ياسر عرفات.. آخر الثوّار المحترمين
في 11 نوفمبر 2004، توفي الرئيس الفلسطيني الشهير ياسر عرفات عن عمرٍ جاوز 75 سنة، كانت حافلة بالنضال ضد الاحتلال الصهيوني لبلده، والتضحية والإصرار على تحرير فلسطين مهما طال الزمن. كان عرفات مثالاً للكفاح المستميت من أجل حقوق شعبه برغم كل ضغوط الأعداء ومؤامرات “الأشقاء” وخذلانهم القضية الفلسطينية ونفض أيديهم منها.
انتهج عرفات، منذ شبابه، أسلوب الكفاح المسلح لتحرير فلسطين بالقوة أسوة بالثورة الجزائرية وغيرها، لكنه لم ينجح في ذلك بسبب غلق كل دول الطوق حدودها في وجهه، ليختار تونس منفى له في أوائل الثمانينيات، وتدخل بعدها القضية نفقا مظلما تحت غطاء الحلول السلمية، حاول خلالها الأشقاء قبل الأعداء فرض الاستسلام على الفلسطينيين، فكانت النتيجة تفجير الانتفاضة الأولى في 7 ديسمبر 1987، التي مكّنت عرفات من العودة إلى بلده بعد سنوات طويلة من المنفى، وفقا لاتفاقية أوسلو في سبتمبر 1993.
بعدها خاض عرفات مسار المفاوضات مع إسرائيل حول قضايا الوضع النهائي، لكنه توصل في عام 2000 إلى الاقتناع التام بأن الاحتلال يريد كل شيء دون تقديم أي تنازل حقيقي، فعاد من كامب ديفيد حيث كان يفاوض إيهود باراك وفجر الانتفاضة الثانية في سبتمبر 2000 وقادها بنفسه، وبرغم كل الضغوط الصهيونية والعربية الممارسة عليه، إلا أنه ثبت على نهجه وواصل الانتفاضة، ما جعله يدفع حياته ثمنا لذلك في 11 نوفمبر 2004.
وبعد مرور 11 سنة كاملة على رحيله تبقى الأسئلة معلقة: من اغتال الرئيس عرفات؟ ومن تواطأ معه في هذا الاغتيال؟ وهل يمكن أن تُكشف الحقائق يوماً؟
تعود ذكرى اغتيال عرفات وقد فجّر الفلسطينيون انتفاضة ثالثة، لكنها تختلف هذه المرة عن سابقتيها، فهي ليست انتفاضة حجارة، بل انتفاضة سكاكين ودهس بالسيارات، هي عربون الوفاء للقائد الرمز الذي فجر الانتفاضة الثانية وبقي ثابتاً عليها حتى سقط شهيدا.
التقى الرؤساء السبعة الذين قادوا الجزائر
عرفات اقترح مقولة بومدين نشيدا وطنيا لفلسطين
عندما بلغ الراحل ياسر عرفات سن الثالثة والثلاثين، انتقل تفكيره من الكفاح الفلسطيني ضد الصهاينة لكسب انتصارات سياسية، إلى الحلم بالانتصار في المعركة المسلحة، عندما عاش رفقة الملايين من الفلسطينيين، فرحة استقلال الجزائر، ولكن الرجل بقي بعيدا عن القرار إلى غاية 1969 عندما ترأس منظمة التحرير الفلسطينية، فكان من الزعماء القلائل في العالم الذين التقوا كل رؤساء الجزائر من أحمد بن بلة إلى الرئيس عبد العزيز بوتفليقة.

تأخرت أول زيارة للزعيم الفلسطيني إلى الجزائر، إلى غاية عام 1971، عندما احتضنت الجزائر اجتماعا لدول عدم الانحياز، واستقبل الزعيم الفلسطيني مثل الزعماء الكبار، حيث تواجد بومدين في مطار الدار البيضاء بالجزائر العاصمة لاستقباله، تماما كما فعلها مع كبار العالم ومنهم الزعيمان الكوبي فيدل كاسترو واليوغوسلافي جوزيب بروز تيتو، وبرغم ألم ياسر عرفات بعد نكسة 1967 إلا أنه استغل الاجتماع الذي حضره أكثر من خمسين رئيس دولة، والمئات من الوزراء لكي يلقي خطابا طويلا، كان الأول من حيث أهميته في تاريخ رجل بلغ حينها الثالثة والأربعين، على بعد بضعة أشهر من حرب العبور في 1973.
