فكرة "الاتحاد" التي شغلت بال العلماء والمفكرين والكتاب في الخمسينات من القرن الماضي وأثارت جدلا واسعا ما تزال بعض أطروحات أصحابها صالحة للأزمة التي تعيشها بعض ولايات القطر الجزائري وفي مقدمتها غرداية، فكيف كان رموز الفكر والأدب الإباضي يناقشون فكرة الاتحاد؟.

 

جدل الأمس وعنف اليوم

   يقول المرحوم الشيخ إبراهيم بيوض: "لا نستطيع أن ندعي أن في الجزائر رأيا عاما بالمعنى الصحيح، لا حول المشاكل السياسية ولا حول القضايا الاجتماعية ولا حتى المسائل الدينية العنصرية ضاربة أطنابها في الحواضر والبوادي"جريدة المنار، عدد 18 عام 1953م"، بينما يجيب المرحوم إبراهيم أبو اليقظان على السؤال المطروح يومئذ وهو: "هل تعتقدون أن الاتحاد في الجزائر ممكن؟، الجواب: نعم، نعتقد ذلك إذا أظهرت الأمة الجزائرية المسلمة استعدادها للرجوع حقا إلى منبع الإسلام الصافي فإنها مهما بلغت من الجهل وتفرق الكلمة وتعدد الطوائف وكثرة العناصر والأحزاب ... ستحقق هذا الاتحاد".

ويطرح بعض الحلول منها:"أن يجعل المسؤولون أنفسهم أمام العامة مثلا عليا في النزاهة والاستقامة وكمال الخلق، على أن تكون الصحافة منارة يهتدي بإشاراتها وتوجيهاتها قادة البواخر في ظلمات الحوادث الحالكة، على أن يؤلف رؤساء الأحزاب والجمعيات (جهة واحدة متراصة يجمعها في إطار واحد ميثاق واحد مهما اختلفت وسائلهم في العمل)... الى جانب مكافحة الآفات الاجتماعية المفرقة للجماعات والخرافات والأوهام، وتحرير النفوس من الأهواء والأغراض والأنانية" المنار عدد 42 لعام 1953 .

عندما أنشئت "جمعية العلماء المسلمين" في 5 ماي 1931 برئاسة الفقيد الشيخ عبد الحميد بن باديس كان الاسم السادس فيها هو الشيخ إبراهيم بيوض، وحين أنشئت "جمعية علماء السنة المسلمين" في 15 سبتمبر 1932 برئاسة الشيخ المولود بن الصديق الحافظي الأزهرى كانت جريدة الخلاص لسان حالها التي نشرت رد رئيسها على الاتهامات التي وجهت لها قائلا: "هناك قوم حاولوا أن يشوهوا وجه الجمعية بدعوتين باطلتين لا أصل لهما:

الأولى قالوا إن هذه الجمعية تأسست لعداوة إخواننا الإباضية ومناهضتهم وهذا منهم إفك فجمعيتنا بالعكس من ذلك تعمل لإصلاح ذات البين، وتدعو للوفاق والوئام وإزالة الشقاق والخلاف واعتبار سائر العناصر كإخوة متحابين متوادين متناصرين ومن جملة هذه العناصر إخواننا الأباضية الذين نحترمهم ونحترم كل من يعيش تحت سماء الجزائر كما نحترم جمعية العلماء المسلمين، وقالوا إن الجمعية علوية وهذه الدعوى السخيفة أوهن من بيت العنكبوت "مذكرات عبد الرحمن بن العڤون ، جزء1، ص 280.

حاول الاستعمار وأعوانه من الاندماجيين تقزيم الجمعيتين باتهام الأولى بـ"الوهابية والثانية بالعلوية"  لتفريغهما من محتواهما الديني والحضاري الإسلامي.

وأعتقد أن الجزائر كانت مدركة لأهمية منطقة غرداية وخاصة بني ميزاب ودورهم في التماسك الاجتماعي والبناء الثقافي للدولة الجزائرية والدليل أن وفد الثورة الجزائرية أثناء اتفاقيات إيفيان عين الشيخ إبراهيم بيوض مندوبا للشؤون الثقافية في الهيئة التنفيذية المكلفة بتسيير الشؤون العامة في الجزائر في فترة ما بين توقيف إطلاق النار والاستقلال، وكانت تتكون من عبد الرحمن فارس رئيسا وروجي روث نائبا له إلى جانب ستة مندوبين جزائريين وستة مندوبين فرنسيين، فهل يعقل أنه بعد أكثر من نصف قرن من استرجاع السيادة والتعايش بين المالكيين والإباضيين تعود القضية إلى الواجهة في شكل مواجهة بين فئات الطائفتين دون أن تكون لذلك علاقة برئاسيات 2014م؟.

يبدو أن المسؤولية تتحملها الحكومة ثم السلطات الولائية التي قامت بتحجيم أعيان الطائفتين وإحياء عناصر الاختلاف والخلاف بينهما وإشعال نار الفتنة حتى إذا ما تفاقمت تقوم بإطفائها لإعطاء الانطباع بأنها حققت انتصارا في الجنوب بينما الحقيقة أنها مهدت لبذر التفرقة بين الطوائف. 

إن المذهب الإباضي الذي يرى بعض العلماء أنه مذهب خامس له قواعد فقهية مستمدة من الاسلام وله عادات وتقاليد - وإن كان من الصعب على بقية الطوائف الاقتناع بها - جديرة بالاحترام ومحاولة السلطة تمزيق اللحمة بين الميزابيين إنما هو مساس بالمذهب وعلى السلطة إدراك الحقيقة وعليها محاكمة المتسببين في إشعال نار الفتنة وتطبيق العدالة بصارمة بغض النظر عن الطرف الذي ينتمون إليه.

أعتقد أنه بدون إعادة الإعتبار للطائفتين إنشاء قتاة تلفزيونية لترقية ثقافة المنطقة والتكفل بمشاكل المجتمع دون تمييز لا نستطيع غن نعيد التوازن في المنطقة فالمشكلة ليست في الشباب وكيفية معالجة البطالة وإنما في كيفية إعادة الثقة بين الفرقاء وإعادة البناء وترقية العمل السياحي والخدمات العامة.

 

قرأت الكثير من الكتابات عن المنطقة وزرتها وتعرفت عليها ومع ذلك يبقى السؤال: أين هي المظاهر الثقافية التي تحدث عنها المرحوم أبو القاسم سعد الله في مقاله (حفل في ميزاب): "إن ميزاب ما تزال محافظة على تقاليدها الاجتماعية بينما نفس هذه التقاليد أخذت تتلاشى في أماكن أخرى من الوطن تاركة مكانها لعادات غربية، فأهل ميزاب الذين هم جزء من الشعب الجزائري مترابطون ترابطا اجتماعيا وثقافيا بحيث ينطبق عليهم الحديث الشريف كالبنيان المرصوص يشد بعضه البعض، فلكل قرية (عزابة) أو جماعة تسهر على مصالحها وتنظم شؤونها وتقرر حتى في المسائل الحساسة أو الشائكة أو الخلافية" الأعمال الكاملة، الجزء 19، ص 66، فهل تسعى السلطة إلى تفكيك هذا النظام بعد أن أصبح تمثيلا حقيقيا لـ"الديمقراطية" بالمفهوم الجزائري.