الثلاثاء 22 أكتوبر 2019 م, الموافق لـ 22 صفر 1441 هـ آخر تحديث 16:35
الشروق العامة الشروق نيوز الشروق +
إذاعة الشروق
ح.م

الحوار أسلوب حضاري لتماسك المجتمعات

  • قيمة أخلاقية و ضرورة سياسية وأسلوب حضاري لتماسك المجتمعات

  • حتى النباتات تتأثر بالموسيقى والكلام فتُعطي غلّة أكثر

لطالما كان الجزائري سندا لأخيه عبر التاريخ، فما يجمعهم أكبر بكثير ممّا يفرقهم، فدينهم واحد، وتاريخهم مشترك، والجميع إلى مصير واحد… لكن تعايش هذا الشعب بدأ في الانكسار، وكاد يُقطع حبل التواصل والتحاور، ساحبا وراءه بلدا بحجم الجزائر نحو الهاوية.. فهل ثقافة الحوار غائبة أصلا عن مجتمعنا ؟ أم أن ظروفا وتراكمات وتباينا للطّباع، هو ما خلق فجوة عميقة بين أبناء الوطن الواحد ؟

يقول المفكر طه عبد الرحمن “إذا كان الخلاف هو المرض، فإن الحِوار هو الدّواء”، فانقطاع التواصل بين الأفراد، قاد كثيرا من الشعوب والأوطان نحو الهاوية، فمن تفطّن وتدارك نجا ولو بعد حين، أمّا من تطرّف وتعصّب فلا نجاة له، في عالم خُلق أصلا بعد حوار بين الخالق عزّ وجل و ملائكته.

والمجتمع الجزائري، عصفت به حروب وأزمات على مرّ تاريخه، لكنه نجا بفضل تلاحمه.. فبالصّلح والحوار، عبَر إلى شاطئ الأمان بسلام، في عُشرية موت سوداء أهلكت الحرث والنسل وأسقطت 200 ألفا من الضحايا، وكان قبلها أبهر العالم  بثورة حياة، خرجت من رحم معاناة وتلاحم بين شعب يُعاني وجيش تحرير يقاوم ببندقية في اليد الشمال وسكّين باليمين، فدحر أعتى قوة احتلال عسكرية.

وهاهو حراك 22 فيفري، الذي كان كقطرة المطر التي سقطت فوق نبتة تُشارف على الموت فانبعثت فيها الحياة. قد أخرج الملايين عبر جُمُعات ولا يزالون، دون تسجيل ضحية واحدة، لينتهي المطاف بالجلوس للحوار طوعا لا غصبا، فلا أحد مجبور لسماع الأخر لو لم يُرد هو ذلك.

 والإشكالية، لم تخلينا عن الحوار والإنصات، ونحن من أسّسنا لمبادئ التواصل الجمعي لا الفردي؟

الحوار كمُمارسة، هو صفة أصيلة بالجنس البشري، المُكرم بالعقل والمخلوق لتعمير الأرض. ومع اختلاف البشر في طبائعهم، كان لابدّ من تواصلهم بدل صراعهم لتعمير مجتمعاتهم. أما الحوار الهادف، فهو ذلك الذي تتطابق فيه الآراء وتتوحّد، ويبتعد فيه المتحاورون عن التعصّب، لتحقيق أكبر قَدَر من تطابُق وجهات النّظر.

ولأننا أهملنا ثقافة الحوار في مجتمعنا المعاصر، ابتُلينا بظواهر سلبية قوّضت أركان المجتمع، فتفشى العنف والإجرام وانتشر الطلاق والخلع، وظهر الاكتئاب والتسرّب المدرسي وحتى حوادث المرور، والهجرة عبر قوارب الموت…

 

رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، الدكتور قسّوم:

الإسلام دين حوار.. والخلْق ابتُدأ بحوار بين الخالق وملائكته

يؤكد رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، الدكتور عبد الرزاق قسوم لـ “الشروق”، أن جميع الأديان السّماوية دعت إلى الحوار، أما الإسلام فهو أصلا دين حوار، كما أنه أعطى عناية كبيرة لهذه الممارسة.

ويضُمّ القران الكريم محطات حوارية تعزز من مكانة هذا السلوك،  كحوار الله عز وجل مع الملائكة، وحواره مع ابليس، وحوار المؤمنين مع الكافرين.

ولنا في رسولنا صلى الله عليه وسلم، القدوة في الجنوح للحوار، حيث اتخذه سبيلا للدعوة. وحسب تعبير قسوم ” حتى كلمة طيبة أو التفاتة، وابتسامة، أو وجه طلق من شخص لأخيه، تسهم في تعزيز سبل التواصل بين البشر” .

