-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

وداعاً، عندَ مقامكَ العارفِ منَ الأبديَّة…

بقلم: ج/ فوغالي
  • 477
  • 0
وداعاً، عندَ مقامكَ العارفِ منَ الأبديَّة…

وداعاً أستاذُ الأساتيذِ، عبد الملك مرتاض، في العلياءِ العارفة بقدْرِكَ والمكانة، ويعرفها أهلُ الأرضِ والسماء، وتعرفُها الطيورُ والأشجارُ والتلالُ والوِهاد، وقدِ ارتقيتَ إليها بعشراتِ الكتبِ النقديةِ في الشعرِ والنثرِ روايةً وقصةً ومقامات، واللغويَّةِ وكنتَ منْ خلالِها حاضراً كأبلغِ ما يكونُ الحضور إيماناً باللغةِ وقدرتِها على استيعابِ اللحظةِ الراهنةِ بكلِّ مفارقاتِها الجماليَّةِ والفنيَّة، والإبداعيةِ روايةً وقصة، وبجحافلِ المتخرجينَ والمتخرِّجاتِ على يديْكَ البيضاويْنِ في عطائهما والكرم، وهمُ الآنَ أساتذةٌ يتنافسون فيما ينبغي أنْ يكونَ التَّنافسُ خدمةً للجامعةِ والمجتمعِ والإنسان…
وقدْ علوتَ بإنسانيتِكَ الرَّفيعةِ ومرحكَ الذي لا نظيرَ لهُ بينَ أقرانكَ على الضَّغائنِ والإحَنِ والصَّغار، فكنتَ الكبيرَ فوقَ الكبارِ سامقاً مديداً، وما انحيتَ أبداً إلاَّ للعلم والمعرفَة، والضحكةُ الصادقةُ الأمارَةُ الباقية وتدلُّ عليكَ وتشيرُ لمقامكَ العليِّ سماحةً ومحبَةً وخلُقاً بهيًّا، ويشهدُ الجميعُ لك بذلكَ ويعترفونَ اعترافَ استحقاقٍ وجدارَة، وأنتَ على ما يؤكدُ العارفونَ سيدُ النكتةِ وكأنَّها تأتيكَ مأمورةً طائعة…
وكنتَ ممعناً في التراثِ العربيِّ شعراً ونثراً حتى لكأنكَ لمْ تغادرهُ أبداً، تقلِّبُهُ ذاتَ اليمنِ نقداً عميقاً وذاتَ اليسارِ عاشقاً ومريداً، وكأنكَ تحملهُ معكَ وبينَ جوانحكَ زاداً وزوَّاداً عبرَ عصورِهِ كلِّها في المددِ من رحيلكَ إليهِ عارفاً ومحبًّا، وتقدمهُ بما يليقُ منْ محبتِكَ أن تقدِّمَهُ فيضاً يعلوهُ الفيضُ بعضُهُ فوقَ بعضٍ إيماناً بهِ واحتساباً، وظللتَ مغرقاً في الحداثةِ حتى لكأنكَ مبدعُها وقدِ ارتويتَ منْ مهدِها ماءً سلسبيلاً بنميرِ لغتِهِ التي تتقنُها قراءةً وترْجمة، ولمْ أسمعكَ في بعضِ لقاءاتنا النادرَة تتحدَّثُ بها، ولا في القليلِ منْ مكالماتنا الهاتفيَّة وقدْ أمدَّني بهاتفك الصدِّيقُ يوسف وغليسي ابنكَ الرُّوحيُّ الوفيُّ في الأوَّلين والآخرين، وقد تتلمذتَ أستاذي النِّحريرُ على خيرةِ النقادِ في الغرب منْ جوليا كريستيفا إلى رولان بارت حتى آلان روب ڤرييهْ سيد رواية النهر، إذْ تتلوَّى بلغتها السردية الحداثية وتيماتِها وشخوصها العارفة، مع غيرهِ منْ كوكبةِ معاصريهِ ومجايليه، ولمْ تفتخرْ بذلكَ على ما أعرفُ ولمْ تتباهَ…
