-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

لن يحرّر فلسطين الفاسدون ولا فراعنة مصر

أنور مالك
  • 5556
  • 2
لن يحرّر فلسطين الفاسدون ولا فراعنة مصر

ما يحدث في الغرب يندى له الجبين، حتى أعطى الكثير من الفلسطينيين والعرب عموما نموذجا يسيء لسمعة قضيتهم العادلة، في حين نجد اليهود يشكلون لوبيات لصالحهم وتخدم الشعوب الغربية وتسهر على كثير من المرافق العمومية والمالية التي تجعلهم يكسبون ودّهم ولبّهم…

لأنه لا يعقل أن يتضامن المواطن الغربي مع عربي يراه لا همّ له إلا الإضرار بالآخرين عن طريق نهب أموالهم والترصد لحياتهم بالسوء، ضد يهودي يراه يستثمر أمواله في شركات عملاقة ومشاريع ضخمة تؤمّن لقمة عيش الآلاف، بل ينشطون في المساعدات والتضامن الاجتماعي بما يحبّب الناس فيهم ويجعلهم يقدمون لحلمهم التوراتي كل الدعم والمساندة.

الحكام العرب أنفسهم جعلوا من هذه القضية ملهاة للشعوب فالحاكم العربي وخاصة من دول ما يسمى الاعتدال والتطبيع وعلى رأسهم نظام سوزان وحسني مبارك، كلما أحسّوا بأزمة تهدد عرشهم إلا وسارعوا بهاتف عاجل إلى تل أبيب من أجل إنقاذهم، وطبعا يكون الرد سريعا وعاجلا بتحرك آلة الموت نحو غزّة أو بعمل تخريبي يطال المسجد الأقصى، وهذا الذي يلهي الشعب عن مشاكله الداخلية وبفضل الفضائيات التي أدمنوا عليها وهي تنقل لنا متحدية مشاعرنا صور الموت والقصف والإبادة والجثث المفحّمة، من دون وعي لأهدافها الهدامة من وراء هذا الانفتاح والانتشار. حينها يحول الشعب بوصلته التي كانت تتجه لحكومة بلاده الفاسدة نحو إسرائيل حامية ظهور الحكام بمثل هذه الأمور التي لا يدفع الثمن فيها إلا الأطفال والأبرياء، ولكن مادام الزعماء يذبحون شعوبهم من أجل كراسيهم فلا ضير أبدا أن يبيدوا شعب غزة “الغريب” عنهم لأجل مطامعهم ومصالحهم، وهو الذي نراه واضحا للعيان من مصر “العظيمة” التي تغلق المعابر وتشيد الجدران الفولاذية وتتآمر على قرية “صغيرة” إسمها غزّة.

المقرف الذي لا يمكن تجاوزه أن هذا الحاكم يلجأ أحيانا لحماية الكيان الصهيوني بطريقة مشبوهة للغاية، وأقرب دليل هو فتح معبر رفح من طرف نظام مبارك بعد الاعتداء على “أسطول الحرية” في المياه الدولية للبحر المتوسط والذي وضع إسرائيل على المحك سنرى تداعياته قريبا سواء في المشهد السياسي الداخلي أو حتى الخارجي. فعل ذلك غصبا عنه من أجل أن يفوت فرصة أساطيل أخرى ربما تكون محمية ببوارج العسكر التركي مما يفتح الباب على حرب مفتوحة الطرف فيها هي أنقرة، كما أراد النظام المصري أن يمتص الغضب الدولي العارم على الكيان المحتل.

فإعلان فتح معبر رفح إعلاميا وفي الواقع نجد معاناة كبيرة لا يمكن تخيّلها، وقد قيل أنه سيبقى “مفتوحا” إلى إشعار آخر وأكيد سيأتي هذا الإشعار من حكومة نتنياهو في الوقت المناسب الذي تكون إسرائيل قد استطاعت أن تخرج من المأزق الإنساني والحقوقي الدولي الذي تورطت فيه، ولكن حكامها يتقنون القفز على الجثث المتفحمة وسيقدرون على تجاوز هذا البركان وبدعم أمريكي ومصري مفضوح.

