-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

عندما يعتدي الصحافيون على العربية!

عندما يعتدي الصحافيون على العربية!

من العناوين اللافتة خلال معرض الجزائر الدولي للكتاب، الذي عُقد الأسبوع الماضي، مجموعة إصدارات موجهة لمعالجة “واقع اللغة العربية في الصحافة الجزائرية”، وفي مقدمتها الإعلام المكتوب، وهي في أصلها نتاج دراسات ميدانية وعلمية ومؤتمرات متخصصة، أشرف عليها المجلس الأعلى للغة العربية طيلة السنوات الأخيرة.
لا شك أن اهتمام المجلس بهذه القضية وجيهٌ جدا، من زاويتين على الأقل، هما: تنفيذ التزاماته الدستورية والقانونية تجاه ترقية استعمال اللغة العربية من جهة، والواقع غير السويّ لوضعها عند الممارسين الصحافيين لأسباب كثيرة، من جهة أخرى.
ذلك أن الصحافة المعرّبة في الجزائر طالما تصدّرت صفوف المنافحين عن التعريب، وناضلت لأجل التمكين للّغة الوطنية في كافة مناحي الحياة العامة، حدث هذا في عزّ الصراع الإيديولوجي والثقافي واللساني منذ مطلع الاستقلال، بين أحفاد ابن باديس وعرّابي باريس، لكن الغريب في العقد الأخير هو بروز رِدّة لغويّة خطيرة، يروّج لها الإعلامُ المعرَّب عن جهل أو عن قصد!
كل قارئ للصحف ومتابع لبرامج القنوات الجزائرية، لا شكّ أنه لاحظ منذ سنوات طغيان الألفاظ الفرنسية بشكل ممجوج، في الكتابات الخبرية وتعاليق المنشطين والمذيعين، والأسوأ أنها تشين صفحاتها الأولى بالبنط العريض!
صحيحٌ أنّ بعض الكلمات دخلت قاموس العامية على نطاق واسع، وصار جائزا -وفق النظريات الصحافية الحديثة- الاستعانة بها، لإيصال الفكرة إلى وعي القارئ بشكل مشحون، لكن تلك المفردات تبقى محدودة جدا، قياسا بثراء اللغة العربية، ولا تبرّر إطلاقا الاستعاضة عنها إلى أي لغة أجنبية.
من المؤسف أنّ بعض الصحافة المعرّبة تتنافس اليوم على تدجين اللغة العربيّة، بل تلويثها عن طريق الفرْنَسة، إذ تستدعي الكلمات اللاتينية من دون أي مبرّر، وتلوي أعناقها، ثم ترسمها بالحرف العربي، فقط من باب مجاراة لغة الشارع، مثلما يستعمل آخرون أسماء مؤسسات خدماتية وإدارية بالأحرف الفرنسية ضمن تقاريرهم لجمهور معرّب.
لقد أعمى منطق التجارة والإشهار والتسويق بصائر البعض، فلم يعد يهمُّه سوى جمع المال، ولو كان ذلك على حساب الضمائر واللغة والمهنة وحتّى القانون، أمّا تهذيب ذوق الجمهور فهو آخر الاهتمامات على سلّم القيم المادية، التي أضحت وحدها المحدِّد لخيارات الإعلام المشوّه.
وما زاد الطينة بلّة منذ 2012، هو تدشين عهد التعدد في قطاع السمعي البصري، هذا الأخير، على محاسنه الكثيرة، ركب بدوره موجة العدوان على لغة الشعب، إذ تصادف مذيعين يتقعّرون في حديثهم، وبركاكة مقرفة يحشرون الفرنسيّة في كل صغيرة وكبيرة، إلى درجة أنّ برامجهم صارت أقرب إلى الإعلام الأجنبي منها إلى الوطني.
حتّى ذلك التبرير الذي يرفعه بعضُهم في وجه الناقدين، لا يصمد كثيرا أمام حقائق الواقع، فهم يتعللون برطانة اللسان الجزائري، الذي أضحى خليطا بين العاميّة والعربية والفرنسيّة، ولكن هذه أيضا مغالطة، لأنّ الجزائر بلد بحجم قارّة، وما ينتشر في بعض مُدنها الحضرية الكبرى لا يستسيغه الناس في مناطق أخرى، أما تباين اللهجات المحلية فهو حكاية طويلة، تتنوع فصولها بين القرى والأعراش المتجاورة، لكن ما نلاحظه هو أنّ الإعلام الجديد يكرّس ثقافة “الحومة” على حساب الوطن الجامع.
ومن المسوغات التي راجت كذلك هو الانقياد لـ”لغة منصات التواصل الاجتماعي”، أي أن الصحافة لم يعد دورها تكريس اللغة المعياريّة والذوق الأدبي واللساني، بل التكيّف السلبي الاستسلامي للمحيط الخارجي.
إن الأمر في هذا السياق لا يتعلق فقط بكثرة الأخطاء النحويّة واللغوية والإملائية والتركيبيّة الناجمة عن ضعف التكوين القاعدي لدى الأجيال الجديدة من منتجات المدرسة الجزائرية وجامعاتها، بل المقصود به أساسًا تشويه لغة التحرير والخطاب والتواصل بألفاظ غريبة عن العربيّة من دون أي ضبط ولا توجيه من مسؤولي الصحف والبرامج التلفزيّة، بل من المؤسف أن يكرّس هؤلاء واقعا مقلوبا حتى يصبح قاعدة غالبة في قاعات الإعلام.
لقد بلغ الوضع مستوى مثيرا ومقلقا بالفعل، وهو اليوم يخص مؤسسات الدولة والقطاع بالأساس، لأنه يمثل تجاوزا، وقبل كل شيء، لقوانين الجمهورية، إذ أن وسائل الإعلام ملزَمة باحترام استعمال اللغة المختارة، عربية أو فرنسية أو غيرها، ولا نقصد فقط قانون تعميم استعمال اللغة العربية، لأنّ ذلك في حكم المغيّب منذ سنوات طويلة، بل قانون الإعلام، ومن واجب سلطات الضبط المختلفة والمخوَّلة، التدخل لوضع الأمور في نصابها الصحيح.
وزارة الاتصال أكدت قبل أيام جاهزيةَ النصوص التطبيقية لسلطتي الصحافة المكتوبة والسمعي البصري، وسيكون من المطلوب على رأس أولوياتها الرقابية الوقوفُ على وضع لغة الضاد عبر كافة المنابر الإعلامية، لأن ذلك من جوهر واجباتها القانونية والمهنية ومقتضيات تحقيق الأمن اللغوي والثقافي والفكري في البلاد مستقبلا، بينما سيؤدي تدريجيا التساهل في تلويث اللغة إلى المساس تلقائيا بمقومات الهوية الوطنية.
كما أنّ الأمل المرجو، بل الواجب الإلزامي يقع الآن على عاتق المهنيّين المُحترفين، والغيورين على ثوابت الهوية، ليفرضوا تقديس العربية، من خلال تفعيل الآليات القانونية ومرافقة السلطات الضبطية والتوجه أكثر نحو فتح نقاشات بينية مع الخبراء والمختصين لتقصّي الظاهرة والخروج بتصورات عملية متكاملة لعلاجها جذريا.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!