والمولى عز وجل يقول: “وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ” فصلت 34.  وأيضا “ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين”. النحل 125

وللحوار أهمية في الحياة، يقول الدّكتور “أصل الحياة هو الاختلاف، وبالاختلاف تحلو ممارسة الحوار، سواء بين الآباء وأبنائهم، والرجل وزوجته، وربّ العمل وعُمّاله، وبين الحاكم والمحكومين، وبين الحكام أنفسهم”.

ليُؤكّد بأن مجتمعنا واجه ظروفا عصيبة على مدار تاريخه، لكنه نجا بفضل تلاحمه، وتمسّكه بدينه ” فبمجرد انحرافنا ولو قليلا عن ثقافة الإصغاء لبعضنا والبعد عن تعاليم الإسلام السّمحة، قد ننزلق إلى الهاوية” على حدّ تعبير محدثنا.

وهو ما جعله ينصح أبناء بلده، بالجنوح للكلمة الطيبة، والبحث عن نقاط اتفاق لا تفسد للوُدّ قضية…ولنا في العشرية السوداء أسوأ مثال عن مخاطر التعصّب للرّأي”.

الوزير السابق والرئيس الشرفي للنادي الاقتصادي، عبد القادر سماري:

بلدان غرقت في وحل الحُروب سنواتِ فنجت بعدما تحاورت

ونظرة الوزير الأسبق والرئيس الشرفي للنادي الاقتصادي الجزائري، الدكتور عبد القادر سماري لممارسة الحوار، فهي أعمق وأوسع.

فاعتبر في تصريح لـ “الشروق”، أنّ التواصل موجود بين جميع الكائنات الحية، وحتى النباتات تتأثر بالتواصل. حيث أثبتت دراسات علمية أن الموسيقى تؤثر في الحيوان والنبات. وقال “الحوار مطلوب حتى بوجود علاقات طيبة بين البشر”.

ويبدو أن سماري طبّق هذه الدراسة على أشجار الزيتون بمزرعته بمدينة سطيف، حيث أكّد لنا أن أشجار الزيتون التي كان  يُقبّلها ويتواصل معها بالحديث، وجد حالها أفضل من بقية الأشجار، من حيث كثرة الغلة والسلامة.

وكثير من الشّعوب، حسب الدكتور، غرقت في وحل الحروب سنوات طويلة، وانتهي بها المطاف جالسة تتحاور، فقال ” العرب في الجاهلية خاضو حربا لـ 40 سنة كاملة، فيما استمرّت الحرب بين بريطانيا وفرنسا 100 سنة، والحرب الأهلية في الولايات المتحدة الأمريكية، استمرّت عشرات السنين، ولم تُحّل إلا بالتواصل بين المتناحرين، مُشكلين أكبر قوة  عالمية “.

الحوارات الأدبيّة….حصدت جوائز نوبل وأوصلت أفلاما وكُتبا للعالميّة

وحتى في مجال الأدب، حضر الحوار كممارسة وفنّ، وكان له دور كبير في تطوير هذا المجال، حيث يؤكد سماري ” أن أكثر من نال جوائز نوبل للآداب، هم تلكم الرواة الذين أبدعوا في كتابة حوارات مختلفة، وانتهت كسيناريوهات لأفلام ناجحة “.

 وكما لا يمكننا تجاهل، حوارات كليلة ودمنة الهادفة لتهذيب السلوك والتعايش، وكُتب أفلاطون وأرسطو، والأدب الحديث مع حافظ إبراهيم، وحوارات الأدب الوسيط.

وما يُشهد للدكتور سماري، أنه نشط  جدا في المجال الدّعوي، فلا يكلّ ولا يملّ من اتخاذ الحوار وسيلة لزرع القيم وسط الشباب..فكان كلما توقف في محطة بنزين أو تواجد عند حلاق أو داخل مقهى أو مطعم، يفتح نقاشات مع الشباب حول مواضيع الصلاة والقرآن، التدخين، بر الوالدين، الزواج والعمل والدراسة…

وفي قصة لطيفة سردها لنا، فقد تواجد مُحدثنا مرة مع أحد الأساتذة في سفرية، فأعلمه الأخير بوجود حي في العاصمة، انتشرت المخدرات وسط شبابه، وحذره قائلا ” الحديث مع هؤلاء الشباب مستحيل”. لكن سماري قرر الصلاة في مسجد هذا الحي…وبعد خروجه اقترب من بعض الشباب، ألقى عليهم السلام، ثم قال ” هل أنتم من سكان الحي، لأنني لم أركم في المسجد؟ “، فردّو “يا عمي ادعيلنا ربي يهدينا “، فقال لهم “لديّ يقين بأن والديكم يدعون لكم في كل وقت”.

