-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

قبلة الثوّار تقود إفريقيا نحو تجريم الاستعمار

قبلة الثوّار تقود إفريقيا نحو تجريم الاستعمار

تعالت الأصوات في الجزائر منذ سنوات بضرورة التقدّم خطوة شجاعة على طريق الذاكرة والتدافع مع فرنسا، بالذهاب إلى تشريع قانون وطني لتجريم الاستعمار، إذ شهد البرلمان عدة مبادرات في هذا الاتجاه، منذ مطلع الألفيّة الثانية، لكنها ظلت تراوح مكانها في طريقها نحو التجسيد، لتقديرات دبلوماسية مختلفة من السلطات التنفيذية للبلاد.
اليوم قدّرت الإرادة السياسية وقرّرت نهائيا المضيّ بكل شجاعة ومسؤولية نحو تنفيذ المشروع القانوني في سياق المكابرة الفرنسية وتنصّل دولة الاستعمار من كل مسؤولياتها المادية والأخلاقية عن جرائمها الشنيعة في حق الشعب الجزائري طيلة 132 سنة من ممارسات أبشع أنواع الإبادة والنهب والتخريب والإدماج الحضاري بالإكراه وطمس الهوية…
ها هي الجزائر تتحرّر من عقدة الحسابات مع فرنسا، وتشرّع رسميا لتجريم الاستعمار، عبر قانون وطني، سيفتح مرحلة جديدة في إدارة ملف الذاكرة والعلاقات مع المستعمر القديم، إذ لا أمل في مستقبل طبيعي بين البلدين إلا بتسوية ملفات الماضي والتأسيس لعلاقات نديّة قوامها احترام متبادل للسيادة ومراعاة المصالح المشتركة.
إن تجريم الاستعمار في التشريع الجزائري سيضع الدولة أمام مسؤولية تاريخية في ملاحقة فرنسا عن كل جرائمها الاستعمارية، ليس فقط لافتكاك الاعتراف والاعتذار، بل للمطالبة المشروعة بالحق في التعويض عن الأضرار المادية المترتبة عنها، والتعاون الإجباري في ما هو ممكن للتخفيف من آثارها، والتي لا تزال سارية حتى الآن، خاصة في مناطق التجارب النووية وزراعة الألغام على الحدود الجزائرية، ناهيك عن استعادة كامل الأرشيف التاريخي المنهوب.
كما أن وضع قانون وطني لتجريم ممارسات الاستعمار يفترض أن يتيح لبلادنا ملاحقة مجرمي الحرب في الجزائر طيلة عهد الاحتلال، باعتبار أن جرائم الإنسانية لا تسقط بالتقادم، ويمكن، وفق رأي خبراء في القانون الدولي، التأسيس لمحاكم خاصة محلية لمحاكمة هؤلاء.
موازاة مع ذلك، قادت الجزائر مؤخرا معركة أخرى في المستوى الإفريقي، لإسناد مبادرتها في تجريم الاستعمار، من خلال تعبئة الدول الإفريقية للتحرك جماعيا على مستوى القارة، وفي الإطار الأممي، لوضع قوانين موحدة تحفظ الذاكرة الجماعية وتلاحق الاستعمار الذي عانت القارة من ويلاته ولا تزال تدفع ثمنها إلى اليوم.
وقد أثمرت تلك الجهود إطلاق “إعلان الجزائر”، المنبثق عن أشغال المؤتمر الدولي حول جرائم الاستعمار في إفريقيا، الذي عقد مطلع الشهر الجاري، وتبنّى ضمن مخرجاته الرئيسية “30 نوفمبر” يوما إفريقيا لتكريم شهداء وضحايا تجارة الرق عبر الأطلسي والاستعمار والتمييز العنصري، بناء على اقتراح رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، إضافة إلى حزمة مقترحات عملية في تجاه صون الذاكرة والوصول إلى الحقيقة والعدالة والتعويض.
وسيعرض “إعلان الجزائر”، والمنتظر أن يشكّل مرجعا قاريا لتدوين جرائم الاستعمار والاعتراف بنتائجها ووضع إستراتيجية إفريقية للعدالة والتعويضات، على قمة الاتحاد الإفريقي، المزمع عقدها في فيفري 2026 لدراسته والمصادقة عليه.
وتريد الجزائر من خلال خطواتها العملية الواعدة أن تتكفل مفوضية الاتحاد الإفريقي بقيادة جهود النشاط الدولي للاعتراف التاريخي بتأثيرات الاستعمار، حتى يكون لها صدى أوسع وأقوى في إطار عملية جماعية، وفق تعبير الوزير أحمد عطاف.
ولعلّ تتويج السفيرة سلمى مليكة حدّادي بمنصب نائب رئيس مفوضية الاتحاد القاري سيمكّن الجزائر من تفعيل مبادرتها ودورها أكثر في استكمال تصفية الاستعمار بإفريقيا وملاحقة المستعمرين القدامى والجدد منهم.
وفي السياق ذاته، ظلَّت نبرة الرئيس تبون تجاه الماضي التاريخي للاستعمار الفرنسي عالية السّقف، مع تمسّكه بطي عادل وموضوعي لملف الذاكرة، حتى إنه في حوار له مع صحيفة “لوبينيون”، أعلنها بوضوح أنّ التعويضات المتعلقة بالتفجيرات النووية وباستخدام فرنسا للأسلحة الكيميائية في جنوب الجزائر مسألة ضرورية لاستئناف التعاون الثنائي، أي أن الموقف الرسمي الآن يتجاوز الاعتراف إلى الحق في التعويض.
لو يتقاسم زعماء الدول المركزية في إفريقيا هذه الرؤية مع الرئيس تبون، فإنّ الجزائر والقارّة كلها ستكون أمام فرصة تاريخية، لإجبار باريس على النزول من برج الغطرسة الإمبريالية، والتسليم بعهد سيادة المستعمرات السابقة، للتعامل معها بشكل ندّي وبراغماتي يحفظ المصالح المشتركة للجميع، لأجل فتح صفحة جديدة من العلاقات البينية.
إنه لا خيار آخر إلاّ إخضاع فرنسا للإرادة الجماعية لشعوب إفريقيا، غير أنه من الممكن أن تكون المبادرات الوطنية لتجريم الاستعمار محفّزا مهما للتحرك المشترك في المستوى الدولي والأممي، بما يفتح لاحقا المجال للمساءلة الجزائية والمدنية.
لقد صار المطلوب عاجلا من دول القارة المتضررة أن تصدر تشريعاتها الوطنية بتجريم الاستعمار، اقتداء بالجزائر، حيث تقيّد قانونيا كل علاقاتها مع المستعمر القديم بشروط الاعتراف والاعتذار والتعويض عن كافة الجرائم، وإعادة الممتلكات المنهوبة طوال فترة الاحتلال، بل تلزمه بإلغاء كل النصوص الرسمية الممجّدة لماضيه الهمجي.
وبموجب تلك القوانين القطرية، ستؤسّس الجزائر ودول إفريقيا المعنية، ضمن آليات المتابعة الجزائية والمدنية “محكمة جنائية خاصة” داخل أقاليمها، لمحاكمة كل شخص متورّط بأي شكل من الأشكال في تلك الجرائم، مقابل ترسيم حق الضحايا وذوي الحقوق، وكل المنظمات المختصة في رفع دعوى قضائية لدى محكمة العدالة الجنائية، وكذا دعاوى التعويض أمام القضاء العادي.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!