لماذا مَزَّقَ تْرَامْب اتِّفَاقَ أُوبَامَا مَعَ إِيرَان حَوْلَ المِلَفِّ النَّوَوِيِّ؟
بِالرَّغْمِ مِنْ أَنَّ الوِكَالَةَ الدَّوْلِيَّةَ لِلطَّاقَةِ الذَّرِّيَّةِ كَانَتْ تُؤَكِّدُ الْتِزَامَ إِيرَان تَقْنِيّا بِبُنُودِ الاتِّفَاقِ الْمُبْرَمِ مَعَ الْوِلَايَاتِ الْمُتَّحِدَةِ فِي عَهْدِ الرَّئِيسِ بَارَاك أُوبَامَا فِي 2015. إِلَّا أَنَّ الرَّئِيسَ تْرَامْب فِي 2018، اعْتَبَرَ الاتِّفَاقَ مِنْ أَسَاسِهِ «مَعِيباً وَهَيْكَلِيّاً فَاشِلاً»، لِذَا قَرَّرَ الانْسِحَابَ الأُحَادِيَّ مِنْ «خُطَّةِ الْعَمَلِ الشَّامِلَةِ الْمُشْتَرَكَةِ»، وَالْمَعْرُوفَةِ بِالاتِّفَاقِ النَّوَوِيِّ الإِيرَانِيِّ.د
اسْتَنَدَ ترامب فِي قَرَارِهِ إِلَى عِدَّةِ مُبَرِّرَاتٍ سِيَاسِيَّةٍ وَإسْتْرَاتِيجِيَّةٍ، يُمْكِنُ تَلْخِيصُهَا فِي النِّقَاطِ التَّالِيَةِ:
1- اعْتَبَرَ أَنَّ الاتِّفَاقَ كَانَ مُؤَقَّتاً وَغَيْرَ كَافٍ، لِأَنَّ بَعْضَ الْقُيُودِ الْمَفْرُوضَةِ عَلَى تَخْصِيبِ الْيُورَانْيُومِ فِي إِيرَان، كَانَتْ سَتَنْتَهِي بَعْدَ 10 أَوْ 15 عَاما. وَرَأْيُ تْرَامْب أَنَّ هَذَا سَيَسْمَحُ لِإِيرَان بِالْعَوْدَةِ لِتَطْوِيرِ سِلَاحٍ نَوَوِيٍّ فَوْرَ انْتِهَاءِ مُدَّةِ الْقُيُودِ، وَوَصَفَ الاتِّفَاقَ بِأَنَّهُ «يُؤَجِّلُ الْمُشْكِلَةَ وَلَا يَحُلُّهَا».
2- انْتَقَدَ تْرَامْب بِشِدَّةٍ خُلُوَّ الاتِّفَاقِ مِنْ أَيِّ قُيُودٍ عَلَى بَرْنَامَجِ إِيرَان لِلصَّوَارِيخِ الْبَالِيسْتِيَّةِ، إذ كَانَ تَطْوِيرُ صَّوَارِيخِ إِيرَانِيَّةِ قَادِرَةً عَلَى حَمْلِ رُؤُوسٍ نَوَوِيَّةٍ يُمَثِّلُ تَهْدِيداً مُبَاشِراً لِلْمَصَالِحِ الأَمْرِيكِيَّةِ وَحُلَفَائِهَا خَاصَّةً الْكِيَانَ الصَّهْيُونِيَّ، وَهُوَ مَا اعْتَبَرَهُ «ثُغْرَةً كَارِثِيَّةً» فِي نَصِّ الإِتِّفَاقِ.
3- جَادَلَ تْرَامْب بِأَنَّ رَفْعَ الْعُقُوبَاتِ بِمُوجِبِ الاتِّفَاقِ، وَفَّرَ لِإِيرَان سِيُولَةً ضَخْمَةً بِمِلْيَارَاتِ الدُّولَارَاتِ، اسْتَخْدَمَتْهَا طِهْرَان لِتَمْوِيلِ حُلَفَائِهَا فِي الْمِنْطَقَةِ: لُبْنَان، والْيَمَن، والْعِرَاق، وَسُورْيَا، وَزِيَادَةِ نُفُوذِهَا الْعَسْكَرِيِّ.
