تحية عربية إلى الوزيرة هدى فرعون

date 2017/03/10 views 31985 comments 55
أبو بكر خالد سعد الله

أستاذ جامعي قسم الرياضيات / المدرسة العليا للأساتذة- القبة

لأول مرة، نشاهد حفلا بهيجا لا يقرأ فيه خطاب رئيس الجمهورية أحد مستشاريه من الذكور بل قرأته وزيرة من وزيرات حكومته. ولا شك أن اختيارها لتقوم بهذه المهمة لم يكن بمحض الصدفة... فما أكثر من كان يحلم بقراءة هذا الخطاب أمام الملإ لأمور في نفوس آل يعقوب. كان هذا المشهد يوم 8 مارس بمناسبة عيد المرأة الذي حضره الرسميون بمن فيهم الطاقم الحكومي برمته.

وهذه الوزيرة التي كان لها هذا الشرف في أعين الحضور، هي هدى إيمان فرعون، وزيرة البريد وتكنولوجيات الإعلام والاتصال. ما شد انتباهنا في هذا الحفل ليس دواعيه، ولا من حضروه، ولا مضمون الخطاب الرئاسي، وإنما شدت انتباهنا سلامة الإلقاء لنص هذا الخطاب واحترام مخارج الحروف عند الوزيرة وكذا احترام القواعد اللغوية... حتى إنه يتبادر إلى ذهن المستمع أو المشاهد أن الوزيرة من خريجات المعاهد الإعلامية واللغة العربية.

يستحسن المواطن هذا الأمر حينما يلاحظ أن للوزيرة الإتقان ذاته عند الحديث أو الإلقاء باللغة الفرنسية. بل نذكر أننا شاهدناها منذ مدة في مقطع قصير من ندوة آسيوية تخاطب الجمهور بلغة شكسبير دون تلعثم أو تردد. وهذا شرف للجزائر أن يمثلها رسميون من هذا القبيل. ونحن نذكر، للمقارنة، أننا شاهدنا مشهدا مماثلا في الخارج لسابقتها في قطاع البريد ومشاهد أخرى لها في الداخل كنا تمنينا ألا نشاهدها.

وليس هذا فحسب، بل إن وزيرة البريد وتكنولوجيات الإعلام والاتصال كانت أستاذة جامعية في الفيزياء وأشرفت على وكالة تابعة لقطاع البحث العلمي قبل دخولها حلبة السياسة، كما نشرت ما نشرت من البحوث في المجلات المحكمة حسب ما ورد في سيرتها الذاتية. لهذا نقول: ليتها كانت على رأس وزارة التربية لتؤثر لغويا في شباب اليوم ممن يهوون الأدب واللغات، وتؤثر علميا في من يهوون العلوم الأساسية كالفيزياء والرياضيات. ولو تولت زمام التربية لأثرت فعلا لأنها خريجة المدرسة التي وصفت بـ"المنكوبة" لتبرير التخلي عنها وإطلاق إصلاحات بداية هذا القرن التي نعيش الآن محنتها العميقة.

كيف لا نفتخر بعضو في الحكومة المنتسب إلى جيل الشباب وله كل هذه المميزات، من إتقان اللغات والعلوم الأساسية... والأداء في ملعب السياسة بكل تواضع. ورغم أننا نجهل مستوى فعاليتها في تسيير قطاعها، فإننا واثقون من أنه ليس أسوأ مما كانت عليه حاله وحال مختلف القطاعات. 

كم من مسؤول أو عضو في الحكومة يجمع بين كل هذه الخصال؟ وإذا اكتفينا بالجانب اللغوي واستثنينا كمشة من الوزراء -مثل وزير الشؤون الخارجية ووزير الشؤون الدينية ووزير العدل- فمن ينافس وزيرة البريد وتكنولوجيات الإعلام والاتصال في هذا المجال؟ بالتأكيد: لا أحد. وحتى وزير التعليم العالي المختص في الأدب العربي لم نلمس فيه هذا الاحترام للغة العربية أمام الكاميرا. 

وفي هذا السياق اللغوي، لا شك أن الكثير تابع على شاشة القناة الوطنية استعراض أعمال الثلاثية (الحكومة وأرباب العمل والطبقة الشغيلة) الذي قدمته خلال نحو نصف ساعة نشرة أخبار الثامنة قبل يومين. والجميع لاحظ المهزلة اللغوية: منْ مِن المتدخلين كان يتكلم بلغة عربية دارجة أو فصيحة؟ لم نسمع كلمة واحد بهذه اللغة من الكثير منهم... مسكين ذلك المتتبع الفضولي أو "الغاشي" أو الصحفي الذي لا يلم باللغة الفرنسية. كيف له أن يسمع صوت الثلاثية وهي تتكلم في شأن يهم جميع المواطنين لأنه يمس بلقمة عيشهم؟ ومسكين هذا البلد الذي يتربع على عرشه هؤلاء الذين يخاطبون الشعب بهذه الطريقة!

ولذلك سنكون سعداء إذا ما ظهرت حكومة جديدة بعد انتخابات شهر ماي، وكثر فيها أمثال هدى فرعون وشباب علميون ليس لهم عقدة لغوية. وسنكون أسعد إذا ما سمي البعض الآخر في وزارات... كالصيد البحري ليتقربوا أكثر من مرسيليا ويرتمون في أحضانها كلما حنّوا إلى ذلك.

  • print