وقبل وفاة الرئيس الراحل هواري بومدين الذي صار صديقه، اتحد الرجلان تحت ظِلال جبهة الصمود والتصدي التي ضمت سوريا واليمن الجنوبي وليبيا ضمن خط الممانعة، الرافضة بالقول وبالفعل لما قام في الرئيس المصري أنور السادات، من زيارته إلى الأرض المحتلة، وغرقه في اتفاقية كامب ديفيد التي ردّت لمصر سيناء وأضاعت على فلسطين القدس الشريف، وهي المعاهدة التي رفضها بومدين جملة وتفصيلا، واعتبرها خيانة للأمة العربية ولدماء شهداء أكثر من ثلاثين سنة من الكفاح، وبقيت الجملة التي قالها بومدين على مسامع ياسر عرفات: “الجزائر مع فلسطين ظالمة أو مظلومة“، لازمة يكرّرها ياسر عرفات ليس في العشرات من الزيارات التي قادته إلى الجزائر، وإنما في كل بقاع العالم، واقترح أبيات شعر تذكر المقولة لتحويلها إلى نشيد وطني.
وفي اجتماع سبق إعلان قيام الدولة الفلسطينية في نوفمبر 1988، وشدّت دموع الرجل في عزاء الراحل هواري بومدين العالم، حيث بكى بحرقة، وعندما تسلّم الشاذلي بن جديد زمام الرئاسة، أصبحت زيارات الشهيد ياسر عرفات للجزائر، تتكرّر بشكل يكاد يكون شهريا، وتلقت المنظمة في زمن البحبوحة المالية التي عرفتها الجزائر بعد أن بلغ سعر برميل النفط 40 دولارا في أوائل الثمانينات، مساعدات مادية هامة، وعندما اشتدّ حصار الصهاينة للمقاومين الفلسطينيين المتواجدين في لبنان، فتحت جزائر الشاذلي بن جديد أبوابها، وتم نقل المئات من المقاتلين التابعين لحركة “فتح” وبقية التشكيلات الفلسطينية إلى تبسة، وبقية المدن الجزائرية.
ويبقى أهم يوم في حياة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، إعلان الدولة الفلسطينية في الجزائر في الخامس عشر من نوفمبر عام 1988، وهو الإعلان الذي ذرف إثره دموعه وعرف بأن الجزائر إلى جانبه رغم مرورها منذ شهر بمحنة أكتوبر، ومن الصدف أن الفترة القصيرة التي حكم فيها الراحلان علي كافي ومحمد بوضياف تزامنت مع زيارات قصيرة للرئيس عرفات الذي التقاهما، كما التقى الرئيس الجزائري أحمد بن بلة في بغداد، عندما اجتاحت العراق إمارة الكويت، وفي اللحظات الأخيرة قبل بداية “عاصفة الصحراء” في عام 1991، التقى الرجلان في قصر الرئيس العراقي لأول ولآخر مرة، إلى أن تواصل لقاءاته بقادة الجزائر من اليمين زروال إلى عبد العزيز بوتفيلقة قبل وفاته منذ 11 سنة.
القيادي في حماس أحمد يوسف يؤكد لـ“الشروق“:
هناك فارق كبير بين عباس وعرفات الذي عشق الجزائر
عرفات كان يعتبر الثورة الفلسطينية امتداداً لثورة الجزائر
تحدث القيادي في حركة حماس أحمد يوسف بصراحة عن الفارق بين الرئيس الفلسطيني الحالي محمود عباس وسابقه الرئيس ياسر عرفات، كما تحدث عن خصوصية علاقة قائد الثورة الفلسطينية المعاصرة بالجزائر التي أدخلته الأمم المتحدة عام 1974 ليرفع البندقية وغصن الزيتون كخيارين للشعب الفلسطيني، والدولة التي قبلت احتضان إعلان الدولة الفلسطينية في نوفمبر 1988.