 ليفتح معهم موضوع المرح في عُمر الشباب والجنوح لبعض المنكرات، والذي لا يمنع  من الصلاة وقراءة القرآن، وبر  الوالدين…”رأيتُ في وجوه بعضهم التأثر، وأحدهم اغرورقت عيناه وقال..عندي عام منذ تركت الصلاة”.. والنتيجة يلتقي محدثنا بعضا من هؤلاء الشباب بالمسجد في اليوم الموالي.

ليخلص الدكتور، إلى أن الحوار ” هو واجب انساني و ضرورة خُلقية، وقيمة إنسانية عالية، وإذا ذهب ابن خلدون للقول بأن الإنسان مدني بطبعه، فالمدنية لا تكون إلاّ باللغة أداة التواصل “.

المختص في علم النفس الإجتماعي، نبيل دغمام:

الرقمية وغلاء المعيشة والتعصب دمّر الحوار داخل الأسر

وعن أسباب تلاشي ثقافة الحوار بمجتمعنا، يُؤكد المختص بعلم النفس الاجتماعي، نبيل دغمام لـ “الشروق”، أن المجتمع الجزائري معروف وعبر التاريخ بتلاحمه وتماسكه، في السراء والضراء. ولكن مع التطور الرقمي، وتحوّل العالم لقرية صغيرة مفتوحة، ومع تبادل الثقافات والأفكار، ظهرت خصوصيات دينية و لغوية، وبرزت زُمر وعُصب وولاءات، وسادت ثقافة العُلوية والأنانية.

ليتأسف المُختص، كون الأسرة أو نواة المجتمع كانت المتضرّر الأكبر، بعدما انعدم الحوار بين أفرادها بسبب احتقار بعض الآباء لقدرات أبنائهم، فلا يجدونهم أهلا للحوار، فينشئونهم تنشئة “لا حوارية”، وهم يجهلون كم من حكمة قيلت على لسان طفل. كما ساهم موروث هيمنة “الذكورية” في انعدام الحوار بين الرجل وزوجته.

ومظاهر أخرى، مثل غلاء المعيشة وما صاحبها من اكتئاب وغضب وانطواء على الذات، وخروج المرأة للعمل تاركة أطفالها في رعاية أمّ بديلة لا يعرف الحنان إليها طريقا…فهنا حلّ الغضب والعنف مكان الحوار والنقاش الهاديء. لدرجة صار البعض يعتبر الحوار ” صداعا للرأس، فإذا دعوته مثلا إلى النقاش، يردّ عليك…والله ماني قادر نهدر، خليني أنريّح راسي”.

المدرب العالمي في العلاقات الإجتماعية، محمد مهدي:

هذه آداب وشرط نجاح أي حوار…

ولنجاح الحوار بين مختلف الأطراف في المجتمع، يعطينا المدرب العالمي في العلاقات الاجتماعية ومحلل أنماط الشخصيات، محمد مهدي، درسا مختصرا وقيّما في هذا المجال. فمهدي حاصل على شهادات من أرقى الجامعات الأمريكية والبريطانية في اختصاصه، فلديه ماستر مُوجّه حياة، وماستر مدرب أعمال ومدرب مشاهير، وهو يقدم مُحاضرات عبر العالم في اختصاصه.

التقيناه وسألناه عن كيفية إدارة حوار فعال، فاستهل حديثه، بقول المولى عز وجل “ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء” ابراهيم 24.

ثم قال، الحوار الفعّال، به يرتقي الفرد وتُبنى الأمم وتزدهر الأوطان، ولذا لا بد له من قواعد وآداب، ينتبه لها المحاور ليخرج بنتيجة فعالة، وحتى لا يتحول حواره إلى جدال أو نقاش فارغ.

وأول هذا الشروط، يقول “استحضار النية الصادقة قبل مباشرة أي حوار، ومهما كان موضوع الحوار، وثانيا أن تُحب الشخص الذي أمامك حتى ولو كنت تحاور أفكارا، وثالثا أن لا تُطلق أحكاما مسبقة على الطرف الثاني، ولا تحكم على شخصيته، وإنما قيّم أفكاره، لأنه متى حكمنا مسبقا على الشخص، انتهينا لحوار سيّء”.

