-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

حب الجزائر

التهامي مجوري
  • 683
  • 0
حب الجزائر

الحب مشاعر وأحاسيس وعواطف، تتحول في مستوى معين من التوتر النفسي إلى وجدان يسكن نفس الإنسانية ولا يغادرها؛ بل من الناس من يعرض نفسه لمخاطر كبيرة في سبيل هذا الحب والدفاع عنه.

وكل الجزائريين في تقديري يحبون الجزائر، ولكنهم يختلفون في حبها، فمنهم من يحبها لابسة “ميني”، ومنهم من يحبها ترتدي “جلبابا”، وطائفة كبيرة جدا منهم، لا يعرفونها مرتدية إلا “الحايك” أو “لملاية” أو “بوعوينة”.

فالذي يريدها بالميني، لا يستحضر من صيغ التعبير عن حبه هذا إلا المتعة، فيريد أن يراها بصورة تسر الناظرين، ليتمتع هو بها ويريد ان يمتع كل من يراها، فيفرح بها ويعتز، فلا يريدها بلباس رث ورائحة كريهة وصفة لا تسر الناظرين؛ لأننا في عالم يفرض على الجميع قيما جديدة، يقتنع بها الناس كلهم، ولم تعد الصورة التي نريدها نحن هي الصورة المثلى التي يقتنع بها العالم فيحترمنا ويقدرنا، ويُنْزِل بلادنا منزلتها التي تستحق.

أما الذي يريدها بجلباب، فلا يهمه العالم وخياراته، ولا تهمه المتعة التي تسر الناظرين؛ لأن الجزائر ليست زوجة أحد من الناس جزائريين وغير جزائريين، وإنما هي أم الجميع، ومن يفكر في المتعة فليتجه إلى زوجته التي اختارها واختارته فيتبادلان المتع التي التقيا عليها. أما الجزائر بموقعها الذي تضمُّنا فيه وتشد علينا بحضنها فيه، فلا ينبغي أن تظهر بصورة غير الصورة الجامعة للجزائريين، التي لا تضر أحدا وإن خالفت ذوقه…، وعليه لا ينبغي أن تختار ما تلبس ليرضى عنها الناس، وإنما تختار من اللباس الذي قد يكون له أثره الاجتماعي الثقافي الذي لا يرضي بعض أبنائها، ولكنه بكل تأكيد لا يؤذي أحدا ولا يزاحم أحدا في مبنى أو معنى.

أما الذي لا يرى لها صورة مشرِّفة إلا بالحايك ولملاية وبوعوينة، فلا يرى حب الجزائر فيما تلبس، بقدر ما يتعلق بما توارثته الأجيال من الأمور الجامعة، بعيدا عن شطط الذاتيات المفرطة والتطرفات المجانبة للصواب المطلوب…، بما في ذلك اللباس الذي يتنافس على إظهاره الناس.

وذلك لا يعني أن الذي أرادها بالميني لا يحبها، وإنما يرى في خياره هو الصورة المناسبة لها، وذلك رأي يحفظ ولكنه يخضع للخيارات الجامعة، كما لا يعني أن الذي يريدها بالجلباب  أنه يكرهها، وإنما ما يراه مناسبا هو هذا الخيار، وذلك ليس إلا رأي من بين الآراء المعروضة في المجتمع، وكذلك الذي أرادها بالحايك ولملاية وبوعوينة لم يقدم إلا وجهة نظر، بل ربما لم يهتم بالموضوع أصلا، ولم يعط للموضع أكثر مما لاحظه في الواقع الذي توارثته الأجيال…، ومن ثم فهو لا يرى في الميني ولا في الجلباب مظهرا مقبولا للجزائر؛ لأنهما لم تحدثه عنهما أمه وجدته، ومع ذلك لا يمثل رأيه هذا إلا وجهة نظر من بين كثير من الآراء المطروحة في الساحة، وفي “بورصا” حب الجزائر…

كيف نحب الجزائر؟ وما هي الصورة المثلى للتعبير عن هذا الحب؟ ثم ما هو الحب الذي نتغنى به ليلا ونهارا؟

إن الحب كما أسلفنا كتلة من الأحاسيس والمشاعر يحملها الفرد والمجتمع تجاه أمور معينة، تحمل من القيم التراحمية والانحياز الذي لا سلطان لأحد عليه، إلا القدر الذي يجسد هذا الحب في صورة أقوال وأفعال ومواقف ثابتة لا تتزحزح، ولا تقبل التغيير والتبديل في الغالب…؛ لأن هذه المشاعر والأحاسيس لا تبقى مجرد أحاسيس وكفى، وإنما تتحول مع مرور الأيام إلى تفاعلات متداخلة فيما بينها، من رغبات ذاتية وشعور بالانتماء المجسد في المحبوب، مثل العلاقات الأسرية تماما.

إن ما تتوارثه الأجيال من عواطف وود وتراحم، تجاه الأسر التي ينتمون إليها، يفوق الخيال؛ بل ربما كانت التضحية في سبيل تجسيد تلك المشاعر أقرب للمرء من أي شيء آخر؟ ولا أدل على ذلك من طلب الشهادة في سبيل تحرير البلاد من مغتصبيها، كتعبير عملي على حب الوطن.

