنحا مرونة كبيرة ويجعل القبض عليها صعب المنال. وعند حالات الضغط الكبير من قبل العدو كان بوسع الكيتبة الانقسام إلى ثلاث وحدات مشكلة فصيلة واحدة لكل منها لتعود وتتجمع في وقت وجيز. إن عدداً من الجنود يضم المئات يشكل هدفاً سهلا للعدو، خاصة عند الغارات الجوية. فالبلحاجيون الجدد غير المدربين على طرقنا القتالية والذين لم يعهدوا القصف، يجعل تشكيلنا واهيا.

عند الفجر، نغادر الدشرة. نتوغل في الغابة. نتموقع على أعلى قمة ويكون الكوموندو في المقدمة. قبالتنا، غابة أخرى، تفصلنا عنها أرض مجردة تكسوها النباتات. عند حلول الصباح، جاءتنا معلومات مفادها أن هناك قوات تزحف ببطء باتجاه الدشرة التي كنا قد غادرناها للتو. علمنا فيما بعد أنها كانت فرقة من عناصر تسمى “قناصة الألب”، قدمت إذن من الناحية الجنوبية، بالنسبة لموقعنا. كان النهار في وضحه، يخيم هدوء مشحون بالضغط. نفس الضغط الذي ينتابنا قبل دوي الطلقات الأولى. لا أحد يتحرك. ننتظر في صمت كامل، ثم بلغتنا معلومة تهافتها الجنود على التوالي؛ أن عساكر يتوافدون على الغابة المقابلة بجماعات صغيرة من دون إحداث أي ضجيج. لقد قدموا من “ذراع الحلفة”، وهو موقع متقدم موجود ببني بودوان. مدة زمنية بطيئة قد مرت. الساعة تشير إلى الثامنة. في الأخير، شرع العساكر ينسلون من الغابة، كانوا يتقدمون في شكل سرب على أرض مكشوفة؛ يسيرون باتجاه الغابة التي كنا متموقعين فيها، تركناهم يقتربون. كانوا كثرة وكانت النباتات كثيفة في بعض البقع، حيث تحجب بعضا منهم، تركناهم يدنون منا أكثر.

أصبح العساكر الأوائل على مقربة عشرة أمتار. فتحنا النيران. أمطروا بوابل من الرصاص. كنت بجانب الرامي بالرشاش. رشاش من نوع “امجي”، ورأيت فوجا بأكمله يقع، حصدتهم الهبة الأولى من الرشاش. “الهجوم” صرخ سي امحمد، قائد الكوموندوو. انطلقنا بشكل خاطف لمهاجمة العساكر، سلبنا جميع الأسلحة وكان هناك “حرْكة”، لا شك أنهم من بني بودوان. خلال هذا الهجوم شهدنا لقطة “جيدو”. كان عسكريا ملقى على الأرض في ظاهره ميت. تقدم رفيق لانتزاع السلاح منه. ما لم يكن في الحسبان نهض العسكري بشقه الأعلى، مسك بالجندي وبحركة ركبتيه رماه عدة أمتار. وكاد يقتل رفيقنا لولا كنا السابقين في قتل “الجيدوكا”.  

جرينا وراء العساكر الهاربين المتراجعين خلف مرتفع صغير. لم نكن قادرين على مطاردتهم. كان ينبغي علينا الكف ومغادرة المكان.

كنا في موقع خطير والعدو في كل مكان. جنوبا كان “قناصة الألب” يزحفون تجاه موقعنا وشمالا توجد أراضي بني بودوان المعادين لنا. كنت أسير جنبا إلى جنب مع قاضي ملياني، صديق منذ الطفولة. كنت قد استرددت ذخيرة وحقيبة ظهر وحان الوقت لاقتسام الغنيمة: جبن، خبز، شكولاطة. كنا جائعين، لم نطعم ليلة البارحة والليلة التي قبلها إلا “المحمصة”. كادت الحقيبة أن تكلفنا الحياة، لملياني ولي. أنا ومن دون حيطة مني حملت الحقيبة على ظهري، وعناصر وهم على الأرجح من “البلحاجيين” ظنوا أننا من عسكر فرنسا، فأطلقوا النار باتجاهي. لم أفهم ما يحدث لي لولا ملياني الذي فهم الخطأ وصرخ لي بأن أرمي الحقيبة.

فجأة، غمر ضجيج الطائرات السماء، وصل ما يقرب من عشرين طائرة ضمنها (ت6، “الميستار”، ب19 وب26، “البايب”ر (“البيوعات” كما كان يسميها الجنود) وهي التي كانت تدل الطائرات والقوات البرية على تحركاتنا في الميدان. بعد تحليقها عاليا في السماء، توجهت آلات الموت صوبنا، تهوي نحونا، ثم تفرغ فوقنا قذائف ووابل من الرصاص لترتفع، ثم تعود على نفس المنوال، وبعد عبور الطائرات القتالية، جاء دور قاذفات القنابل وهي، غالبا، ما تلقي جزافا قنابل كبيرة من دون تحليق منخفض.

فالبلحاجيون ممن التحقوا بصفوفنا لم يكونوا يعرفون هذا النوع من المعارك، أصابهم شيء من الهلع، كانوا يهرعون في كل الاتجاهات، كانوا يتنقلون في مجموعات، الشيء الذي يجعلهم هدفا مفضلا عند الطائرات. سقط وجرح الكثير منهم. رأيت بالقرب مني أشلاء أربعة من الشهداء مزقتهم قذيفة واحدة، كان ينبغي تأطيرهم وتوجيههم لتحديد مسالكهم.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!