4- ادَّعَى تْرَامْب أَنَّ الاتِّفَاقَ لَمْ يَمْنَحْ مُفَتِّشِي الْوِكَالَةِ الدَّوْلِيَّةِ لِلطَّاقَةِ الذَّرِّيَّةِ حَقَّ الدُّخُولِ «فِي أَيِّ وَقْتٍ وَأَيِّ مَكَانٍ» إِلَى الْمُنْشَآتِ الْعَسْكَرِيَّةِ “الْمَشْبُوهَةِ”، مُعْتَبِراً أَنَّ نِظَامَ التَّفْتِيشِ كَانَ ضَعِيفاً وَيَسْمَحُ لِإِيرَان بِإِخْفَاءِ أَنْشِطَةٍ سِرِّيَّةٍ.
5- كَانَ تْرَامْب يَرَى نَفْسَهُ «مُفَاوِضاً بَارِعاً» وَاعْتَقَدَ أَنَّ الانْسِحَابَ وَإِعَادَةَ فَرْضِ عُقُوبَاتٍ اقْتِصَادِيَّةٍ خَانِقَةٍ «سِيَاسَةَ الضُّغُوطِ الْقُصْوَى»، سَتُجْبِرُ إِيرَان عَلَى الْعَوْدَةِ إِلَى طَاوِلَةِ الْمُفَاوَضَاتِ لِتَقْدِيمِ تَنَازُلَاتٍ أَكْبَرَ تَشْمَلُ الْمِلَفَّ النَّوَوِيَّ، والصَّوَارِيخَ متوسطة المدى، وَ”السُّلُوكَ الإِقْلِيمِيَّ الْجَدِيدَ” مَعاً.
وَبَعْدَ الانْسِحَابِ، بَدَأَتْ إِدَارَةُ تْرَامْب فِي إِعَادَةِ فَرْضِ عُقُوبَاتٍ اقْتِصَادِيَّةٍ شَامِلَةٍ، شَمَلَتْ قِطَاعَ النَّفْطِ بِهَدَفِ الْوُصُولِ بِصَادِرَاتِ النَّفْطِ الإِيرَانِيَّةِ إِلَى الصِّفْر. وَبِحُلُولِ مَطْلَعِ شَهْرِ مَاي مِنْ عَامِ 2019، قَرَّرَ تْرَامْب إِنْهَاءَ الإِعْفَاءَاتِ الَّتِي كَانَتْ تُمْنَحُ لِبَعْضِ الدُّوَلِ لِشِرَاء الَّنفْطِ الإِيرَانِيِّ، مِمَّا يَعْنِي مَنْعَ أَيِّ دَوْلَةٍ مِنْ شِرَاء النَّفْطِ مِنْ طِهْرَان تَحْتَ طَائِلَةِ الْعُقُوبَاتِ الأَمْرِيكِيَّةِ.
وَلَكِنْ تُشِيرُ بَعْضُ التَّسْرِيبَاتِ مِنَ الْبَيْتِ الأَبْيَضِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، إِلَى أَنَّ ضُغُوطَ تْرَامْب لَمْ تَكُنْ تَهْدِفُ فَقَطْ لِتَعْدِيلِ الاتِّفَاقِ، بَلْ كَانَتْ تَسْعَى إِلَى إِحْدَاثِ تَغْيِيرٍ فِي النِّظَامِ السِّيَاسِيِّ أَوْ عَلَى الأَقَلِّ إِضْعَافِهِ اقْتِصَادِيّا بِشَكْلٍ جِذْرِيٍّ لِإِجْبَارِهِ عَلَى الْعَوْدَةِ إِلَى طَاوِلَةِ الْمُفَاوَضَاتِ بِشُرُوطِ وَاشِنْطُن الْجَدِيدَةِ. كَمَا تَسَبَّبَ هَذَا الْقَرَارُ فِي أَزْمَةِ ثِقَةٍ مَعَ الْحُلَفَاءِ الأُورُوبِّيِّينَ الَّذِينَ اسْتَمَرُّوا فِي مُحَاوَلَةِ الْحِفَاظِ عَلَى الاتِّفَاقِ، مُعْتَبِرِينَ أَنَّ طِهْرَان كَانَتْ تَحْتَرِمُ الْتِزَامَاتِهَا التَّقْنِيَّةَ بِشَهَادَةِ الْوِكَالَةِ الدَّوْلِيَّةِ لِلطَّاقَةِ الذَّرِّيَّةِ.