المعارضات بدورها تسترزق بالقضية وتريد أن تجعل منها قميص عثمان الذي تدين به الأنظمة، بالرغم من أن الشارع يحفل بما يعجّل بقطع رؤوس الحكام في مقصلة شعبية، ولكن بسبب نقص الخبرات ومحدودية الرؤى وتوكيل الأمر لغير أهله حوّل من المعارضات التي نجدها في الغرب تصنع البدائل وتحفز على التغيير وتجبر الحكام على الاستجابة لنبض الشارع، إلى مجرد تهريج يظهر في المهرجانات عندما يعارضون استقبال المغني الفلاني لأنه شاذ أو أن الراقصة الفلانية مثيرة للجنس وألبستها فاضحة كأنهم يريدون من هيفاء وهبي أن ترقص وتغني للدعارة وهي منقبة وتتلو الذكر الحكيم، بالرغم من أن أغلبهم يتلذذون بجسدها في جلساتهم الخفية وفي مكاتبهم عبر الشبكة العنكبوتية أو من خلال التحرش بعاملات معهم. كما نجد هذا العبث المعارضاتي يظهر في مآتم أطفال غزّة والعراق، فيجدون الدم الذي يهرق فرصة لتأليب الشارع لأيام ويخطفون خلالها الأضواء والنجومية التي تتيح لهم فرصة بلوغ مراميهم في الاستحقاقات الانتخابية ليتمكنوا من دخول البرلمانات وتقلد المناصب والعيش مجانا بالخدم والحشم في المحميات الأمنية. فعندما تفلس المعارضات في تقديم بدائل ومشاريع شعبية وجماهيرية، تلجأ إلى غزّة الجريحة التي يتعاطف معها كل من في قلبه ذرة من الإنسانية، وهذا من أجل كسب الأنصار والعودة للواجهة الإعلامية للحفاظ على مكاسبهم…

 

من ينسى لا يحرّر أرضا ولا يحمي عرضا

لعلنا نتساءل كم من مرة مزّق الجسد الفلسطيني في مذابح رهيبة منذ أكثر من ستين عاما؟ كم من مرة ونحن نبكي محرقة أشعلت على المباشر؟ كم من قضية طفت للسطح وشغلت الناس لأسابيع أو حتى شهور؟ ولكن كل ذلك يقابل بالنسيان وطيّ الصفحة والوقوف على الأرصفة لانتظار ما يشد انتباهنا ويحرك مقتنا. الشعوب التي تنسى قاتلها وناهبها وخائنها والمعتدي عليها لا يمكن أن تصنع مستقبلا، فاليهود لا يزالون يرددون ما حدث لهم في غابر الأزمان وما قبل الميلاد ويلقنونه عبر تلمودهم لصغارهم حتى وإن كان محرّفا أو ملفّقا، ونحن لا نذكر من الماضي العربي والإسلامي غير مجون إمرؤ القيس وجواري بني أمية ونهتف بتاريخ الأندلس عبر غراميات إبن زيدون أو تناحر القيسية واليمنية.

لقد يراني البعض قاسيا على شعوب تعيش في ظروف مزرية جدا، ولكن أرى أن هذه القسوة مهمة جدّا لأنها لن تصل إلى الفسفور الأبيض ولا تفحّم الجثث بل هي تنفض الحقيقة ولو كانت جارحة ومن أجل النهوض، فالنقد الذاتي مهم والعمل على معرفة أسباب استمرار هذه المأساة الإنسانية هو بدوره يحفّز على وضع القاطرات على سككها الصلبة والصحيحة والسليمة. فلنا تجارب تحررية في التاريخ يمكن أن نستفيد منها ولنا تجربة حية في العالم برمته وتتمثل في الثورة الجزائرية التي استطاعت أن تحقق الاستقلال بعد 132 سنة من عمر الاحتلال، واستقلّ الجزائريون النشامى الذين لا يوجد على أرضهم مقدسا دينيا مثل المسجد الأقصى أو كنيسة المهد ولا كانوا يعولون على الآخرين لتحريرهم ولا أجهض مشروعهم بأسلحة فاسدة قدمت من نظام جمال عبدالناصر، بل انطلقت الثورة عندما تحولت إلى قناعة شعبية وإجماع قلّ نظيره، وصار الوطن هو الشيء المقدس يحرم على أي كان تجاوزه ولو في كوابيس الأحلام.

