"غاو" أو كما يطلقون عليها عاصمة الملك محمد أسكيا أول ملوك إفريقيا الذين طبقوا الشريعة الإسلامية قبل أزيد من خمسة قرون مضت، يقول عنها سكانها إن الحرب والفقر أنهكاها لدرجة أن الزائر لها أول مرة، يرى مجموعات للصبية المتسولين تتجاوز الأربعين صبيا، يحمل كل واحد منهم إناء يجمع فيه بقايا طعام أو ماء يسد به الرمق والعطش.
هذه الصورة المرعبة للفقر في منطقة لم يتجاوز سكانها قبل إعلان الانفصال عن مالي أقل من 1 مليون نسمة، وترقد كما يقول أعيان منطقة الأزواد على بحر من البترول والنفط والغاز والمواد الأخرى الثمينة .
وثائق سرية لاجتماعات ولات الجزائر بحكومة غاو على قارعة الطريق والسكان يهابون الكاميرا خوفا من الانتقام
تنقلنا من تومبوكتو إلى مدينة "غاو" على مدار مسافة تزيد 450 كلم، حيث استغرقت هذه الرحلة يومين كاملين بسبب سوء الطريق والزوابع الرملية التي عرفتها المنطقة، هذه الأخيرة التي سببت مشكلا كبيرا في الرؤيا اضطر بعدها السائق للتوقف خوفا من الضياع وسط رمال الصحراء، إضافة إلى انعدام تغطية الهاتف بالقمر الصناعي الذي أحمله لمدة تجاوزت في هذه الفترة أكثر من أربعة أيام.
مررنا بمدن "العروسة" و"غوسي" وبتنا ليلتين في العراء، حيث كان يميزها الصفاء التام، وما إن تلوح الساعات الأولى من الصباح حتى يتغير الجو وتبدأ الرياح والعواصف الرملية، استمر هذا الحال إلى غاية وصولنا إلى مشارف مدينة "غاو"، حيث كانت الساعة تشير إلى الواحدة والنصف ليلا، ومررنا عبر نقاط وحواجز الحركة الوطنية لتحرير الأزواد، وفي كل مرة كان المشرفون على هذه النقاط يقومون بالتدقيق في هوياتنا وسؤالنا عن سبب قدومنا إلى هذه المنطقة المتوترة في العالم.
بتنا ليلتنا في إحدى الإقامات التي تسيطر عليها الحركة الوطنية لتحرير الأزواد، لنستيقظ في صبيحة اليوم الموالي، وبعد أخذ ورد مع مسؤولي الحركة حول تجولنا في شوارع وسط مدينة "غاو"، وافقوا على خروجنا من الإقامة، لكن بشرط أنني المسؤول على سلامتي إذا وقع أي شيء.
راودتني الكثير من الهواجس والأفكار، وأنا أُهم بالخروج من الباب الرئيسي للإقامة، في ظل التواجد الكبير والملفت للانتباه لمسلحين من الحركة يسهرون على تأمين المنطقة، كان بالقرب من هذه الإقامة لافتة كبيرة باللغة الفرنسية مكتوب عليها "مقر الحكومة الجهوية لغاو"، وفي الجانب المقابل من الطريق مقر بلدية غاو وبعض الدوائر الأخرى التي لم يبق منها أي شيء، سوى الجدران بسبب عمليات النهب والسرقة والسطو التي عرفتها المدينة خلال الأيام الماضية.
يقول السكان عن حال المدينة "إنها الفوضى العارمة"، حيث في كل مكان خاصة بالقرب من المقرات الرسمية التي كانت تتبع في وقت سابق الحكومة المالية، حيث يمكن لأي طفل أو شخص يمر بالطريق أن يتحصل على وثيقة رسمية سرية تخص العلاقات العسكرية والاقتصادية التي كانت تربط الحكومة الجهوية لـ"غاو" بغيرها من المناطق، خاصة ولايات الجنوب الجزائري، كولايات أدرار وإليزي وتمنراست، التي اجتمع ولاتها مع حكام مدن الشمال المالي سابقا في 2008، ووقعوا خلالها اتفاقيات سرية بين الجانبين خصت الكثير من الأمور والقضايا التي تهم الطرفين.