هُنَاكَ فَرْقا بَيْنَ الْمُعَاهَدَةِ الرَّسْمِيَّةِ (treaty) والاتفاق التنفيذي، فَإِذَا وَقَّعَ الرَّئِيسُ اتِّفَاقِيَّةً وَصَادَقَ عَلَيْهَا مَجْلِسُ الشُّيُوخِ بِأَغْلَبِيَّةِ الثُّلُثَيْنِ، تَصْبَحُ «قَانُونا»، وَالانْسِحَابُ مِنْهَا أَصْعَبُ وَيَتَطَلَّبُ إِجْرَاءَاتٍ قَانُونِيَّةً مُعَقَّدَةً، وَهَذَا مَا وَقَعَ بَيْنَ الْجَزَائِرِ وَفَرَنْسَا فِيمَا يُعْرَفُ بِمُعَاهَدَةِ إِيفِيَان عَامَ 1962، أَوْ الْمُعَاهَدَةِ الَّتِي وُقِّعَتْ عَامَ 1968. أَمَّا الاتِّفَاقُ التَّنْفِيذِيُّ (executive agreement)، مِثْلَمَا وَقَعَ مَعَ إِيرَان، فَهُوَ اتِّفَاقٌ إِدَارِيٌّ وَقَّعَهُ أُوبَامَا بِصِفَتِهِ رَئِيسا. وَيُمْكِنُ أَنْ نَضَعَ التَّغْرِيدَةَ الَّتِي غَرَّدَ بِهَا تْرَامْب فِي نِهَايَةِ عُهْدَتِهِ الأُولَى عِنْدَمَا اعْتَرَفَ بِأَنَّ الصَّحْرَاءَ الْغَرْبِيَّةَ هِيَ “مَغْرِبِيَّةٌ” فِي هَذَا الإِطَارِ. وَفِي الْقَانُونِ الأَمْرِيكِيِّ، أَيُّ قَرَارٍ يَتَّخِذُهُ رَئِيسٌ بِصِفَتِهِ التَّنْفِيذِيَّةِ، يُمْكِنُ لِلرَّئِيسِ الَّذِي يَلِيهِ إِلْغَاؤُهُ بِـ«جَرَّةِ قَلَمٍ» عَبْرَ أَمْرٍ تَنْفِيذِيٍّ آخَرَ.