 إن التعلم من تجارب الآخرين مهم وتجاهل تلك النماذج الناجحة وتحت أي مسمى هو من أقبح ما يرتكبه الفلسطينيون والعرب في حق أنفسهم قبل غيرهم.

أقولها بصراحة ومن دون مقدمات أن الوطن يحرره شعبه ولا يمكن أن يستورد التحرير عن طريق الأقمار الصناعية أو عبر الأنفاق أو بالتعويل على جار مخادع وخائن ومتآمر أو بالاستجمام على منتجعات شرم الشيخ ولا المقاومة تزرع عن طريق المصل في مستشفيات عسكرية. الاستقلال يأتي من داخل يجعل الجميع يلتف حوله إن وجدوا الحماس والإيمان والأمانة والنضال والعفة والطهارة والصدق والفحولة والكبرياء والعدالة والثقة كما كان الأمر في الثورة الجزائرية، أما إن كان أصحاب الشأن يتاجرون بشأن وطنهم ويتناحرون فيما بينهم ويبتزون غيرهم فلا ننتظر من الغرباء أن يهبوا لنجدته حتى وإن كان عرقهم واحد، فالحدود التي صنعها المستعمر وفرضها علينا جعلت أجيالنا من الصعب أن تقفز على هذه المعادلة الحتمية والقدرية… فأخشى ما أخشاه أن يصير الفلسطينيون عالة على الشعوب العربية والإسلامية أيضا كما هو الشأن لدى الأنظمة الرسمية، حينها نقرأ فاتحة الكتاب على كل ما بذله الشرفاء عبر قرون من الكفاح والنضال.

برغم المرارة التي علقت بحلقي وأنا أغوص في أعماق هذه المأساة الإنسانية إلا أنني مضطر أن أختم حديثي الذي لن ينتهي، قائلا:

للقضايا أمم في مستواها روحا وعقلا وجسدا، وللأوطان شعوب تحميها وتناضل لتحريرها، وللمقدسات أيضا فئات قلّت أو كثرت تؤمن بها وتعمل كل ما يليق لأجل تطهيرها من الدنس، ولا يمكن أبدا أن يطهر الدنس بالنجس، كما أنه لا يمكن أن نعول على الطير الأبابيل لتنقذنا ولا دائما للكعبة رب يحميها…

إنتهى

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
2
  • أسامة الجزائري

    نرجوا من بلدنا العظيمة وهي الجزائر ذات التاريخ العظيم ان ترسل اسطول بحري وبري للقضاء علي الكيان الصهيوني وكاتب هذا المقال يجب عليه ان يحمل سلاحة ويذهب الي فلسطين الكلام لا يكفي مثلك مثل مبارك هو يتكلم وانت تتكلم لكن الفرق بينك وبين مبارك انك نابغ جدا في الفتنة اتقي الله واذهب انت وجيش الجزائر حرر فلسطين اتقي الله لكي تعرف مصر تحرك منها الجيش لهزيمة اعتي جيوش الارض وهم التتار اين انت من مصر مصر ولدت بها السيدة هاجر وجة نبينا ابراهيم علية السلام مصر هزمت اسرائيل في حرب 1973 مصر تحرك منها الجيش الاسلامي بقيادة صلاح الدين الايوبي ارنا من انت وبلدك اتقي الله يا منافق

  • خالد

    يا سيد أنور مالك كل ما ذكرت في مقالك هو الحقيقة بعينها وأنا أشاطرك الرأي.