والشرط الرابع، حسب مهدي، أن تكون للحوار مرجعية، وأهمها القران والسنة والعقل والعلم، وإلا تحوّل إلى جدال عقيم.

ومن أسس الحوار الفعال، أن يسعى المحاور لإيصال رسالته والبحث عن الحقيقة والوصول إليها “ّ فاذا كان الذي أمامك شخص جادّ، ابحث عن نقاط الاتفاق معه، للوصول إلى أرضية حوار سلسة”.

كما علينا احترام الشخص المُتكلّم ” ففن الحوار يقتضي أن استمع أكثر وأتكلم أقل، ولهذا لدينا أذنين اثنين وفمٌ واحد، فإذا تكلمنا جميعا أصبحنا في جدال”. كما ينصح المدرب العالمي، بتجنب الغضب “لأننا في الأصل نحاور أفكارا وليس شخصا، فعند الغضب ترتفع الأصوات ونغرق في الجدال”.

من آداب الحوار أيضا، الاعتراف بالخطأ، كما أنه رغم فرغم كل الحقائق، قد يأتي غيري بأفكار، تحول قناعاتي “فإذا كانت حُجة الطرف الثاني أقوى من حجتي فأعترف له بذلك، ولكن لا أسلمه كل أمري واستسلم”. وأيضا ترتيب الأفكار، وأن لا يخرج المحاور عن موضوع الحوار، وإلا أصبحنا أمام أفكار ونقاشات مبعثرة.

ومن أهم آداب الحوار، الصبر على من يخالفنا في الرأي، وكما قال الإمام الشافعي رحمه الله ” رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب”، مع وجود تكافؤ بين المتحاورين، من الناحية العلمية والثقافية، وفي العقل والفهم، وإلاّ فإن الغلبة ستكون”  للجاهل”، حيث قال الشافعي “ما ناظرتُ عالماً إلا غلبته، وما ناظرني جاهلاً الا غلبني”.

أما ما يقوّض الحوار، فيقول مهدي “هو رفع الصوت، وهو سلوك يلجأ إليه من لا يملك الحجة، فهؤلاء نعرفهم من ارتفاع أصواتهم، وتكرارهم نفس الحجة”. ومن يرفض البديهيات ليس أهلا للحوار بل هو مُجادل.

وأخيرا أقول..خرجنا من ظلمات الرحم إلى نور الحياة فتواصلنا مع محيطنا بالبصر، ثم ابتسمنا فضحكنا، تعالت بعدها كلماتنا ولو بتلعثم، ثم استقام لساننا فظهرت لغتنا…هو التواصل عبر مختلف مراحل الحياة الذي خُلق لأجله البشر.

الحوار حراك 22 فيفري عبد الرزاق قسوم

مقالات ذات صلة

  • "الجماعة" و"تاجماعت" و"العزابة"

    موروث اجتماعي يحل المشاكل وينهي النزاعات بالحوار

    عندما يغيب الحوار الفعال في المجتمع تتفاقم المشاكل وتزداد النزاعات تعقيدا، لكن لما يتم الاحتكام إلى العقل الراجح وتغليب أسلوب الحوار فكل هذه المشاكل ستزول…

    • 1468
    • 2
  • ارتفاع غير مسبوق للانهيارات العصبية وسط الجزائريين ومختصون يحذرون:

    600 حالة انتحار والمراهقون في المقدمة

    تطارد الهموم والمشاكل الحياتية غالبية الجزائريين الذين يعيشون توترا وقلقا كبيرين يؤثر على صحتهم وسلامتهم العقلية، وهو ما يفسر برأي كثير من المختصين الارتفاع المسجل…

    • 964
    • 7
600

3 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم
  • جزائري حر

    وكيفاه حبيتهم يتحاوروا وهم جهال.درك واين خرجولنا بعض من يعتقدون أنهم علماء ونخب. وكي كانت العصابة تجهل فيهم وتدمر في عقول أبنائهم علاه واحد فيكم ما كان راجل وقال stop هدا جرم في حق الأجيال. الجبان حتى لو كان يحمل ما يحمل من الشهادات لا يمكن تصنيفه من النخب والإطارات. فالدي يتصرف مثل الحيوان منين تميل ميل معاها من المفروض يزم فمو.

  • محمد البجاوي

    المتعصبون و المغرورون و المتكبرون و الدكتاتوريون هؤلاء جميعا يرفضون الحوار أصلا ..فمن تحاور ؟؟

  • المنقذ

    اصحاب المصالح الخاصة وباريس يرفضون الحوار أصلا ..فمن تحاور ؟؟ انتم تعرفوهم ماتوقتش باشعب عظيم

close
close