بصراحة، ما الفارق بين الرئيس الشهيد ياسر عرفات وخليفته محمود عباس؟
الفرق بين الرئيس الراحل ياسر عرفات وأبو مازن فرق شاسع، أبو عمار بالنسبة لنا الأب وصاحب القلب الكبير والرجل القائد والزعيم الذي يضع حضوره غطاءً للجميع، وهو صاحب وصانع الهوية الفلسطينية، وكلنا نقول هو صاحب الفضل بذلك، أما أبو مازن فلازلنا نتذكره بما هو واقع من إشكاليات، في عهده حدث الخلاف الفلسطيني ـ الفلسطيني، والتصريحات التي أساءت للمقاومة، وفي الوقت الذي حدث فيها خذلانٌ أثناء العدوان على قطاع غزة لم يتحرك بالقدر الكافي، بالإضافة إلى تعليق كافة أوراقه مع أمريكا ومراهنته على خيار المفاوضات ولم يعط للمقاومة شيئاً، فيما أبو عمار كان يفاوض وفي الوقت نفسه يقول لكتائب الأقصى “اعملوا” ويعطيها الحماس والدعم، وفي انتفاضة الأقصى عام 2000 هو الذي أطلق الشرارة، وهو رجل مكافح ويؤمن بالكفاح المسلح على عكس أبو مازن، كما تقول فصائل العمل الفلسطيني انه لا يؤمن حتى بمقاومة الحجارة، فإذا كان الرئيس لا يؤمن بالمقاومة، فكيف نحرر فلسطين؟ هل نحررها ونحن نقبّل لحى الإسرائيليين ولحى الأمريكان؟ لا احد أعطانا شيئا، في أوسلو، ومنذ 23 سنة ولم نحصل على شيء، وهذا يتحمل سببه أبو مازن هو الذي جعل الإسرائيليين يطمعون فينا وشجّعهم على الاستيطان، وفي عهده أكثر من 200 مستوطنة وأكثر من 700 ألف مستوطن بسبب سياسته وإغلاق خيار المقاومة وقطع الطريق أمام العمل المسلح وإلا لما تجرّأ أحد على الأراضي الفلسطينية وبنى المستوطنات، وهو يتحمّل المسئولية الأكبر.

أما الرئيس أبو عمار فتجده على كل لسان بدعاء الرحمة له والكل يتذكره ويتذكر مواقفه وزيارته للجرحى وتقبيل أيديهم وأرجلهم وزيارة أسر الشهداء مع وضع موازنة مالية لهم ويتذكره الجميع أنه القائد الذي قبّل رأس الشيخ ياسين والتقى بعض الأشخاص الذين لديهم خصومة مع السلطة وقام بمصالحتهم ومصالحته مع الرنتيسي واعتباره الشهيد إسماعيل أبو شنب شهيد الثورة، هو الزعيم الذي حمل الثورة والقضية وكوفيته عنوان الثورة وهو الهوية، وله من المزايا والصفات الكثيرة، وخلال التاريخ النضالي حمل البندقية وأسس حركة “فتح” وانطلقت بعملياتها العسكرية وأعطى للفلسطيني احتراما في كافة البلدان، اليوم ضاعت الهوية والقضية، وهذا يتحمله أبو مازن.
جمعت الشهيد “أبو عمار” والجزائر علاقة خاصة، كيف رصدتها كمناضل وباحث؟
الجزائر بالنسبة لأبي عمار هي المشهد النضالي والثوري الكبير الذي تألق ونجح، الجزائر نجحت في ثورتها رغم 132 سنة من الاحتلال الفرنسي، واعتبرها النموذج والمثال، ومنذ البداية علاقته قوية مع الجزائر التي فتحت معسكراتها لتدريب قوات التحرير وقدّمت السلاح للفلسطينيين ليقاتلوا، وكان دائما يجد البلد ليأنس للجلوس فيه وزيارته واستشارة قادته ومجاهديه، لأنه البلد الذي لم يبخل على القضية الفلسطينية بشيء، ونمت هذه الثقافة بين كل الجزائريين، فجعل أبو عمار الثورة الفلسطينية امتداداً للثورة الجزائرية، ونحن نتذكر قادتها وشهداءها، وخير دليل أن الفلسطيني يتلقى في الجزائر أفضل معاملة في المطارات الدولية.
الكاتب الفلسطيني خضر محجز لـ“الشروق“:
عرفات قاد المقاومة والمفاوضات والوحدة الفلسطينية بعبقرية
قال الكاتب الفلسطيني د. خضر محجز، إن الفصائل الفلسطينية لم تكن شريفة في خصامها مع الرئيس الراحل ياسر عرفات، رغم أنها كانت تعرف حقيقته بأنه ثوري، لكنها بحثت عن خلاف إيديولوجي رخيص معه، على حساب الوطن رغم أنه فجّر انتفاضة الأقصى في حقيقة معروفة وبتوجيه مباشر منه، وهو ليس محتاجا إلى شهادات من الفصائل، بل العكس صحيح.
وأضاف محجز أن عرفات أنشأ مؤسساتٍ وهمية لدعم المقاومة والفصائل، وهي تكذب حين تقول إنها لم تتلقّ منه مساعدات، بل كان يموّلها بشكل كامل، وإسرائيل أدركت ذلك بشكل متأخر عندما كشف الشهيد أوراقه على الطاولة وقرر خوض الصراع مع إسرائيل على المكشوف، بعد ما ثبت أن التفاوض مع إسرائيل غير مجدٍ وهي لا تفهم إلا لغة القوة، وقرّر التعامل معهم بالقوة.
ورأى محجز انه لا توجد إرادة دولية ولا إقليمية لكشف ملابسات اغتيال الشهيد عرفات، وتوجد أطرافٌ مشاركة في المؤامرة، ويبدو أن الإرادة المجتمعية في العالم وفي فلسطين غير قادرة على الكشف عن أسماء المشاركين في اغتياله ومواجهة الحقائق.

