عيب وعار علينا!
انهيار أسعار البترول تحوّل أو يكاد يتحوّل إلى “تراجيديا” تأتي على خزينتنا العمومية، واستقرارنا المالي. وبعيدا عن التحليلات والتوقعات التي تبقى شأنا واختصاصا للخبراء والاقتصاديين، أليس من العيب والعار، أن نبقى رهينة صعود ونزول بورصة النفط بعد 56 سنة من الاستقلال؟
أين كنـّا عندما كان آخرون يطوّرون فلاحتهم؟ وأين كنـّا عندما كان آخرون يعتمدون على سياحتهم؟ وأين كنـّا عندما كان آخرون يفعّلون صناعتهم؟.. أين كنـّا يا عباد الله، عندما كان أصدقاؤنا وأعداؤنا ينمّون تجارتهم الداخلية والخارجية؟
لقد ضيّعنا سنوات وجنينا على أنفسنا، وجميعنا يتحمّل المسؤولية، سلطة ومعارضة وأحزابا ومجتمعا وعمالا، فلاحين وصناعيين ومستثمرين وتجارا، حرفيين ومهنيين وفنانين ومعلمين وخبراء وباحثين، فلقد اتكلّ الجميع على مداخيل البترول و”أكل” غلتها بنزينا وغازا ومازوتا!
آه وآه وآه.. فقد ضاع الجمل بما حمل، وضاعت “البقرة الحلوب” بعدما ظلت بين أيادي “واحد يحلب والآخر شاد المحلب”، وأضحى البترول قاب قوسين أو أدنى من الضياع، بعدما جفـّت الأرض ونشف باطن الصحراء!
فات الآون، ووقع الفأس على الرأس.. بل لم يفت الأوان، ولم يقع بعد الفأس على الرأس، فهي فرصة ولو على عجالة، لمراجعة الحسابات وإعادة ترتيب الأوراق، حتى نتفادى الأسوأ، وننجو من الخطر، ولا نصبح على ما فعلنا من النادمين والخاسرين!
كان واضحا منذ البداية، أن البترول، مثلما بدأ سينتهي في يوم من الأيام، لكن لا تحذيرات الخبراء ولا تشخيصهم هزّ وأيقظ الجميع، بل هناك من اعتقد بأن الأمر مجرّد مزحة أو “تكليخة” أو تخويف فقط من المجهول!
القضية يا جماعة الخير، يبدو أنها جدّية، وفي نفاد البترول ثلاث جدّهن جدّ وهزلهنّ جدّ، فلا داعي إذن للتهوين من الموضوع ومواجهته بالتتفيه والتسفيه، ومثلما لا يتطلـّب الترهيب والتهويل، فإنه لا يقتضي أيضا التقليل، وعليه فإن المطلوب هو حلول وبدائل قابلة للتنفيذ!
المرغوب فيه، هو تفجير “ثورات” مستديمة لإنهاء المعضلة، ومعالجة الداء قبل تحوّله إلى وباء لا ينفع معه لا كيّ ولا دواء.. قد نكون بحاجة إلى ثورة زراعية جديدة، وثورة في السياحة، وثورة في الصناعة، وثورة في التجارة، وثورة في الاقتصاد والاستثمار عموما!
وقبل هذه الثورات الشعبية والحكومية، نحن بحاجة إلى ثورة في الأخلاق واحترام الوقت، وثورة ضد العقليات البائدة، وثورة ضد الخمول والتقاعس والتسكّع ومنطق “راقدة وتمنوجي”، وثورة ضد الأنانية والبيروقراطية والرشوة وتهريب المتعاملين والمستثمرين.. فأين أنتم أيها “الثوار” لنتحرّر سويّا من قبضة البترول؟