فمَنْ مِنْ أمثالكَ أستاذي المغفورُ لهُ في عليينَ منَ النعيمِ المقيمِ ارتقى رقيَّكَ الأكاديميَّ، فبلغَ بهِ السِّماكَ حضوراً وامتلاءً؟
ومنْ منهمُ أنتجَ ما أنتجتَ مفتخراً ومعتزًّا وترى في ذلكَ ديْناً يجبُ أنْ توفيَهُ كاملاً لأمتك؟
ومنْ منهمُ حبَّرَ ما حبَّرتْ يداكَ نفعاً وخيراً، وهي صدقةٌ جاريةٌ كنتَ لها ندًّا؟
ومنْ منَ الألى عاصروكَ فدبَّجوا ما دبَّجَ قلمكَ والفؤاد، فكنتَ بذلكَ مثالَ الباحثِ الذي جعلَ الكتابةَ الدَّليلَ على الحياةِ والأمارَةَ على الحضور، وما مسَّكَ أبداً منْ نَصَبٍ ولا لُغوب، ولعلَّكَ باخعٌ نفسكَ على آثارِ الكتابَة وأنتَ هنالكَ في نواحي الأبديَّة، ولعلَّكَ تواصلُ حضورَكَ العارفَ بها؟
فشرَّقَ فيضُ حضوركَ الأكاديميِّ في العالمين، وغرَّبَ يحملُ اسمَ الجزائرِ عاليًّا فخراً وامتناناً في المنتديات العلميَّة، وما أكثرها امتلاءَ حضورٍ لا تغطِّيهِ سحائبُ الغيرَةِ ولا تغشاهُ دكنةُ الجاحدين، وهذي المجلاَّتُ المحكمةُ في مشارقِ الأرضِ ومغارِبِها تتسابقُ منْ أجلِ أن تحرزَ قصبَ السبق في نشرِ ما تجودُ بهِ القريحةُ الحيَّةُ منْ معارفكَ التي تتعددُ وتتجدَّدُ منْ كتابٍ لآخر منْ نظريةِ القراءة إلى القصةِ في الأدب العربي ونظريةِ الرواية وما بينَها منَ الألغاز الشعبيَّة الجزائرية إلى العاميَّة الجزائرية وصلتها بالفصحى، وكلُّ ذلكَ خلقٌ يعقبُهُ خلقٌ ويعلو فوق بعض، فيفيضُ بعضُها على بعضٍ بالجدَّة والطرافةِ والسَّبقِ في التيماتِ والمنهجيةِ والاحتكامِ للعقلِ والمنطقِ ولا شيءَ سوى ذلك، وقدْ دعيتَ لتكون بذلكَ عضواً منْ أعضاءِ لجنةِ أميرِ الشعراء، وشاعرِ الرسول بقناة “الشروق” السَّبَّاقةِ للاحتفاءِ بالشعرِ إلى جانب نخبةٍ من الشعراءِ والأكاديميين العارفين…
فهلْ كانَ ينبغي، وأنتَ بينَ يديْ رحمةِ الله، أنْ يعادَ الاعتبارُ لك، وكنتَ رئيسَ المجلسِ الأعلى للغة العربيَّة، فجهرتَ بالحقِّ في حينِه، ولمْ تأخذكَ في قولهِ والصدْحِ بهِ لومةَ لائم أوْ حقدَ حاقد، وأعرفُ ويعرفُ الناسُ كلُّهمُ أجمعونَ ما كان منْ أمر الجهر والصدح بالحقِّ وعواقبه ومآلاته، وغادرتَ متطاولاً إلى كتاباتك تبثُّها منْ جراحاتكَ والآلامَ ما يقوِّي حضورَكَ العلميَّ والأكاديميَّ، فازددتَ إشعاعاً وألقاً ما يزالان يلمعانِ كالذهبِ الخالص، وسيستمرَّان في المكانِ وفي الزمان دهراً منْ بعدِ دهر، وقدْ خلقتَ لذلكَ ومنْ أجلِ كلِّ ذلكَ، وغادرتَ كأنَّما لتقيمَ ها هنا في قلوبنا والأنباضِ، فلا تريمُ ولا تبرحُ مقيماً منَّا في أعالي الشِّغاف…
وداعاً أستاذُ الأساتيذِ طُرًّا وكفى، فأنتَ الآنَ الحيُّ في اتِّساعِ الملكوتِ أبداً…

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!