وَالسُّؤَالُ الَّذِي يَطْرَحُ نَفْسَهُ. هَلْ يَحِقُّ لِلرَّئِيسِ تْرَامْب تَمْزِيقُ الاتِّفَاقِ الَّذِي جرى التَّوْقِيعُ عَلَيْهِ مِنْ طَرَفِ رَئِيسٍ أَمْرِيكِيٍّ مِنْ قَبْلِهِ؟ وَلِلرَّدِّ، إِلَيْكُمُ التَّفْصِيلُ الْقَانُونِيُّ وَالسِّيَاسِيُّ:
1- الْفَرْقُ بَيْنَ «الْمُعَاهَدَةِ» وَ«الاتِّفَاقِ التَّنْفِيذِيِّ»: هَذَا هُوَ السِّرُّ الْحَقِيقِيُّ وَرَاءَ قُدْرَةِ تْرَامْب عَلَى الانْسِحَابِ مِنَ الاتِّفَاقِ النَّوَوِيِّ الإِيرَانِيِّ، إذ أنّ هُنَاكَ فَرْقا بَيْنَ الْمُعَاهَدَةِ الرَّسْمِيَّةِ (treaty) والاتفاق التنفيذي، فَإِذَا وَقَّعَ الرَّئِيسُ اتِّفَاقِيَّةً وَصَادَقَ عَلَيْهَا مَجْلِسُ الشُّيُوخِ بِأَغْلَبِيَّةِ الثُّلُثَيْنِ، تَصْبَحُ «قَانُونا»، وَالانْسِحَابُ مِنْهَا أَصْعَبُ وَيَتَطَلَّبُ إِجْرَاءَاتٍ قَانُونِيَّةً مُعَقَّدَةً، وَهَذَا مَا وَقَعَ بَيْنَ الْجَزَائِرِ وَفَرَنْسَا فِيمَا يُعْرَفُ بِمُعَاهَدَةِ إِيفِيَان عَامَ 1962، أَوْ الْمُعَاهَدَةِ الَّتِي وُقِّعَتْ عَامَ 1968. أَمَّا الاتِّفَاقُ التَّنْفِيذِيُّ (executive agreement)، مِثْلَمَا وَقَعَ مَعَ إِيرَان، فَهُوَ اتِّفَاقٌ إِدَارِيٌّ وَقَّعَهُ أُوبَامَا بِصِفَتِهِ رَئِيسا. وَيُمْكِنُ أَنْ نَضَعَ التَّغْرِيدَةَ الَّتِي غَرَّدَ بِهَا تْرَامْب فِي نِهَايَةِ عُهْدَتِهِ الأُولَى عِنْدَمَا اعْتَرَفَ بِأَنَّ الصَّحْرَاءَ الْغَرْبِيَّةَ هِيَ “مَغْرِبِيَّةٌ” فِي هَذَا الإِطَارِ. وَفِي الْقَانُونِ الأَمْرِيكِيِّ، أَيُّ قَرَارٍ يَتَّخِذُهُ رَئِيسٌ بِصِفَتِهِ التَّنْفِيذِيَّةِ، يُمْكِنُ لِلرَّئِيسِ الَّذِي يَلِيهِ إِلْغَاؤُهُ بِـ«جَرَّةِ قَلَمٍ» عَبْرَ أَمْرٍ تَنْفِيذِيٍّ آخَرَ.
2- صَلَاحِيَاتُ الرَّئِيسِ فِي السِّيَاسَةِ الْخَارِجِيَّةِ: يَمْنَحُ الدُّسْتُورُ الأَمْرِيكِيُّ الرَّئِيسَ سُلْطَةً وَاسِعَةً كَـ«قَائِدٍ أَعْلَى» وَالْمَسْؤُولَ الأَوَّلَ عَنِ الْعَلَاقَاتِ الْخَارِجِيَّةِ. بِمَا أَنَّ الاتِّفَاقَ النَّوَوِيَّ مَعَ إِيرَان كَانَ يَعْتَمِدُ عَلَى «تَجْمِيدِ» الْعُقُوبَاتِ بِقَرَارَاتٍ رِئَاسِيَّةٍ مُؤَقَّتَةٍ، فَإِنَّ تْرَامْب بِبَسَاطَةٍ رَفَضَ تَجْدِيدَ هَذَا التَّجْمِيدِ وَأَعَادَ تَفْعِيلَ الْعُقُوبَاتِ، مِمَّا أَدَّى عَمَلِيّا إِلَى تَمْزِيقِ الاتِّفَاقِ.