ولذلك لا نتصور شخصا يحب بلده ويخونه، أو يعمل على تحطيمه، أو يسعى في إضعافه… قد نجد بعض اجتهادات المرء فيما يدرك، مجانب لما يقرره هذا الحب، ولكن لا يمكن أن نجد خائنا يمكن أن تُلمَّع صورته بمجرد ادعاء كاذب لهذا الحب، أو بظهور صورة من صوره التي يدعيها، ويدعيها له المدعون.

إن حساسية الموضوع لا تسمح لي بالاستطراد في عرض النماذج الخيانية التي كشفتها لنا الأيام، ولكن لا بد من استحضار نموذج لهذا الحب الذي تكلمت عنه، وهنا تحضرني قصتان واقعتا لمجاهدين من مجاهدي حرب التحرير، أحدهما المجاهد سليمان عميرات رحمه الله، الذي أمد الله في عمره إلى أن دخل الجزائر مرحلة الانفتاح السياسي بعد أحداث أكتوبر 1988، بعد سنوات طويلة من المعارضة التي أجبرته على البقاء في الخارج، والثاني مجاهد أفضِّل عدم ذكر اسمه لحساسية الموضوع، ولكن قصته المعبرة عن فعل بطولي راق، لا بد من أن تعرفها الأجيال، لأنها تجسد الحب العميق للجزائر، الذي لا يمكن أن يبلغه إلا من ذاق حلاوته!!

أما سليمان عميرات رحمه الله، فقد قال في أحد انشطته السياسية بحضور الكثير من أقطاب الممارسة السياسية “لو خُيِّرْت بين الجزائر والديمقراطية لاخترت الجزائر”، وهذا الكلام قاله في سنة 1989 أو 1990، عندما كان الناس يسبِّحون بحمد الديمقراطية، فقد اختار سي سليمان الجزائر التي حرم منها طيلة فترة الاستقلال، بسبب معارضته للنظام 1962/1988.

أما تجربة المجاهد الثاني، فقد كان مسؤولا في مؤسسات الثورة في الخارج، وهو إنسان مثقف ويعي ما يقول ويفعل…، بلغه أن اخته زُوِّجَت من حركي في القرية، فدخل إلى البلاد مخاطرا بعمره ليصل إلى القرية ويطلق أخته من الزوج الحركي، ثم يسافر…، وعاشت أخته بعد الاستقلال، كما عاش الحركي أيضا، ومن غرائب الأقدار أن يموتا في يوم واحد…، إذ اليوم الذي ماتت فيه أخته هو نفس اليوم الذي مات فيه الحركي الذي طلق منه اخته.

إن حب الجزائر كأي حب، قد يؤدي بأهله إلى الكثير من المصاعب والمتاعب، ولكنه لا يشعر صاحبه بأنه على خطإ، أو في وضع قابل للتغير والتحول، أو تبنى خيارات يمكن أن يُعَيَّر بها ويحاسب عليها…

فهو حب كامل الأوصاف، وعابر للزمان والمكان وممتد في التاريخ، حيث يملي على أهله التضحية بكل شيء؛ لأن المحبوبة لا تقبل ما يقدمها من الأمور كلها، إلا حب الله والرسول، أما ما عدا ذلك مما يعد من الفضائل الدنيوية فلا قيمة له أما وكما قال علامة الجزائر عبد الحميد ابن باديس رحمه الله “الحق فوق كل أحد والوطن قبل كل شيء”…

فالديمقراطية قيمة سياسية رفيعة، يمكن للمرء أن يضحي في سبيلها ببعض ما يحب، مثل اللجوء إلى بلاد غيرها طلبا للسلامة وفي سبيل مواصلة النضال لأجلها، ولكن لا يضحي بها هي، بحجة الدفاع عن الديمقراطية، كما فعل بعض محبيها المزيفين، فسي سليمان الذي هاجر من الجزائر بسبب معارضته للنظام السياسي ذات يوم، ها هو يعود ويناضل من أجل ما اضطره للهجرة، ليلقن الأجيال من جديد أن خياراتهم السياسية الحقيقية والصادقة، هي الخيارات التي تدفع بحب البلاد إلى التضحية بكل شيء لأجلها، بما في ذلك الديمقراطية التي تعد من القيم الخادمة للبلاد نفسها…

إن محب الجزائر في أعماقه الصادقة الوفية، لا يسمح للأُسَر بأن تكون “كوكتال بشريا” مثل العتاريس والماعز، لا قيمة فيها إلا للشهوة والمتعة؛ لأن الأسرة الفاضلة التي قاومت الاستعمار بقوة الدين والأخلاق والفضيلة، لا تقبل بأن يكون للحركي علاقة نسب مع المجاهدين والصادقين والشهداء… قد يكون للموقف الفقهي رأيا في الموضوع، ولكن قيم الحب ومستلزماته، لا تبحث كثيرا فيما يعطله ويقف دون غاياته الكبرى، لا سيما في المساحات الواسعة التي تلفها الإباحة وفعل الأولى.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!