البنزين بـ 700 دينار جزائري للتر الواحد
بالقرب من الشارع المتوسط مبنى الحكومة الجهوية في غاو ومقر البلدية، كانت محطة "النعمة للوقود"، شبه خالية من الزبائن ومواد المحروقات على حد سواء، حيث ارتفع سعر اللتر الواحد من البنزين إلى أكثر من7 دولارات، أي ما يعادل 700 دج، في وقت بلغت فيه درجة الحرارة تحت الظل حد لا يطاق 50 درجة مئوية، حيث يكثر الطلب على البنزين في فصل الصيف لتشغيل مولدات الطاقة التي تمد المنازل بالكهرباء شبه المنعدمة، والحصول على القليل من الهواء البارد عبر المكيفات المتهرئة والصدئة التي تجاوز عمرها العشرين سنة تقريبا.
لكن رغم كل هذا كان بالقرب من هذه المحطة، مدنيون من أبناء "غاو" يعرضون ما تبّق من سلع معلبة فاسدة وأخرى قاربت نهاية صلاحيتها لبيعها للسكان الذين بقوا في المدينة، ولم يفروا منها إلى النيجر أو الجزائر أو موريتانيا، تقدمت لأسأل أحدهم عن حال المدينة، لأفاجأ بفراره مني مذعورا، بعدها اقترب مني شخص كان يبيع بعض الخضر، ليسألني عن هويتي، فأجبته بأنني صحفي جزائري أسعى لنقل حقيقة ما وقع، ولا زال يقع في هذه المدينة، فأعتذر نيابة عن الرجل الذي قال"الناس هنا يخافون من الحديث للأجانب، خاصة وأنك تحمل كاميرا" يضيف ويقسم "والله بعضهم لا يعرف ماذا تحمل، وهم اعتقدوا أنه سلاح، كما أن الكثير ممن يعرف أنها كاميرا يخشى الحديث والظهور على شاشات التلفزيون خوفا من بطش أي جماعة قد لا تعجبها كلامه عنها فتلحق به الأذى"،
حاولت بصعوبة كبيرة، الدخول في حديث مع السكان وتجاذب أطراف الحديث معهم وإقناعهم بأن الأمر يخص مستقبلهم ومستقبل أولادهم الذي يتراوح في عمق هذه الصحراء.
بنوك منهوبة ودوريات لجماعة التوحيد والجهاد في وضح النهار
تركت السوق الشعبي، لأتوجه بعدها مباشرة في الشارع الرئيسي التجاري، لأفاجأ بمباني البنوك المدمرة، أبواب منهوبة وجدران مفجرة بالديناميت والمتفجرات، ل
لأخذ الأموال من مقرات البنوك الستة المتجاورة واحدة تلوى الأخرى، في نفس الشارع، طلبت من أحد السكان أن يشرح لي حقيقة ما وقع لهذه البنوك فقال"يوم السبت الأول من شهر أفريل دخلت المجموعات المسلحة من مختلف الفصائل عربا وعجما إلى مدينة غاو، حيث عرفت حالة من الفوضى لا زلنا نعاني منها لحد الساعة، لكن بحدة أقل" ويضيف"استعمل المهاجمون على البنوك المتفجرات لتحطيم الجدران الحديدية للخزانات المؤمنة التي كانت تحتوي على أموال طائلة بالعملة الصعبة من الدولارات والأورو، وبعدها كما ترى لم يبق منها إلا الخراب ووثائق البنك المرمية في كل مكان من هذا الشارع".