3- التَّبِعَاتُ السِّيَاسِيَّةُ مُقَابِلَ الْقَانُونِيَّةِ: قَانُونِيّا، يَحِقُّ لِتْرَامْب الانْسِحَابُ. لَكِنْ سِيَاسِيّا وَدَوْلِيّا، هَذَا التَّصَرُّفُ خَلَقَ إِشْكَالَاتٍ كَبِيرَةً، مِنْهَا فِقْدَانُ الثِّقَةِ، إذ بَدَأَتِ الدُّوَلُ الأُخْرَى تَتَسَاءَلُ، لِمَاذَا نَتَفَاوَضُ مَعَ الرَئِيس تْرَامْب الْيَوْمَ، إِذَا كَانَ مَنْ سَيَخْلُفُهُ سَيُلْغِي كُلَّ شَيْءٍ؟. كَمَا أَنَّ هُنَاكَ عَامِلاً ثَانِياً وَهُوَ الْعُزْلَةُ، إذ عَارَضَتْ كُلٌّ مِنْ فَرَنْسَا وَبِرِيطَانِيَا وَأَلْمَانِيَا وَهُمْ مِنْ حُلَفَاءِ الْوِلَايَاتِ الْمُتَّحِدَةِ هَذَا الانْسِحَابَ، مِمَّا وَضَعَ وَاشِنْطُن فِي عُزْلَةٍ تَامَّةٍ وَمُوَاجَهَةٍ دِبْلُومَاسِيَّةٍ مَعَ أَقْرَبِ شُرَكَائِهَا. وَالسَّبَبُ فِي اسْتِغْلَالِ تْرَامْب لِثُغْرَةِ هَذَا الاتِّفَاقِ، لِأَنَّ أُوبَامَا لَمْ يَسْتَطِعْ تَحْوِيلَهُ إِلَى «مُعَاهَدَةٍ رَسْمِيَّةٍ» بِسَبَبِ مُعَارَضَةِ الْكُونْغْرِس الْجُمْهُورِيِّ آنَذَاكَ، مِمَّا جَعَلَ الاتِّفَاقَ «هَشّا» مِنَ النَّاحِيَةِ الْقَانُونِيَّةِ وَسَهْلَ التَّمْزِيقِ.
وَلَكِنَّ الشَّيْءَ الْغَرِيبَ الْيَوْمَ بَعْدَ أُسْبُوعٍ مِنْ بِدَايَةِ الْحَرْبِ الأمريكية- الصهيونية على إيران، أَنْ يُصَرِّحَ تْرَامْب بِأَنَّهُ لَوْلَا تَمْزِيقُهُ لِتِلْكَ الاتِّفَاقِيَّةِ بَيْنَ أُوبَامَا وَإِيرَان، لَأَصْبَحَتْ إِيرَان تَمْتَلِكُ الْقُنْبُلَةَ النَّوَوِيَّةَ. وَلْنَتَحَقَّقَ مِمَّا إِذَا كَانَ هَذَا الْكَلَامُ مَعْقُولاً وَدَقِيقاً مِنَ النَّاحِيَةِ التَّقْنِيَّةِ وَالسِّيَاسِيَّةِ بَعِيداً عَنِ الْعَوَاطِفِ:
1- وِجْهَةُ نَظَرِ تْرَامْب: يَرْتَكِزُ مَنْطِقُهُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الاتِّفَاقَ، لَمْ يَكُنْ يَمْنَعُ إِيرَان مِنَ الْقُنْبُلَةِ لِلأَبَدِ، بَلْ كَانَ يُؤَجِّلُهَا فَقَطْ، إذ سَمَحَ لِإِيرَان بِالاحْتِفَاظِ بِأَجْهِزَةِ الطَّرْدِ الْمَرْكَزِيِّ وَتَخْصِيبِ الْيُورَانْيُومِ بِنِسَبٍ مُنْخَفِضَةٍ. وَيَرَى تْرَامْب أَنَّ مُجَرَّدَ وُجُودِ «الْبِنْيَةِ التَّحْتِيَّةِ» يَعْنِي أَنَّ إِيرَان يُمْكِنُهَا الْقَفْزُ لِإِنْتَاجِ قُنْبُلَةٍ فَوْرَ انْتِهَاءِ مُدَّةِ الاتِّفَاقِ أَي بَعْدَ 10 أَوْ 15 سَنَةً. كَمَا يُجَادِلُ تْرَامْب بِأَنَّ الأَمْوَالَ الَّتِي تَدَفَّقَتْ لِإِيرَان نَتِيجَةَ رَفْعِ الْعُقُوبَاتِ عَزَّزَتْ قُوَّتَهَا الْعَسْكَرِيَّةِ، مِمَّا سَيَجْعَلُ مَنْعَهَا مِنَ الْقُنْبُلَةِ النَّوَوِيَّةِ مُسْتَقْبَلاً أَمْراً مُسْتَحِيلاً.
