السبت 24 أوت 2019 م, الموافق لـ 23 ذو الحجة 1440 هـ آخر تحديث 16:12
الشروق العامة الشروق نيوز الشروق +
إذاعة الشروق

لأول مرة، منذ أكثر من شهرين، يصادفني نصٌّ بمستوى فكري وسياسي راق، لا يدَّعي صياغة حل بالوكالة عن الغير لأزمة تحتاج بالضرورة إلى مساهمة الجميع: سلطة قائمة، وموالاة، ومعارضة، ونُخب، في تمكين البلد من إعادة بناء المؤسسات الشرعية قبل التدافع في ترشيح من يعمِّرها، لأن البلد قد ورث من رُبع القرن الأخير مؤسساتٍ مفككة، بلا شرعية، لا يقوى على إصلاحها حزبٌ أو مجموعة أحزاب أو سلطة كيفما كانت النيّات حسنة، ولأن المسار الدستوري المقترَح كإطار للحل لا يفي بالغرض، كما أن المسار السياسي خارج الدستور معرَّضٌ لاختبارات فوق طاقته، ولأن البلد في حاجة إلى البحث عن مسار وسط يضمن استمرارية السلطات الملكية للدولة التي ليس لها ما لرئيس جمهورية منتخَب من صلاحيات، وبين مطلب بناء مؤسسات مالكة للشرعية تحتاج إلى جملة من الإجراءات والخطوات قبل الذهاب إلى انتخابات لا يُطعن في مصداقيتها.

هذه ـ بتصرف ـ خلاصة ما جاء في مساهمة للسيد مولود حمروش نُشرت بيومية فرنكوفونية، أرى أنها تقترح عن جدارة خارطة طريق متماسكة، ليس لحلِّ الأزمة، بل لأي حوار جاد يطمع ـ مع واجب صناعة حل توافقي مؤقت للأزمةـ في تحرير خارطة طريق لإعادة بناء مؤسسات الدولة التي تحتاج إلى فسحة زمنية أطول مما قد توفره أي مرحلة انتقالية متسرعة، قد يتحوَّل فيها الانتخاب إلى “سلاح تدمير شامل للاستقرار”.

ومع ما تضمَّنه النص من تيئيس ظاهر من فرص بناء الحلول حصريا تحت سقف الدستور الحالي، ومخاطر الحلول السياسية خارجه، يقترح رئيس الحكومة الأسبق مسارا يجمع بين وجوب التمكين لاستمرارية السلطات الملكية، ممثلة في مؤسسة رئاسة الدولة المؤقتة الحاضرة منذ دستور 76 كمخرج احتياطي يضمن استمرارية خدمات الدولة ومسؤولياتها الدولية، مع منح الفرصة لحوار وطني يبحث في ترسانة الإجراءات الواجب التكفل بها قبل الدخول في مسار إعادة بناء المؤسسات وفق أحكام المادتين السابعة والثامنة، تمر حتما عبر تحرير دستور جديد عبر الاستفتاء.

المقاربة كما نرى تحمل قدرا من الروح التوافقية، و”التعشيق” العقلاني بين مسارين، كلاهما ـ في تقدير حمروش ـ قاصر عن الوفاء بطموحات الحراك، وبالفرص التي وفرها للبلد، مع أن حمروش قد قفز ـ ربما عمداـ على المعوق الدستوري والسياسي الحاضر عند تدبير الشرط الأول، وأعني به الإقرار بواجب “استمرار السلطة الملكية للدولة” عبر رئاسة الدولة المؤقتة، إلا إذا كان قد قرأ مثل ما قرأته في بعض فقرات المادة 103 وجود فسحة دستورية لتمديد عمر رئاسة الدولة المؤقتة، ربما بعد التوافق السريع على شخصية مقبولة من الجميع: سلطة، وحراك، وأحزاب، تستلم الآن ـ قبل نفاد المهلة الدستوريةـ رئاسة الدولة المؤقتة وفق ما يُستشرف من الفقرة الرابعة من المادة 103 “عند تطبيق أحكام هذه المادة يظل رئيس الجمهورية السارية عهدته أو من يتولى وظيفة رئيس الدولة، في منصبه حتى أداء رئيس الجمهورية اليمين”.

وقتها نكون قد استجبنا لحاجة البلد الماسَّة إلى استمرار الوفاء بالسلطات الملكية (أمن وقضاء وجباية ومالية وعلاقات دولية وتمثيل السيادة الوطنية وخدمات الدولة للمواطنين) هي من مهام رئيس الدولة المؤقت، بالصلاحيات التي تحددها المادة 104 لا أكثر، لتتفرغ جميع القوى المعنية بالحوار إلى ابتكار أفضل الصيغ لإعادة الشرعية لمؤسسات الدولة وفق أحكام المادتين 7 و8.

ما يعنيني الآن في ورقة حمروش أنها تتضمَّن أفضل خارطة طريق للحوار، ليس من جهة تحديد من يحق له أن يشارك فيه، بل أرى فيها جدول أعمال مفصَّلا وراقيا لأيِّ حوار جاد يريد بالفعل أن يكون عند حسن ظن الحراك، وحاجة البلد إلى بناء مؤسسات لا يطعن أحدٌ في شرعيتها، هي الضامن لبناء استقرار دائم للبلد، الضامن بدوره لبناء مشروع اقتصادي وطني بديل.

600

4 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم
close
close