-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

إنجازات المقاومة..بين حالة الرّدع وتوازن الرّعب

الشروق أونلاين
  • 1562
  • 1
إنجازات المقاومة..بين حالة الرّدع وتوازن الرّعب

حتى ندرك الأبعاد الحقيقية لأيّ قضيةٍ لا بد من النّظر في الهويّة العقدية لأطراف الصراع فيها، والتي تعبّر عن المحدّدات الواقعية والخلفية الفكرية لهم، وهي الدراسة التي تحدّد بدقةٍ نصيب العقيدة من واقعهم، وأثرها في صناعة حاضرهم، والتنبؤ بصياغة مستقبلهم، وفق المعرفة التاريخية بالآخر والفقه بالسنن الكونية الثابتة، وأنّ التخلف عن هذا الفقه وعدم الاهتداء إليه هو الذي يتسبّب في هذا التشويش عن فقه الواقع والتصوّر السليم لأبعاده والإدراك الحقيقي لما سيؤول إليه.. ونحن بحاجةٍ إلى إعادة الصياغة الذّهنية للعقل المعاصر بالتصوّر الإسلامي الذي يستند إلى خاصّيّة خلود النّص القرآني، الذي يتناول قضايا الإنسان ومشكلاتِ الحياة مجردا عن أسْرِ حدود الزمان والمكان، فيبقى النّص حيًّا ومسايرا لامتداد الحياة الإنسانية، فنتعامل مع فقه الصراع الحضاري من خلال ثوابته التي قرّرتها العقيدة واختبرها التاريخ وصدّقها الواقع.. وإن المساحة التعبيرية التي خصّصها القرآن الكريم للحديث عن “اليهود” تعبّر عن الرؤية القرآنية الشاملة لهذا الجنس من البشر، وهي: حقيقةٌ حاضرةٌ ويقينٌ خالدٌ يمتدّ إلى الحاضر ويتسلّل إلى المستقبل، ولا بد من الاستناد إليه في فقه الصراع التاريخي والمتجدّد معهم.

فالقرآن الكريم الذي خاطب يهود البعثة بجرائم آبائهم يبيّن الحقيقةَ الخالدة عنهم أنها: صفاتٌ متأصلة وطِباعٌ متوارثة إلى درجة أنها جِبلّةٌ لا ينفكّ عنها اليهود في أيّ زمان أو مكان، مثل: نقضهم للعهود والاتفاقيات مما أدّى إلى المزيد من قسوة قلوبهم والخيانة المتأصّلة فيهم كما قال تعالى: “فبما نقضهم ميثاقهم لعنّاهم وجعلنا قلوبهم قاسية، ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم”. (المائدة: 13)، وتحريفهم للحقائق وبراعتهم في التضليل الإعلامي وإشاعة الأخبار والتقارير الكاذبة كما قال تعالى: “ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون”. (البقرة:42)، وحرصهم على إثارة الحروب وإشعال الفتن والإفساد في الأرض كما قال تعالى: “.. كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله، ويسعون في الأرض فسادا”. (المائدة: 64)، وجبنهم الشديد وخوفهم الكبير وحرصهم على أيّ حياة- حتى اخترعوا المستوطنات والملاجئ والجدار العنصري الفاصل  –   مع شدّة البأس بينهم كما قال تعالى: “لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر، بأسهم بينهم شديد، تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى..” (الحشر: 14) .. وغيرها من الصفات الماثلة أمامنا، والتي تعبّر عن خلود القرآن الكريم وصوابية تعامله الواقعي معهم، وبالتالي صدقية رؤيتنا وفقه تعاملنامعهم اهتداءً بهذا المنهج القرآني الذي بين أيدينا. وأول ما يجب أن يقرع آذاننا- فلا ننخدع بغيره- هو قوله تعالى عن شدّة عداوتهم لنا: “لتجدنّ أشدّ الناس عداوة للذين آمنوا: اليهود والذين أشركوا..” (المائدة:82). ولم يكتف القرآن الكريم برصد الحقيقة اليهودية الظاهرة وكشف صفاتهم الماثلة، بل تجاوز ذلك إلى هتك أسرارهم النفسية وفضح حقائقهم الباطنية، لنكون على بيّنة من فقه التعامل معهم، وهو ما يشعرنا بأهمية التحقّق بالرؤية القرآنية للوصول إلى المناعة الحضارية تجاههم.. وأن أيَّ خطأٍ في التّعامل مع فقه الصراع معهم وفق هذه الرؤية القرآنية يكلّفنا المزيد من الهزائم والخسائر والانكسارات.. ولذلك كانت من أولويات اليهود تاريخياً: إفراغ المسلمين من عمقهم الحضاري وبُعدهم العقائدي وسمتهم الإيماني وتميّزهم القيمي وسموِّهم الأخلاقي كما قال تعالى: “ولايزالون يقاتلونكم حتى يردّوكم عن دينكم إن استطاعوا..” (البقرة: 217)، والمعركة لا تأخذ بالضرورة شكلها العسكري المباشر، بل تتعدّاه إلى القوة النّاعمة مثل: التسلّل إلى النّص الدّيني بالتأويل وإشاعة الروايات الإسرائيلية، أو من خلال اختراق الصف (ماليا وإعلاميا وسياسيا وتجاريا..)، وذروته: الاختراق الدّيني بالنّفاق كما قال تعالى: “وقالت طائفة من أهل الكتاب: آمنوا بالذي أُنزل على الذين آمنوا وجه النّهار واكفروا آخره، لعلهم يرجعون”. (آل عمران:72)، وتشكيل الجماعات الإسلامية المتطرّفة عن طريق مراكز الدراسات ومخابر الاستشراق وأجهزة الاستخبارات، ونقل المعركة من “الصّراع بين الحضارات” إلى “الصّراع داخل الحضارة الواحدة” بتشويه الإسلام وتفجيره من الداخل..