ووصف محجز أن كل ما يُقال عن التحقيق في اغتياله كذب على الشعب، واتهام الفلسطينيين باغتياله باطل، وترويج الأكاذيب لتستفيد إسرائيل، مضيفا: يبدو أن هناك إرادة سياسية بعدم طرح ملابسات الاغتيال ووجود قوة أكبر ومتآمرة، ولا أحد يصدق أنه من الصعب اكتشاف الشريك الفلسطيني في قتله، هذا كذب.
وأوضح محجز أن ياسر عرفات كان سياسيا ثوريا حقيقيا، ويؤمن بأن الثورة بدون هدف سياسي هي غباء، وقتال أهوج لا قيمة له، ولا توجد ثورة في العالم خاضت بحرا من الدماء ثم لم تجلس على الطاولة، ودائما القتال في جبهة المعركة هدفه تحقيق مطلب سياسي.
وأضاف محجز أن أبو عمار كان يرفض الكثير من الطلبات والإملاءات من الفصائل اليسارية والإسلامية الذي تطالبه بإعلان نفسه ثورياً فقط، وإعلان رفض المفاوضات التي كانت بالنسبة له خطا أحمر كسياسي، فنحن لا نقاتل إلا لنفاوض، وهو معروف من قبل السياسيين العالميين بأنه عبقري سياسة، ولذلك أنظر إلى حال الفصائل الإسلامية الذي تقاتل ولا تُحسن التفاوض.
وكشف محجز أن الشهيد ياسر عرفات ترك للمشروع الفلسطيني حلما كبيرا، وأهم شيء خلفه هو أن الشعب الفلسطيني بوحدته قادر على تحقيق أهدافه، وأعداء فلسطين أدركوا كيف يستطيعون السيطرة على فلسطين وذلك من خلال تفكيك قواه السياسية.
وشدد على أن عرفات آمن بالوحدة الوطنية، وكان يتنازل لفصائل صغيرة في سبيل الحفاظ على الوحدة الفلسطينية كسرّ لقوته، لذلك أدرك أعداؤه نقطة قوة الشعب الفلسطيني فعملوا على تمزيقها، و“الفضل” في ذلك للفصائل الإسلامية، على حد تعبيره.
وذكر محجز أن الشهيد منع حصول الانقسام في زمنه بسبب شخصيته القوية وهو بمثابة الأب الكبير القادر على ضرب أبنائه وقت الحاجة وقادر على إقناع الجميع واحتواء الفصائل جميعا ولو بقي حيا حتى الآن، لم تكن حماس لتتجرأ على الانقسام.
استجابة لطلب أرملته سهى
حماس تُسلم منزل أبو عمار لتحويله إلى متحف وطني
أكّد المتحدث باسم حركة “فتح” فايز أبو عيطة أن حركته تسلمت منزل الشهيد ياسر عرفات بعد اقتناع حماس بالأمر، وبعد مماطلة في تسليمه على مدار السنوات السابقة، بعد السيطرة عليه منذ عام 2007.
وأوضح أبو عيطة لـ“الشروق” أن المؤشرات والدلائل تؤكد أن حركة حماس حسمت أمرها رسمياً بمنع إقامة مهرجان إحياء ذكرى الشهيد الرئيس في مكان عام بقطاع غزة، ليتمكن عشرات الآلاف من عناصرها ومناصريها ومختلف شرائح الشعب الفلسطيني من الوفاء للشهيد الرمز.
بدوره أكد النائب جميل المجدلاوي عضو مجلس أمناء مؤسسة الشهيد ياسر عرفات، أن حركة حماس سلمت منزل الرئيس الراحل ياسر عرفات في غزة مساء أمس الثلاثاء، بالتزامن مع حلول ذكرى استشهاده.
وقال المجدلاوي لـ“الشروق“، أن تسليم منزل ابو عمار سيكون ضمن فعاليات إحياء ذكرى استشهاده الحادية عشرة التي تصادف اليوم الأربعاء، تمهيدا لتحويله إلى متحف وطني بغزة.
وكشف النائب المجدلاوي؛ أن سهى عرفات زوجة الرئيس الراحل أبو عمار، أبلغت حركة حماس بعدم تسليم البيت لأي أحد، ولكن عندما أعلنوا ذلك، بادرت سهى وأرسلت رسالة تقول إنه ليس لديها أي مانع في تسليم المنزل لمؤسسة الشهيد ياسر عرفات.
وأضاف أن رسالة سهى وصلت أمس، واستجابت لها حماس فورا وسلمت المنزل مساء أمس.