2- وِجْهَةُ النَّظَرِ الْمُقَابِلَةِ، لِمَاذَا يُعْتَبَرُ كَلَامُ تْرَامْب مُثِيراً لِلْجَدَلِ؟ يَرَى الْخُبَرَاءُ وَشُرَكَاؤُهُ الأُورُوبِّيُّونَ، أَنَّ انْسِحَابَ تْرَامْب هُوَ مَا سَرَّعَ اقْتِرَابَ إِيرَان مِنَ الْقُنْبُلَةِ، وَلَيْسَ الْعَكْسَ، فَقَبْلَ الاتِّفَاقِ، كَانَتْ إِيرَان تَحْتَاجُ إلى شَهْرَيْنِ فَقَطْ لِإِنْتَاجِ مَادَّةِ اليورَانْيُومِ الْكَافِيَةِ لِصُنْعِ الْقُنْبُلَةِ النَّوَوِيَّةِ. وَلَكِنَّ الاتفَاقَ مَدَّ هَذِهِ الْفَتْرَةَ إِلَى سَنَوَاتٍ كَامِلَةٍ. وَبَعْدَ انْسِحَابِ تْرَامْب وَعَوْدَةِ إِيرَان لِتَّخْصِيبِ بِنِسَبٍ عَالِيَةٍ أَي نحوَ 60%، تَقَلَّصَتْ هَذِهِ الْمُدَّةُ الآنَ إِلَى أَيَّامٍ أَوْ أَسَابِيعَ قَلِيلَةٍ. فَالرَّقَابَةُ بَعْدَ تَمْزِيقِ الاتِّفَاقِ، مَنَعَ الْوِكَالَةَ الدَّوْلِيَّةَ لِلطَّاقَةِ الذَّرِّيَّةِ «أَعْيُناً» دَاخِلَ الْمُنْشَآتِ الإِيرَانِيَّةِ، وَطَرَدَتْ إِيرَان بَعْضَ الْمُفَتِّشِينَ وَأَطْفَأَتْ كَامِيرَاتِ الْمُرَاقَبَةِ، مِمَّا جَعَلَ الْعَالَمَ «أَعْمَى» عَمَّا يَحْدُثُ فِعْلِيّا دَاخِلَ تِلْكَ الْمُنْشَآتِ.
تَصْرِيحُ تْرَامْب فِي الْبَيْتِ الأَبْيَضِ يَوْمَ 5 مَارِس 2026، يَعْكِسُ رَغْبَتَهُ فِي تَرْسِيخِ إِرْثِهِ السِّيَاسِيِّ بِأَنَّهُ كَانَ «الرَّجُلَ الْقَوِيَّ» الَّذِي وَاجَهَ طِهْرَان، حَتَّى لَوْ كَانَتِ النَّتَائِجُ الْمَيْدَانِيَّةُ تُظْهِرُ أَنَّ الْبَرْنَامَجَ النَّوَوِيَّ الإِيرَانِيَّ أَصْبَحَ الآنَ أَكْثَرَ تَقَدُّماً مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ عَامَ 2015. وَانْسِحَابُهُ فِي 2018 هُوَ مَنْ جَعَلَ إِيرَان تَقُومُ بِرفع تَخْصِيبِ اليورَانْيُومِ مِنْ 3,67% وَالْمَسْمُوحِ بِهِ فِي الاتِّفَاقِ إِلَى أَكْثَرَ مِنْ 60% بَعْدَ تَمْزِيقِهِ. وَهِيَ النُّقْطَةُ الَّتِي تُثِيرُ الْجَدَلَ الْيَوْمَ فِي عَامِ 2026 أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ وَقْتٍ مَضَى.