المقاومة تستعيد زمام المبادرة:   اليوم نغزوهم ولا يغزوننا“.

فالعقيدة القتالية للمقاومة والتطوّر النّوعي لقدراتها العسكرية والأمنية، يؤرّخ لحقبةٍ جديدة من فقه الصراع مع العدو الصهيوني وفق الرؤية القرآنية الشاملة.

رجال العقيدة.. وعِشق الشهادة: فالتربية الإيمانية والتكوين العقائدي والروح الإسلامية والسّمت الأخلاقي والصبغة القرآنية والبُعد الروحي، هي مكوّنات إعداد رجال المقاومة الذين يخوضون الحرب المقدّسة ضد الصهاينة، وينوبون عن الأمة في تحرير الأرض المباركة، وعلى مائدة القرآن ومن نفحات المحراب وقدسية المساجد وروحانية الرّبانيين يتخرج هؤلاء الذين يصنعون المعجزة، فهم قدر الله تعالى النافذ في يهود آخر الزمان، يدركون جيدا أن هذا الإمكان في استعادة زمن الانتصارات ينبع من قوة الحقّ الذي يملكونه بالاستناد إلى صحة وخلود النّص القرآني الذي يتشرّبونه، وهذه الفطرة التي يحافظون عليها، وعلى استدعاء أنموذج الاقتداء بالمثال النبوي المعصوم، وامتداد هذا الأنموذج عبر الزمان في قوله صلى الله عليه وسلم: “لا تزال طائفة من أمتي قائمين على الحق، لا يضرّهم من خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك“. قالوا: يا رسول الله وأينهم؟ قال: “ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس“. وهو الدليل الواقعي والشاهد العملي على استدعاء النّصر وعودة الإسلام من جديد، وهم يمثلون بحقٍّ: ميداناً تدريبياً وتأصيلياً لاستدعاء القيم إلى واقع الحياة البشرية المعاصرة، يبعث الأمل من جديد في هذه الأمة، فهم يعشقون الشهادة أكثر من حبّ الصهاينة للحياة، دعاؤهم: “اللّهمّ خُذ من دِمائنا حتّى ترضىويجسّدون بحقٍّ شعار: “والموت في سبيل الله أسمى أمانينا، فيستشهدون ليتبرّعوا بدمائهم، ويبعثوا الروح والحياة فينا، ويبشّروا بتحرير فلسطين كلّ فلسطين


معركة الإرادات وصراع الأدمغة:

قال تعالى: “وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوّة ومن رباط الخيل..” (الأنفال:60)، فلم تبدأ هذه المعركة من تطوّر المنظومة العسكرية والأمنية للمقاومة، والصمود الأسطوري للشعب الفلسطيني واحتضانه لها، بل تمتد إلى العمق التاريخي في مواجهة المشروع الصهيوني في المنطقة، ومع ذلك فإنّ صواريخ المقاومة التي يعتبرهاالأعراب أشدّ كفرا ونفاقا..” (التوبة:97): مفرقعاتٍ عبثية، يعتبرها العدو الصهيوني معركةَ إرادةٍ وصراعَ أدمغةٍ ونواةَ صناعةٍ عسكرية فلسطينية تهدّد أمنه الاستراتيجي، وقد أثبتت الأيام: أن صمت المقاومة إعدادٌ وكلامها جهاد، هذا التطوير النّوعي لسلاح المقاومة والذي جاء متّسقا مع سُنّة التدافع بين الحقّ والباطل، أخذ منحىً تصاعديا: فمن انتفاضة الحجارة ورعبرابينمنها وحملته: “تكسير الأيدي، والشاعر يصرخ في وجهه: تحجّرت القلوب فما لها إلاّ الحجر …. اضرب فمن كفيك ينهمر المطر. إلى النبيضة والمقلاع، إلى المُلُوتُوف وإطارات الكاوتشّو، إلى السلاح الأبيض والقنابل الحارقة، إلى حرب العصابات ومدرسة الشهيدعماد عقلوشعاره: سنقرع أبواب الجنّة بجماجم اليهود، إلى أسطورة العمليات الاستشهادية والعبوات النّاسفة وأكاديمية المهندس الشهيديحي عياش، إلى الـآر. بي. جيالفلسطيني وعُوزي حماس، إلى كواتم الصوت وقذائف الأنيرجا، إلى القنابل اليدوية محلية الصنع ومادةقسام 19″، إلى قذيفة الياسين وعبوة الخرق القسّامية وتحطيم أسطورةالميركافامفخرة العسكرية الصهيونية، إلى حرب الأنفاق والصواريخ قسّامية الصُّنع 100 ٪ (قسام 1 و2 والبتار وغراد مطوّر و107 وفجر5 وسجّيل 55 وM75 وJ80 وR160.. وغيرها من المفاجآت التي لا تزال في جعبة المقاومة من التكتيكات العسكرية التي أبهرت الجميع، وأحدثت ولا تزال تحدث ثورةً مفاهيمية في فقه الصراع، وكان من بواكيرها الرمضانية في هذه المعركة (العصف المآكول): (الضفادع البشرية) باقتحام وحدةكوماندوسقسّامية لقاعدةِ السّلاح البحرية في (زيكيم) على شواطئ عسقلان عبر البحر، والتي أكّدت أنّ منظومة التّحكم والاتصال لدى القسام قد تطوّرت إلى حدّ التواصل مع قائد المجموعة أثناء العملية، والعملية المتزامنة (النفق المفخّخ) بأكبر وأحصن موقعٍ عسكريٍّ صهيوني بمعبركرم أبوسالم، و(الهجوم الاستباقي) للمعركة البرّية بقذائفكورنيتصوب الآليات العسكرية وإصابتها إصابةً مباشِرةً كرسالةٍ عملية قويّةٍ لما ينتظر العدو على الأرض، و(العمليات الإلكترونية) باختراق خبراء القسام لقنوات تلفزيونية والبريد الإلكتروني لنحو مليون صهيوني ورسائل نصية لكافة شركات الطيران العالمية التي تسيّر رحلاتها إلى كيان العدو، واختراق الهواتف الجوالة لعددٍ كبير من الجنود الصهاينة.. كلّ هذا أثبت أن المقاومة قد كسبت معركة الإرادة وصراع الأدمغة ولا تزال..

قوةالرّدع وتوازن الرّعب: فالرّعب قد غيّر معسكره، وتجسّد قوله تعالى: “.. ترهبون به عدوَّ الله وعدوّكم، وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم“. (الأنفال:60). فحجم صواريخ المقاومة ونوعيتها، والفشل الاستخباراتي الصهيوني في رصدها ومعرفة منصات إطلاقها، والتحدّي الصارخ للقبّة الحديدية (أمريكية الصّنع) بصواريخ مزوّدة بتقنيةٍ لا يمكن اكتشافها، وتحكّم القسّام في الأرض أمنيا واستخباراتيا (صفقة شاليط نموذجا)، وضرب كبرياء العدو في عاصمته السياسيةتل أبيب” (تل الرّبيع)، ووصول صواريخ المقاومة إلىحيفا” (180 كلم) في العمق الصهيوني، ووقوع: 05 ملايين من أحفاد القردة والخنازير تحت دائرة الاستهداف، واختبائهم في الملاجئ كالجرذان كما قال تعالى عن حقيقتهم: “وظنّوا أنّهم مانعتهم حُصُونهم من الله، فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا، وقذف في قلوبهم الرّعب..” (الحشر:02)، وتطوّر المقاومة جوّيًّا، وشلل العدو الصهيوني برّيًّا.. كلُّ هذا خلق حالةً منالرّدعوتوازنا فيالرّعب، مصداقا للنّص القرآني الحي، والذي استدعته المقاومة من جديد في قوله تعالى: “لأنتم أشدّ رهبة في صدورهم من الله، ذلك بأنهم قومٌ لا يفقهون” (الحشر:13).. 

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • jablox

    Machaalah un très bon article et une très bonne analyse.Merci pour cette analyse. et saha aidkoum.