-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

رحيل عبد الملك مرتاض: هكذا ينتهي “الحفر في تجاعيد الذاكرة”

بقلم: أ.د. السبتي سلطاني
  • 266
  • 0
رحيل عبد الملك مرتاض: هكذا ينتهي “الحفر في تجاعيد الذاكرة”

أخيرا، ترجل فارس من فرسان اللغة العربية والنقد الأدبي في الجزائر، رحل طود من أطواد لغة الضاد في هذه البلاد، التي تمترست بقيمها الدينية واللغوية في وجه آلة الاستدمار الغاشمة التي عملت طيلة ما ينيف عن قرن وربع على محو كافة معالم الهوية الثقافية لهذا الوطن، رحل عبد الملك مرتاض، وفي قلبه حسرة على اللغة التي أفنى حياته خدمة لها، باحثا ومؤلفا وأكاديميا، لا يشق له غبار.. رحل الرجل الذي أفنى زهرة شبابه والبقية الباقية من عمره خدمة للغة العربية وأدبها، متنقلا بين ربوع العالم العربي، ناشرا الوعي بأهمية الحفاظ على قيم الهوية ونشرها بين الناشئة.
فقدت الجزائر عزيزا من أعز أبنائها البررة، وفقدت معه حصنا من حصون الدفاع عن قيمها وهويتها الذي ما فتئ يقف في وجه رياح التغريب العاتية، التي عملت على اقتلاع جيل كامل من جذور هويته.

رحل الرجل الموقف
لا يمكن لأي عاقل أن ينسى موقف الراحل، عبد الملك مرتاض، من انتشار ظاهرة الحديث باللغة الفرنسية لدى المسؤولين الجزائريين عبر وسائل الإعلام العمومية، ما جعل الرجل يراسل أعلى هرم السلطة في البلاد آنذاك، الراحل عبد العزيز بوتفليقة، منبها إياه إلى محيطه التغريبي الذي يزين له سوء عمله ومحاصرة اللغة العربية في عقر دارها، فما كان من المسؤول الأول عن البلاد يومها إلا أن كال لفقيد الجزائر سيلا من الإهانات في حصة تلفزيونية، مع الإعلامي المصري الراحل حمدي قنديل، جاعلا من علم عظيم من أعلام الأمة “يجر المرفوع ويرفع المجرور”، بأسلوب يحمل الكثير من الغل والحقد غير المبرر من أعلى سلطة في البلاد يومها، ومع ذلك، آثر الفقيد ترك المنصب والخروج في صمت تاركا المهمة “لمن لا يرفض طلبا للرئيس”.

فكر رصين ونتاج غزير
يمثل الراحل عبد الملك مرتاض صورة حية للمثقف الجزائري النموذجي. فهو فضلا عن التأسيس العلمي والمعرفي الرصين والمتمكن، له أزيد من ثمانين مؤلفا، تنوعت بين الإبداع الأدبي والدراسات النقدية والأكاديمية الجادة، فضلا عن اهتمامه الكبير بالبحث العلمي والدرس الأكاديمي، الذي نذر له نفسه، فتخرجت على يديه أجيال وأجيال من الدارسين والباحثين والمؤلفين الكبار في مشارق الجزائر ومغاربها. ولعلنا لا نجانب الصواب، إن قلنا بأنّ صدى عبد الملك مرتاض لم يقف عند حدود الوطن، بل تجاوزه ليصل إلى كافة أصقاع العالم العربي، كيف لا وهو من هو في التمكن من ناصية اللغة وقدرته الفائقة على تمييز جيد الشعر من رديئه، ما جعل قناة أبوظبي الإماراتية تختاره ليكون عضوا للجنة التحكيم في مسابقة أمير الشعراء.

تجربتي مع كتابات عبد الملك مرتاض
أذكر جيدا، وأنا أحضّر للمشاركة في مسابقة الماجستير بقسم اللغة العربية وآدابها بجامعة باجي مختار عنابة، أنني عكفت على قراءة كتاب فقيد الجزائر عبد الملك مرتاض الموسوم بـ: “النص الأدبي من أين وإلى أين”، الذي كنت قد اقتنيته من ديوان المطبوعات الجامعية. وما أثار اهتمامي في هذا العمل الأكاديمي الرصين، هو منهجه في تحليل النصوص التي اشتغل عليها الفقيد، على اعتبار أنّ الكتاب هو في الأصل سلسلة من المحاضرات التي كان يلقيها على طلابه، فقام بجمعها وطبعها ضمن منشورات ديوان المطبوعات الجامعية، فقمت باستلهام طريقته في تحليل النصوص الأدبية، ووظفت ذلك بطريقة علمية ومنهجية دقيقة، مكّنتني من الحصول على علامة مميزة، كانت سببا في اجتياز هذا الاستحقاق بامتياز. وقد ذكرت ذلك لأستاذي الفاضل، البروفيسور الطاهر رواينية، الذي أثنى كثيرا على طريقة التحليل التي سلكتها، محتذيا حذو الفقيد، عبد الملك مرتاض.
ختاما، يبدو أن أوراق خريف العمر عند عظماء هذه الأمة بدأت تتناثر متتابعة، تاركة فراغا رهيبا في الساحة العلمية والأدبية، غير أن عزاءنا في جيل جديد من الباحثين المتمكنين الذين درسوا على أيدي هذه الهامات الشامخة، والذين باتوا يسلكون مسالكها في البحث والإبداع، رحم الله فقيد الجزائر وأسكنه عليين مع الأنبياء والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!