الخميس 21 جانفي 2021 م, الموافق لـ 07 جمادى الآخرة 1442 هـ
الشروق العامة الشروق نيوز
إذاعة الشروق

الأستاذ محمد علي دبوز

ح.م
  • ---
  • 3

منذ تسع وثلاثين سنة، وفي مثل هذا اليوم انتهت حياة أحد أبناء الجزائر، الذين عرفوا قيمتها فوقفوا عليها حبّهم وحياتهم، فعرّفوا بها، وأشادوا بتراثها، وافتخروا بأمجادها، وتأسّوا برجالها، وخدموها في ميدان قلّ فيه الخادمون، ولا يقدر على خدمتها فيه إلا صنف من الرجال يتحلى بثلاث صفات هي العلم، والعزم، والصبر على تكاليف العمل في ذلك الميدان المادية والمعنوية..

فأما الميدان فهو “التاريخ”، وقد عشق هذا الابن البار تاريخ الجزائر، وعرف ما يحتويه من أساطين العلم، وأبطال الوغى، فراح يطبق على ذلك التاريخ المجيد ما قاله شاعر العربية وحكيمها في التاريخ المعاصر، أحمد شوقي:

                   غال بالتاريخ، واجعل صحفه          من كتاب الله في الإجلال قابا

                   قلّب الإنجيل، وانظر في الهدى                 تلق للتاريخ وزنا وحسابا

إن التاريخ – إن أحسن توظيفه – يؤدي دورا هاما في حياة أي شعب، وتلاحم أبنائه، ودفعهم إلى أن يسترخصوا كل نفيس في سبيل الذود عن وطنهم وشعبهم.

وكان من أبرز الأسلحة وأشدها التي استخدمتها فرنسا ضد الشعب الجزائري، سلاح التاريخ، فجنّدت من أجل تدمير “العقل الجزائري” ومحو “الأمة الجزائرية” جيشا لا يحمل البنادق لقتل الأجسام، ولكنه يحمل الأقلام لقتل الأرواح والأحلام، أو لشلّها عن كل فعل مضاد للمخطط الفرنسي الخبيث، وهو ما أطلق عليه بعض الدارسين “نزع السّلاح المعنوي” للجزائريين (le désarmement moral des Algériens)، وماتزال فرنسا مصرّة على السير في هذا الميدان، ولا أدل على ذلك من “استبسالها” في الاحتفاظ بما سرقته مما يتعلق بتاريخ الجزائر وتراثها المادي والمعنوي.

وأما هذا الابن البار الذي “جاهد” في هذا الميدان لوحده، من غير مؤازرة، فلا يكاد يعرفه إلا قلة من الجزائريين، لأن هناك “إرادة” لتجهيل الجزائريين بـ”الخلّص” من جنودهم، الساهرين على حدودهم الحضارية، المتصدّين لأعدائهم الحقيقيين، هذا الابن هو الأستاذ محمد علي دبوز، الذي رأى النّور في نهاية العقد الثاني من القرن الماضي في مدينة بريّان من ولاية غرداية..

بعد دروسه الأولى في بلدته التحق بمعهد الحياة في القرارة، ثم توجه إلى تونس، ومنها إلى مصر – مشيا على الأقدام – ليتزود مما حرمته منه فرنسا في وطنه، وهو العلم، فنال منه – بجدّه – الشيء الكثير، وإن لم ينل أي شهادة، ورجع في نهاية الأربعينيات إلى القرارة لينضم إلى هيئة التدريس في المعهد الذي درس فيه، فأفاد فائدة اعترف بها طلابه ومسيّرو المعهد، ويشهد عليها تراثه المطبوع وغير المطبوع، وأهم ما طبع “تاريخ المغرب الكبير” في ثلاثة أجزاء، و”نهضة الجزائر وثورتها”، و”أعلام الإصلاح”.

يعتبر الأستاذ دبوز حلقة وسطى وصلت بين رواد المدرسة التاريخية الجزائرية (الميلي، المدني، الجيلالي)، وبين جيل المؤرخين الأكاديميين مثل سعد الله، واقبال، وبلحميسي ومن تخرج على أيديهم، وصاروا من ابرز المؤرخين الجزائريين. إن الأستاذ دبوز بدأ معركة تحرير تاريخ الجزائر مع استرجاع الاستقلال قبل أن يكتب الأستاذ محمد شريف الساحلي كتابه الذي دعا فيه إلى تحرير التاريخ.

مقالات ذات صلة

  • "إله" الإنجيليين يغادر البيت الأبيض

    ما كان الرئيس السابق دونالد ترامب رجل دين يعرف الطريق إلى الكنيسة الإنجيلية، واقفا على ناصية المذبح، معترفا بأخطائه طلبا للمغفرة، فهو الليبرالي المنعم بثروة…

    • 430
    • 1
  • عن الوزيرة والسفير!

    قصة تعيين مغني الراي الشهير "كادير الجابوني" سفيرا للتراث الفني الجزائري، وبقدر ما أثارته من جدل كبير عبر منصات التواصل الاجتماعي فإنها تكشف مرة أخرى…

    • 1322
    • 4
600

3 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم
  • محمد

    اعتمد الكثير من أساتذة التاريخ على كتب الأستاذ محمد على دبوز حين لم يجدوا من المراجع الوطنية حول تاريخنا الماضي والحاضر الذي طمسته الفترة الاستعمارية سوى القليل من الكتب العلمية التي تعتمد الاستشهاد بالوثائق الصحيحة المخبأة في الخزائن الشعبية وما تركته أقلام أجدادنا من المخطوطات غير المطبوعة.لكن ما كان يمتاز به الأستاذ دبوز هو تلك الروح الوحدوية الصادرة من منطقة عمل الاستعمار على عزلها عن باقي المجتمع الجزائري.بفضل الأستاذ دبوز تعرفنا على نضال رجال تلك المنطقة لصالح وحدة الوطن وما يمتازون به من كفاح من أجل إبراز الثقافة العربية الإسلامية العنصر الأساسي في توحيد المجتمع ضد الانفصاليين الجهلة.

  • محمد ف

    السلام عليكم شيخنا وجزاك الله خيرا عن الجزائر وعن شهدائها وثبتك وأعانك على ما تبذله ضد عدوة الجزائر والناس أجمعين فرنسا.
    سيدي الفاضل لدي سؤال أرجو أن تنقله إلى المشرفين على الجريدة أو على صفحة “الرأى” وهو: أين هي مقالات الأستاذ حبيب راشدين وما سبب غيابه عن الجريدة؟

  • العربي

    أستاذنا الفاضل لماذا الجزائريون تصدق عليهم مقولة “كي كان حي شاتي تمرة وكي مات علقولو عرجون” أذكرك أستاذنا بالعالم الجليل المتخصص في تاريخ الدولة العثمانية صاحب المائتي كتاب المتقن لسبع لغات الحامل لكتاب الله المدرس بجامعة الأمير عبد القادر الأستاذ الدكتور خليفة حماش هل تعرفه وهل اطلعت على بعض بحوثه أنا على يقين أنك لا تعرفه لأن الرجل يمقت الأضواء الكاشفة وليس من هوات الظهور لأنه يقصم الظهور. أخشى أن تكون ممن يجهلونه لأنه يعمل في صمت فإذا استأثره الله بجواره سودت له المقالات وعلقت نخلة على قبره.

close
close