ويرى الْمُحَلِّلُونَ الدِّبْلُومَاسِيُّونَ وَالْعَسْكَرِيُّونَ وَالْخُبَرَاءُ، بِمَا فِي ذَلِكَ الْوِكَالَةَ الدَّوْلِيَّةَ لِلطَّاقَةِ الذَّرِّيَّةِ، أَنَّ تَمْزِيقَ الاتِّفَاقِ أَدَّى إِلَى فِقْدَانِ الرَّقَابَةِ، وَتَقْلِيصِ زَمَنِ الاحْتِرَاقِ، وَالْهُرُوبِ إلى الأَمَامِ، إذ اسْتَخْدَمَتْ إِيرَان الانْسِحَابَ الأَمْرِيكِيَّ كَذَرِيعَةٍ شَرْعِيَّةٍ أَمَامَ الْعَالَمِ لِتَبْرِيرِ تَطْوِيرِ بَرْنَامَجِهَا، مُصَرِّحَةً: «وَاشِنْطُن هِيَ مَنْ نَكَثَتْ بِالْعَهْدِ أَوَّلاً». كَمَا أَنَّ الْفَتْوَى الدِّينِيَّةَ لِلْمُرْشِدِ الْعَامّ عَلِي خَامِينئي، الَّتِي تُحَرِّمُ صِنَاعَةَ الْقُنْبُلَةِ النَّوَوِيَّةِ، هِيَ الْعَقَبَةُ الْوَحِيدَةُ الَّتِي مَنَعَتْ إِيرَان مِنْ صِنَاعَةِ الْقُنْبُلَةِ. قُلْتُ لَوْلَا الْفَتْوَى الدِّينِيَّةُ لِلْمُرْشِدِ الْعَامِ عَلِي خَامِينئي، لَأَصْبَحَتْ إِيرَان دَوْلَةً نَوَوِيَّةً مُنْذُ مُدَّةٍ، لِأَنَّهَا تَمْتَلِكُ الْمُعَادَلَاتِ الْفِيزْيَائِيَّةَ، والطَّرَائِقَ، والآلَاتِ، والْبَرْمَجِيَّاتِ وَحَتَّى الْمَوَادَّ الأَسَاسِيَّةَ لِصِنَاعَتِهَا.
وَحَالِيّاً تَعِيشُ مِنْطَقَةُ الشَّرْقِ الأَوْسَطِ حَالَةَ اسْتِنْفَارٍ قُصْوَى بِسَبَبِ انْدِلَاعِ الْحَرْبِ وَالَّتِي تَحْمِلُ اسْمَيْنِ “زَئِيرُ الأَسَدِ” بِالنِّسْبَةِ لِنَتَنْيَاهُو، وَ”الْمَلْحَمَةُ الْغَاضِبَةُ” بِالنِّسْبَةِ لِتْرَامْب ضِدَّ إِيرَان، وَيَبْدُو أَنَّ الْمَشْهَدَ الْمَيْدَانِيَّ بَعِيدٌ كُلَّ الْبُعْدِ عَنِ الْحَلِّ السَّرِيعِ الَّذِي وَعَدَ بِهِ تْرَامْب وَصَدِيقُهُ نَتَنْيَاهُو، فَإِيرَان الْيَوْمَ بَعْدَ اغْتِيَالِ الْمُرْشِدِ الْعَامِ عَلِي خَامِينئي لَيْسَتْ إِيرَان السَّابِقَةَ، خَاصَّةً بَعْدَ الْخِبْرَةِ الَّتِي اكْتَسَبَتْهَا فِي حَرْبِهَا الأَخِيرَةِ ضِدَّ تْرَامْب وَنَتَنْيَاهُو، فَالْوَضْعُ فِي مِنْطَقَةِ الشَّرْقِ الأَوْسَطِ يَتَّجِهُ نَحْوَ حَرْبِ اسْتِنْزَافٍ إِقْلِيمِيَّةٍ خَطِيرَةٍ وَطَوِيلَةٍ وَشَامِلَةٍ، قَدْ تُؤَدِّي إِلَى انْدِلَاعِ الْحَرْبِ العالميَّةِ الثَّالِثَةِ!