بعدها خرجت من مبنى البنك، وأنا أحمل الكاميرا على كتفي وأصور الخراب من على الشارع، وفي هذه اللحظات، كنت وجها لوجه مع سيارة رباعية الدفع من نوع هليكس على متنها مسلحين سلفيين يحملون الرايات السود المكتوب عليها "لا إله إلا الله محمد رسول الله"، أبطأوا من حركة سيارتهم وبدوري ركزت الكاميرا على سيارتهم، لينزل بعدها سائق السيارة يحمل سلاحا رشاشا، ويضع اللثام على وجهه، وألقى عليّ السلام، لأبادره أيضا أنا بالتحية، وأقول له "أنا صحفي جزائري وهذه هويتي، أقوم بإعداد فيلما وثائقيا عن الأحداث التي وقعت في المدينة"، سألني متى دخلت إلى غاو فأجبته البارحة فقط، وبعد تفحصه مليا في وثائقي، تركني لحال سبيلي بلباقة، كنت أعتقد خلال تلك اللحظات أن النهاية قد قربت.
كانت ملامح الرجل، توحي أنه في الأربعين من العمر، كما أنه كان يجيد كثيرا اللغة العربية الفصحى، وعلى متن السيارة كانت ملامح المقاتلين الذين يحملون معه السلاح، توحي أنهم استبقوا أعمارهم كثيرا، حيث شدّ انتباهي صبي يحمل سلاحا وكان يصوّرني بهاتفه خلال حديثي مع الرجل الذي عرفت فيما بعد أنه إحدى الشخصيات المهمة في تنظيم التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا.
الأمين العام للحركة الوطنية لتحرير الأزواد:
"أغيثونا ألسنا بشر لنا الحق في الحياة"
مع بلوغ الساعة العاشرة والنصف قبل الزوال، كانت الحركة شبه منعدمة في شوارع "غاو" بسبب النزوح الكبير للسكان إلى الدول المجاورة، وبسبب الارتفاع المذهل لدرجة الحرارة، هذه الوضعية حتمت عليّ العودة مجددا إلى مقر الإقامة، أين أتيحت لي الفرصة للقاء الأمين العام للحركة الوطنية لتحرير الأزواد، بلال آغ شريف، هذا الأخير كان مستاء جدا من تجاهل المجتمع الدولي للحالة الإنسانية لمدينة غاو، التي تنبأ بحدوث كارثة إنسانية في حال استمرار الوضع على ما هو عليه، ويقول "نحن الأزواديون لا نفهم لماذا يتأخر المجتمع الدولي وجيراننا وعلى وجه الخصوص الجزائر الدولة القوية في المنطقة والمنظمات الإغاثية في التدخل ومد يد المساعدة لأبناء شعبنا، الذي أنهكه الاستعمار المالي من قبل والفقر خلال هذه الفترة، وأضاف "نحن ندعوا المسلمين والإنسانية التدخل العاجل في الأزواد، أليسوا هؤلاء بشر لهم الحق في الحياة والصحة والتعليم، أم أننا في إفريقيا فلا يحب أن يسمع بنا أحد".








لا توجد كلمات دلالية لهذا المقال
مقاتلو التوحيد والجهاد يسيطرون على المدينة







6644 حدثنا مسدد حدثنا يحيى بن سعيد القطان حدثنا الأعمش حدثنا زيد بن وهب سمعت عبد الله قال قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إنكم سترون بعدي أثرة وأمورا تنكرونها قالوا فما تأمرنا يا رسول الله قال أدوا إليهم حقهم وسلوا الله حقكم
الحاشية رقم: 1
قوله : باب قول النبي صلى الله عليه وسلم سترون بعدي أمورا تنكرونها ) هذا اللفظ بعض المتن المذكور في ثاني أحادي
2012/05/03
2012/05/03
2012/05/03
رانا قريب نديرو عليك بلاغ في فائدة العائلات
2012/05/04
لاحول ولاقوة الا بالله العلي العظيم
2012/05/04
2012/05/04
2012/05/04
2012/05/04
2012/05/04
2012/05/04
2012/05/04
2012/05/04
اكتب تعليقاً